إبراهيم اليوسف
لا يفتأ قاصد مدينة عجمان، وهو ينطلق إليها، تستوقفه هذه المدينة الأميرة، وهي تشكّل حضورها، بين كل من إماراتي أم القيوين والشارقة مسدلة جناحيها، في أكثر من اتجاه، كي يتقرى ملامحها، من خلال ناظريه، مترجماً المشاهد التي يرمقها، أو مستعيناً بآلة التصوير، كي يختزن مثل هذه المشاهد، يعود إليها، يستقرئها، في وقت تال، ليخضعها لما يسمى في فن قراءة الأمكنة ب"التحليل والتركيب"، كي تكون خلاصة وقفته الأولى: عناق البحر واليابسة، عبر تكوينات بصرية، ساحرة، خلابة .
لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتعرف أن الجذر الثلاثي لعجمان، هو "ع-ج-م"، وإن كنت ستجد روايات عدة حول تسميتها . ويقول د .أحمد أمين المدني: إنها مأخوذة من "عيمان" وليس عجمان، حيث تم هنا -وفق المصدر- تصغير اسم "عيمان" نظراً لتشابهها مع عمان، طقساً، وبيئة، والكلام -هنا- للمراجع عينها، كما أن حمد بوشهاب يؤكد، من ضمنها، أن الاسم هو "عيمان"، وإن كانت المصادر تذهب إلى أن عجم السيف يعني هزّه، بعيداً عن أرومة العجمة، وأياً تكن التسمية، فإن اسم إمارة عجمان، له صداه، إماراتياً، وخليجياً، وعربياً، بل ودولياً .
وإذا كانت إمارة عجمان تمتدُّ على نحو ستمئة كيلومتر مربع من مناطق المياه الإقليمية، بلغة الأطالس، فإنها كذلك تتربع على مساحة مئتين وستين كيلومتراً مربعاً، فهي أحد الأحجار الكريمة في عقد دولة الإمارات، إذ لها ألقها، وحضورها لدى كل من يراها، حيث يلتقي فيها بعدا الأصالة والحضارة، متعانقين، وهو ما يبدو في سيمياء عجمان العاصمة، وهي تحتضن قلب الإمارة، وإن كنا سنجد بعدين آخرين في قامة هذه الإمارة، وهما المنامة، ومصفوت، حيث لكل منهما -أيضاً- صداها، ما يغوي أية قراءة مكانية، بالتوقف عندهما على نحو خاص، ما دام أن لكلتيهما علاماتها الفارقة، كما للقلب العجمانيِّ علامته الفارقة .
يسألك السائق، وأنت في مدخل عجمان، أيَّ مكان تريد؟، تنتبه -حقاً- إنه سؤال محق، فها أنت قد قصدت المكان، بل حططت أنفاسك فيه، كي تتناول هذه المدينة، عبر وقفة خاصة، بيد أنك تعرف أن الأماكن التي يمكن أن تفيك بالغرض، كي تكون محور كتابتك -هذه- جدُّ كثيرة، ورغم أن هنالك ما يمكن أن يكون أول من يجتذبك -كما هو المركز الثقافي- بيد أنك تؤثر-هذه المرة- أن تمضي إلى استقراء المكان، في لحظة توهجه بالبهجة، لتقرر فوراً:
- أريد كورنيش البحر
سرعان، ما يبوصل السائق الآسيوي وجهة السيارة، تجاه المكان المطلوب، كي تعد نفسك، لمعانقته، وكأنك لم تتعرف إليه، من قبل، تحاول جاهداً إقصاء ما عرفته فيه -وإن كنت لا تفلح في ذلك- لاجئاً إلى قلمك، وكراستك، تدون مشاهداتك، إلى أن تطلب من السائق، أن يركن مركبته، في مكان خاص، لتذهب لالتقاط ما تقع عليه عيناك ملمحاً ملمحاً .
