نشأت عائشة المدفع في أسرة كانت تعشق الشعر والأدب والإعلام، مما أثر ذلك عليها بشكل كبير، لتبدأ رحلة الكتابة والتدوين ومخاطبة الصحف العربية والخليجية والمحلية لنشر ما تكتب، وهي عضوة في الفريق الذي أنشأ أول جمعية نسائية في الإمارات بالشارقة عام 1972، وشاركت ضمن وفود الاتحاد النسائي للدولة في عدة مؤتمرات عربية، وشغلت منصب مديرة جمعية الاتحاد النسائية بالشارقة في الثمانينات، وكانت مدير تحرير مجلة «صوت المرأة» الصادرة من الجمعية، رغم أن مستواها التعليمي لم يتجاوز السادس الابتدائي.
تقول عائشة: إن زوجي وأولادي هم مصدر إلهامي، ونشأت في بيت علم رغم عدم حصولي على شهادة الثانوية، ولذلك لم أترك القلم من يدي، ومجتمعي يمضي باتجاه التغيير، وما أذكره من طفولتي أنني كنت يتيمة الأم وقد اعتنت بنا، أنا وأختي الكبرى المرحومة موزة بنت علي النابودة، والدة حمد المدفع، وكانت نعم الأخت والأم، رحمها الله، تعلمنا منها المواعظ الحسنة وكانت تقرأ معنا القرآن والكتب التاريخية البغدادية وسير الحروب وقصص الأنبياء وسير الأعلام.
وأضافت: منزلنا القديم تقع أمامه ساحة تطل على باب مجلس الضيوف، والبحر من جانب، وعلى سوق العرصة القديم، وفي هذه الساحة يتجمع الصبية ليستمتعوا بألعابهم القديمة بأدوات بدائية هي كل ما كنا نملك في ذلك العصر، فهناك لعبة «الترتور» وهي قطعة خشبية تضرب بعصا خشبية، وكنا نشتري أغراضنا من سوق العرصة الذي كان بمثابة المركز التجاري لنا، ففيه الكثير من الدكاكين منها الخباز ودكاكين للخضار والأقمشة وبعض الملابس الجاهزة، وصانع الحلوى العمانية، ولا أنسى دكان «عبدول الإيراني» حيث كنت أشتري الرمان والجوز.
الحصير عند المطوع
وأشارت إلى أنها لم يكن لديها أصحاب كثيرون في طفولتها، وعند ذهابها للمطوع كانت وبقية الأطفال يجلسون على الحصير في حرارة الصيف وبرودة الشتاء، وتقول: مربيتنا كانت تأخذنا من بيتنا إلى المدرسة ونمر بالأزقة القديمة بالشارقة، دروبنا رملية وبعضها حصباء، وكان سكان الحي يسكنون بيوتاً من طين، وأخرى من سعف النخيل على شكل خيام لتقيهم المطر، وأذكر أن والدي كان لديه قاموس جيب صغير، واستمتعت بالبحث عن كل ما أصادفه من كلمات إنجليزية على قصاصات الورق وعلب الأدوية، وهكذا تعلمت الإنجليزية، وأيضاً ساعدني أن أحد أقاربي كان يسافر إلى الهند للتجارة ويجلب معه كتب تعليم الإنجليزية، فعرفت الإنجليزية من كتب بريمر وريدر وبايسك.
وتضيف: لم يكن لدينا بعد انتهاء دراستنا القرآن لعامين أو أكثر مكان آخر، فكنا نجلس في البيت حيث تجتمع لدينا مجلات وصحف أبي التي تصله من مصر والعراق ولبنان والكويت وباكستان، وحتى من لندن، ومن خلال هذه المطبوعات تعرفنا على أخبار العالم وحروبه، وقرأنا عن الملك فاروق وقصوره وأخواته وبناته، وعن الملكة إليزابيث الثانية والأسرة البريطانية الحاكمة.
قصاصات وأسماء مستعارة
وتمضي قائلة: في الماضي، لم تكن هناك وسائل للاتصال، فكنا نكتب الرسائل القصيرة ونتداولها بين البيوت ونسميها «بروة» وهي عبارة عن قصاصات ورق، نكتب عليها السلام ونخط ما نريده وينقلها الخدم بيننا، فيأتينا الجواب سريعاً، ورغم أن فترة الخمسينات كانت تنقصها الهواتف، إلا أننا لم نكن منغلقين، ومن باب التسلية نستبدل بأسمائنا أسماء الممثلات مثل فاتن حمامة ومريم فخر الدين وغيرهما من نجمات السينما العربية، واليوم اختلف الوضع، فأصبح التواصل بكبسة زر، الأمر الذي سهل التواصل بين الأهل والأصدقاء.
وتضيف: راسلت فتيات في البحرين والكويت، ومن أسعد اللحظات تلك اللحظة التي يعود فيها والدي من الدائرة يحمل رسائل من صديقاتي، أقرؤها وأكتب الرد وأسلم الرسائل لوالدي ليرسلها بالبريد، وكانت تلك المراسلات مصدر سعادة بالنسبة لي، كما كانت وسيلة تعلم عن العالم الخارجي.
وتشير إلى أنها كانت تكتب مقالات وتنشرها في عدد من المجلات والصحف، ومنها جريدة «الخليج» عبر منبر القراء، ومؤخراً جمعت تلك المقالات وأصدرت كتاباً يحمل عنوان «هذا ما كان».
بين الماضي والحاضر
وتقول: الطريقة التي تربينا عليها تتسم بالحفاظ على العادات والتقاليد، وغرس قيم الطيبة والتسامح والتعاون، ونقلها لأبنائنا وأحفادنا، ولكن الحياة اختلفت كلياً ما بين اليوم والماضي، والعلاقات الاجتماعية لم تعد كما كانت سابقاً، فالتواصل في الماضي لم يكن مكلفاً، أما اليوم فالعلاقات الاجتماعية مكلفة ومتعبة جداً، والتواصل قلّ بشكل كبير، فلابد من إخبار الآخر قبل زيارته، والاستعداد المكلف والباهظ لاستقباله، والكلفة ليست مادية فقط، بل هي معنوية أيضاً، والمجاملات حاضرة بقوة في التواصل بعكس العلاقات في الماضي.
وتؤكد أن الأبناء والأحفاد في الماضي أيضاً كانوا على تواصل دائم، أما الآن فالتجمع العائلي يقتصر على مرة واحدة في الأسبوع، وأحياناً لا يلتزم الكل بالحضور بسبب ارتباطهم بالعمل أو الدراسة والتحضير للامتحانات.
وأوجه رسالة للأجيال القادمة بالحفاظ على التواصل الدائم مع الأقارب، والتمسك بالترابط الأسري، وجعله أولوية في حياتهم.