هل يمكن للإنسان أن يظلم نفسه؟ والجواب: نعم، بل إن ظلم الإنسان لنفسه يتخذ أشكالاً متعددة نلقي عليها الضوء من خلال هذا النص للفقيه الراحل الدكتور محمد المسير.
بعث الله تعالى الرسل ليقوم الناس بالقسط، وشرع لهم منهجاً يحدد الحقوق والواجبات، وجعل الالتزام بها ضرورة تحتاج إلى حماية وقوة من ولاة الأمور الذين استرعاهم الله لحفظ الدين وسياسة الدنيا. قال الله تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (الحديد: 25). ويعد الخروج عن المنهج ظلما، وتركه خطيئة، والبعد عنه جريمة، وفي كل هذه الحالات فالإنسان هو الظالم لنفسه، حيث حرمها ثواب الله تعالى ومنعها السعادة في الدنيا والآخرة.
وظلم الإنسان لنفسه أنواع: فمن ألحد في آيات الله وأسمائه الحسنى وأشرك بالله فذلك أعظم الظلم وأكبر الجرائم وأولى الموبقات، قال الله تعالى: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (لقمان: 13).
القتل العمد
ومن تحمل دم أمرئ مسلم بغير حق فقد افترى إثما عظيما، وقد جاء الوعيد شديدا للقاتل الظالم فقال الله تعالى: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزآؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً (النساء 93).
وأخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن القتل يضيق على المرء دينه ويهوي به إلى مكان سحيق فقال كما في صحيح البخاري: لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً.
ولشدة هذه الجريمة كان مجرد الإعداد لها خروجا على الدين فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: من حمل علينا السلاح فليس منا.
ولعظم الوعيد وشدة العقاب للقاتل كان هناك وزر يتحمله قابيل بن آدم عن كل جريمة قتل تقع في الإنسان منذ آدم إلى قيام الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: لا تقتل نفس إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها.
ومن أخذ أموال الناس ظلماً وزوراً واقتطعها بغير حق فإنما يكتسب سحتا ويأكل ناراً ويعد نفسه في الآخرة لنار أشد وأنكى، ولا يقبل له عمل صالح ولا يرفع له دعاء ولا تقبل منه صدقة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين، وفي حديث آخر: من اقتطع حق أمرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال رجل: وإن كان شيئا يسيراً يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيبا من أراك.
ويتضاعف الذنب كلما كان المظلوم ضعيفا، ولذا كان أكل مال اليتيم من أشد الظلم وأكبر الإثم، قال الله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً (النساء: 10).
ومن الظلم البين الخوض في أعراض الناس وإشاعة الفاحشة فإن ذلك يهدم أسراً، ويحطم نفوساً، ويزلزل أخلاقاً. ولذا قال الله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (النور: 19). وقال جل شأنه: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (النور: 23).
واستقصاء أنواع الظلم يطول، فعقوق الوالدين ظلم لهما، والفرار من الميدان ظلم للعقيدة والوطن، وأكل الربا ظلم للمستضعفين في الأرض وهكذا.
شح النفوس
ولعل الأساس الأول للظلم هو شح النفوس، والحرص الشديد على متع الحياة الرخيصة، والأثرة في العلاقات الاجتماعية، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الحديث: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم (رواه مسلم).
هذا وقد جعل الله لصاحب الحق مقالاً: فمن حقه أن يجهر مستغيثاً برفع الظلم الواقع عليه وأن يطلب المساعدة في دفعه، قال الله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً (النساء: 148). ومنح الله المظلوم الحق في رد السيئة بمثلها ودعاه إلى العفو عند المقدرة فقال: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( الشورى: 40 43).
ومن هنا كانت دعوة المظلوم مستجابة فقال صلى الله عليه وسلم: واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (متفق عليه).
وعدل الله يلاحق الظالمين ولن يتخلف عنهم ولا يخدعن أحد بإمهال الله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (هود: 102). ومن هنا فإن عقاب الله تعالى للظالمين عاجل وآجل، ففي الدنيا توعدهم بخراب بيوتهم وهلاك ثرواتهم وسوء المنقلب في الأهل، قال الله تعالى: فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا إن في ذلك لآيةً لقوم يعلمون (النمل: 52).
ووعيد الله للظالمين في الآخرة شديد كبير فرأس الظالمين وهو إبليس سيتبرأ من غوايته للظالمين وسيقف إبليس وجنوده، ومن خدع بهم موقف الهوان والصغار بلا شفيع ولا صديق حميم. قال الله تعالى: فكبكبوا فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعون، قالوا وهم فيها يختصمون، تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين، وما أضلنا إلا المجرمون، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم (الشعراء: 94 - 101).