رغم أن المكان العجماني، ومن حيث التوصيف الطبيعي يكاد يتماهى مع ما حوله، لاسيما الشارقة، وأم القيوين، إلا أن في إمكان القراءة الممعنة التقاط بعض خصوصيات هذا المكان، فيما إذا ناست بين كتلتها العمرانية، وشاطئ بحرها، وعلاقة حراك الناس اليومي بذلك، حيث الشاطئ النظيف، والطبيعة الخلابة، تبعث الغبطة في نفوس مرتادي المكان، لاسيما فيما إذا كان الموعد الزمانيُّ، شتاء، حيث يكون للهواء نكهة أخرى، ولتفاعل الناس، مع تفاصيل المكان خصوصيته، وكيف لا مادمت تجد من حولك آلاف الوجوه، تذرع الأرض جيئة وذهاباً، إلى جانب من شكلوا حلقات صغيرة، أو كبيرة، كي يكون الشاطئ النظيف، حقاً، ملتقى الأصدقاء ببعضهم بعضاً، بل ملاذ الأسر التي أمضت يومها ضمن جدران البيت، وقد آن لأفرادها أن يمحوا عن أرواحهم ما علق بها من متاعب، وهم يقضون ساعاتهم، بين جدران البيت، أو بعد يوم كامل من تعب العمل ولهاثه، ووعثائه .

فضاء المكان

ثمة معادلة جد دقيقة، تربط بين الكائن البشري، والفضاء المكاني، حيث يغدو مثل هذا الفضاء جزءاً من معادلة حميمة، أليفة، ينشدُّ إليها، أنّى توافرت جملة شروط جمالية، يؤكد هذا المكان توافرها، وهو السرُّ في اتخاذه عنواناً عاماً، من قبل أبناء ملل وجنسيات عديدة، يستوي هنا: ابن المكان، أباً عن جدٍّ، إلى جانب شقيقه الخليجي، أو العربي، أو الآسيوي، أو الأوروبي، وقد تكون بساطة الحياة، وعفويتها عاملين رئيسيين، في مثل هذا المكان، لاسيما فيما إذا كانت لغة الأرقام تؤكد كثافته، على نحو مميز، بأمثال هؤلاء، سواء أكانوا ممن يعملون فيه، أم من قبل من يتخذونه سكناً .
الرصيف المحيط بشاطئ البحر، يستهوي خطوات زوار المكان، لاسيما أن المصاطب، والمقاعد، والمظلات، تتناثر في هندسة ممتعة، تجذب الأرواح، وهي تتريض، في الفضاء الموازي لأمواج البحر، حيث الطفل يهرع -وهو محفوف بعيون أهله ورقابتهم- إلى من يقاربونه سناً، في مغنطة عفوية، شأن النورس الذي يلتحق بالسرب، وكأنه يؤدي عرضه الخاص، ضمن كرنفال لحظة الغروب، لاسيما أن أشعة الشمس، في لحظتها اللازوردية، توزع حزمها، في المكان، كي يحلو الأنس، ويغرق كل من هو منتم إلى إحدى هذه الحلقات، في ما أعدته، من أطعمة خفيفة، هي -في الأصل- امتداد لأطعمة الأحاديث الشجية، وهي تنطلق من هذا المهاد، إلى عوالم المشاغل، والمعامل، والمتاجر، من دون أن تنسى دورتها تجاه أماكن بعيدة، محفورة في أعماق بعضهم، وهم موزعو الأرواح بين مكانين، أحدهما مسقط اللحظة الحاضرة، وثانيهما مسقط الأحلام الأولى .
لن يكون إلا ضمن المألوف، أن تجد في هذا المكان الذي يبعث على السرور والبهجة انكباب أحدهم، على ورقة بيضاء، كي تكتشف، وأنت تدنو منه، لتراه، وهو يواصل وضع "كروكي" لوحة له، وما أن يجدك مهتماً به، حتى تلامس شيئاً في أعماقه، ليتجلى ذلك وفق مس كهربائي، تتلقى الإحساس به، لاسيما أن تبادل أطراف الحوار السريع معه، يبين لك أنه أحد الفنانين المعروفين الكبار، وقد اعتاد اللجوء إلى هذا المكان عينه، في كل "عصرية"، بعد أن يضيق ذرعاً برائحة الألوان في مرسمه، ليؤكد لك أن أفكار لوحات كثيرة، قد بدأت من هذه المساحة الهندسية، تحديداً، وأن حركة الناس، من حوله، لا تمنعه من تفريغ فكرته، على نحو خطوط أولى، على أمل أن يتم معالجتها، في وقت لاحق .
