شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، الحافظ، أحد أعلام القرن الثاني الهجري، هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء، التميمي، المروزي نسبة إلى مرو . يكنى أبا عبدالرحمن وكان أبوه من تركيا، وأمه تركية خوارزمية . ولد سنة ثماني عشرة ومئة هجرية .
ويذكر الدكتور عبدالحليم محمود في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي أن الإمام عبدالله بن المبارك حفظ القرآن وتعلم العربية نحوها وصرفها وبلاغتها وتثقف في الفقه والحديث . واستمر بمرو إلى أن بلغ الثالثة والعشرين من عمره، وأخذ من العلوم الإسلامية أساساً قوياً . وكان ذا حافظة قوية لا يكاد يفلت منها شيء مما تسمع .
وقد هدده أبوه يوماً بأن يحرق كتبه فكانت إجابة ابن المبارك أن كتبه في صدره، أي أنه يحفظها، كان ابن المبارك ذكياً، ومجداً، وجمع بين العلم والزهد . وغادر ابن المبارك مرو لأول مرة في سن الثالثة والعشرين إلى العراق، وكان ذلك سنة إحدى وأربعين ومئة . وكانت بغداد محط أنظار الطامحين سواء أكان طموحهم من أجل الدنيا أم من أجل الدين .
من مؤلفاته
ولم يقف شغف ابن المبارك عند العراق بل سافر إلى أقطار أخرى وخصوصاً الحجاز . وحينما كان يصل إلى مكة يذهب إلى الحرم ويشرب من ماء زمزم وينوي بالشرب من ماء زمزم أمراً يرجو الله أن يحققه، وأثناء هذه الرحلات افتتن ابن المبارك بشخصيات من خيار الأمة، ومنهم الفضيل بن عياض، وسفيان الثوري والإمام مالك، وأبو حنيفة رضي الله عنهم .
صنف ابن المبارك كتباً عدة في أبواب العلم، وكان ثقة مأموناً حجة كثير الحديث، ويتبين الإنسان مكانته العلمية إذا نظر في قائمة الكتب التي ألفها، وإذا كان ابن المبارك قد اشتهر بالحديث فإنه مع ذلك اشتغل بتفسير القرآن، ويذكر صاحب الفهرست أن له تفسيراً للقرآن، ويذكر ابن النديم أيضاً أن له كتاباً في التاريخ وكتاباً في الفتاوى، كما اشتغل ابن المبارك بالفقه، وألف فيه كتاب: السنن في الفقه .
ومن كلامه الحكيم في الورع: لو أن رجلاً اتقى مئة شيء ولم يتورع عن شيء واحد لم يكن ورعاً، ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين، ومن كلامه في الزهد: سلطان الزهد أعظم من سلطان الرعية، لأن سلطان الرعية لا يجمع الناس إلا بالعصا، والزاهد ينفر من الناس فيتبعونه . ويقول: دعواك الزهد لنفسك يخرجك عن الزهد . ولقد سئل مرة: من الملوك؟ فقال: الزهاد .
وفي صفة الصفوة لابن الجوزي يذكر عن نعيم بن حماد إنه قال: كان عبدالله بن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف استوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم؟، وأيضاً قال شقيق بن إبراهيم: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا لم تجلس معنا؟ قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين . قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال اذهب انظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس .
الثري الزاهد
ولكن ابن المبارك الذي كان ورعاً وزاهداً، كان تاجراً كبيراً شديد الثراء، وهو في ذلك يقول: لا يخرج العبد عن الزهد إمساك الدنيا ليصون بها وجهه عن سؤال الناس .
وعن كرمه يقول العباس بن مصعب المروزي: جاء رجل إلى عبدالله بن المبارك فسأله أن يقضي ديناً عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألت عبدالله أن يقضيه عنك؟ قال سبعمئة درهم، فكتب إلى عبدالله: إن هذا الرجل سألك أن تقضي عنه سبعمئة درهم، وكتبت له سبعة آلاف درهم وقد فنيت الغلات فكتب إليه عبدالله: إن كانت الغلات فنيت فإن العمر أيضاً قد فنى فأوجز له ما سبق به قلمي .
وعن حب الناس له قال شعيب بن شعبة المصيصي: قدم هارون الرشيد أمير المؤمنين الرقة، فانجفل الناس خلف عبدالله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له: عبدالله بن المبارك فقالت: هذا والله الملك: لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بالعصا والسياط، والشرط والأعوان .
توفي ابن المبارك رحمه الله سنة 181هـ، ولما بلغ هارون الرشيد موت ابن المبارك قال: مات سيد العلماء .