"لست المبدع الوحيد هنا"، هكذا يقول لك الفنان، بثقة عالية بالنفس، ويتابع قائلاً: "لقد تعرفت قبل أشهر إلى شاعر كبير، كان يأتي إلى هذا المكان تحديداً، وقد كتب في هذا المكان عدداً من النصوص الشعرية، وقد استفدت -شخصياً- من بعض نصوصه، في لوحاتي، ونشأت بيننا علاقة إنسانية جميلة، ولكم أدهشني عندما وجدت بعض نصوصه منشوراً في إحدى المجلات الثقافية المشهورة" . يعبُّ الفنان، ذو اللحية المتهدلة، والشعر الأسود الفاحم، والنظرات العميقة، من سيجارته، يوزع دخانها، في الجهات، لوحات متتالية، هي أحوج إلى خبير من نوع آخر، كي يفككها، هي الأخرى وهو يتابع قائلاً: "لقد طلب مني الشاعر أن تكون لوحة غلاف مجموعته الشعرية الجديدة، من تصميمي، بعد أن زارني في المرسم، واخترنا معاً إحدى لوحاتي، وهو ما يبهجني حقاً، لأن توأمة الإبداع، قادتني لعلاقة رفاقية، مع شاعر أعتز به" .

إيقاع الحياة

تعجُّ الحياة، في هذا المكان، بمفرداتها، الكاملة، البهية، الزاهية، حيث تتواءم الطبيعة، بالحضور الآدمي، كل وفق ما اختطه لذاته، سيرة، ومساراً، ليظلَّ دائراً في فلك عوالمه، غير منفصل عمن حوله من آخرين، إذ إن صبغة الفضاء العام، سهلة التهجئة، من خلال أهلة الجوامع، ومنارات المساجد، وأصوات الأذان، على امتداد شريط اليوم، بيد أنه -وفي المقابل- تجد الفضاء ذاته منفتحاً على الآخر، وهو ما يسهل التأكد منه، ما دمت تجد بأم عينك من ينتمون إلى قارات العالم كلها، ليس من قبيل عابري المجموعات السياحية، الذين لا تفتأ تراهم -من حولك- بل وممن يؤمون المكان، أو يقيمون فيه، لما جذبهم إليه، من سلاسة الحياة، وتوافر سبل العيش، بل وقبل ذلك حصة المكان من الأمان، كما هو شأن شقيقاته الأخريات .
صنوف الأطيار تواصل تحليقها في المكان، وهي في مأمن، حيث هنا النوارس، هنا البجع، هنا الدوريُّ، هنا البلابل، هنا الحساسين، هنا اليمام، هنا الحمام، كلها تتعايش -هي الأخرى- في وئام، عبر عقد مبرم من السلام، فرضته قوانين المكان، في إهابه العام، وهو ما يجعل شدو بعض هاتيك الأطيار، مشكلاً مع إيقاع حراك الناس، وأصوات الموسيقى التصويرية، أو حتى الطبيعية، تتواءم، عبر تواشج هرمونيها، كل منها على حدة، لتكون في حضرة سمفونية فريدة، تغسل روحك فيها، خلال هنيهات معاينتك المساحة، وكأن لهذه الموسيقى بعدها في البحر المتاخم لظلك الذي يذوب، لولا أضواء الكهرباء، كي يكون لكل شيء موجه: البحر، والموسيقى، والفرح، والتواصل .
يتلك هي عجمان"، تقولها في نفسك، وأنت تتوجه إلى السيارة الواقفة، بعد أربع ساعات من الوقت العجماني، موقناً في قرارتك، أنك لم تحمل إلا القليل معك، لأن المكان الهائل، يحتاج إلى وقت هائل، وورش أقلام، وقوافل أعين حانية راصدة، لتلتقطه، ملمحاً ملمحاً، نبضة نبضة، همسة همسة، شدواً شدواً، كي تزاوج بين ذاكرتك، ورؤوس الأقلام الملتقطة، عساك تكتب ما يكفي من السرد، في إنجاح مهمتك هذه .