هل الرومانسية مصطلح غير قابل للتعريف؟ كما يذهب أحد المشاركين في هذا التحقيق الذي خصصناه لهذا الموضوع، وهل هي محاولة استعادة لماضٍ لن يعود أبداً؟ استعادة جماعية لمرحلة نهوض وتحرر أم استعادة فردية لذات المبدع المحاط يومياً بواقع هو أبعد ما يكون عن الخيال والشاعرية والبراءة والابتسامة والأمل؟ تلك المفردات السابقة وغيرها اعتبرها الخيال الجمعي لأخيال متتالية دلالات تحيل مباشرة إلى الرومانسية، ومن جانب آخر هل يخلو واقع ما أو مجتمع ما من منمنمات رومانسية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، ألا يجب على المبدع، القاص، والروائي والمسرحي وقبلهم الشاعر، إختلاف رومانسيته الخاصة، وهل الرومانسية غربية المنشأ؟ أي هل يرتبط هذا المفهوم السحري والغرائبي، على حد توصيف مشارك آخر في التحقيق، بثقافة معينة وزمن محدد؟ أم أنه مشاع للبشر كافة ومعبر أصيل عن أحلام الإنسان وآماله.
يقول الشاعر رفعت سلام، إن الرومانسية بالأساس مصطلح أدبي لا سياسي ولا فكري، وبالتالي لا يمكن وصف ممارسات معينة سواء كانت سياسية أو اجتماعية، بأنها رومانسية بالمعنى العلمي.
هناك في السياسة بطبيعة الحال سلوكيات انتهازية يمنية أو يسارية، اشتراكية أو تقدمية، تلك هي المصطلحات التي تحكم النظر إلى الواقع السياسي، والأمر نفسه ينطبق على العلاقات الاجتماعية.
ويشير سلام إلى أننا نستطيع أن نصف مجتمعاتنا العربية بأنها في مرحلة ردة عما جرى في الخمسينات والستينات، فهناك حالة دروشة وتظاهر ديني بلا مضمون، بدليل أن هذا التدين الظاهري كما يلحظ الجميع لم يحل دون استشراء الفساد وتفاقمه بالتوازي مع ظاهرة القمع على كل المستويات.
أما بالنسبة للأدب فالأمر يختلف، فالرومانسية تعني أن الذات هي مركز الكون، وأن الانفعال الداخلي جوهر هذه الذات، وبالتالي فالتعبير عن مثل هذه النظرة، في أي شكل إبداعي، تجعلنا نصفه بأنه رومانتيكي، أي أن النظرة الرومانتيكية للعالم لن تتوقف بانتهاء المدرسة الرومانسية، فهناك الكثير من الأعمال الإبداعية العربية في الرواية والشعر، لا تزال رومانتيكية، بلا وعي من كتابها، فهي مثلاً تتجلى في الشعر عندما تكون الذات هي مركز العالم الشعري داخل النص، ولا يكون الخارج سوى تجليات لهذه الذات، بلا استقلال موضوعي يتعامل الشعر، في هذه الحالة مع الخارج، من خلال انفعاله وليس من خلال مجمل طاقاته الإنسانية، هذه المسألة هي التي جعلت من بودلير على سبيل المثال شاعر الحداثة الأوروبية، لأنه جاء في أعقاب قامات شاهقة من كبار مؤسسي الرومانتيكية، لكنه انقلب عليها بأن حول القصيدة من تعبير عن الذات إلى تعبير عن رؤية للعالم، يصبح فيها العالم أساسياً في النص، دون أن نعرف بودلير من قصائده، فهنا تم الفصل بين النص الإبداعي والسيرة الذاتية، على النقيض مما كان يحدث مع الرومانتيكية، حيث كان النص الشعري نوعا من السيرة الذاتية لصاحبها.
ويلاحظ سلام أن حركة التصنيع الأوروبية ترافقت مع حركة فكرية كبرى، هي التي أنتجت جان جاك روسو ومونتسكيو وغيرهما، ممن أسسوا لمرحلة جديدة في الفكر الأوروبي ولمجتمع جديد، أما لدينا في الوطن العربي، فلم تحدث حركة تصنيع كبرى على النحو الذي يبرر ما حدث في أوروبا من اتجاهات أدبية.
يقول سلام: لدينا الأمر يختلف قليلاً، لأن الفكر والإبداع أحياناً ما يسبق حركة المجتمع، وفي مثل هذه الحالة العربية، يكون الاطلاع على المدرسة الرومانتيكية الأوروبية نسبيا في هذه النقلة، لأن القصيدة الكلاسيكية، في ذلك الحين، كانت قد استنفدت آليات الكتابة التقليدية، ولم تعد تلك الآليات متوافقة مع الأجيال الجديدة، التي تبحث لنفسها عن موطئ قدم، ولهذا نجد بعض شعراء الرومانتيكية العربية، قد ترجموا مرات، عددا من القصائد الأساسية من الشعر الرومانتيكي الانجليزي والفرنسي، كقصيدة البحيرة للامارتين.
ويشير سلام إلى أن الفارق بين رومانتيكيتنا العربية والرومانتيكية الأوروبية، يكمن في الفارق الزمني، الذي يصل إلى قرن، من تخلفنا عن الرومانتيكية الأوروبية، التي ضمت أصواتاً متمردة على المجتمع مثل بايرون، لكنّ شعراءنا الرومانتيكيين عكفوا فقط على ممثلي الرومانسية الكئيبين، المصدومين من هجمة الصناعة على الغابات والزراعة والجو الريفي، والطبيعة عموما، فلم تكن لدينا مثل هذه الهجمة، كما لم يكن لدينا في الحركة الرومانسية شاعر متمرد، إذا استثنينا أبو القاسم الشابي الذي تمرد على الاحتلال، لا على المجتمع، وبالتالي فهي رومانتيكية حزينة، تلتقط فحسب الجوانب السلبية للروح الإنسانية المعاصرة.
ويضيف سلام إنّ الوسائط التكنولوجيا الحديثة صارت طرفا في حياة الإنسان، فلم يعد قادراً على الاكتفاء بذاته، وسط الطبيعة، بل إن هذه الوسائط الحديثة بقدر ما قد تلغي الإحساس بالمسافات بين البشر والمجتمعات، وتناقل الأفكار والثقافات، بقدر ما تجعل الإنسان الفرد تقريباً لا شيء في هذا العالم الواسع، فلم يعد عالم الإنسان هو القرية أو المدينة أو الدولة، وإنما وجد نفسه وسط أمم وشعوب وقبائل من مليارات البشر، وبالتالي يصبح الإحساس بمركزية الذات هنا لا يمثل شيئاً لأن هذا العالم الواسع، لا يمكن للذات أن تواجهه، خاصة في مجتمعاتنا العربية التي تستخدم هذه الوسائط ولا تبدعها.
مراوغة
ويرى الشاعر عبدالمنعم رمضان أن الرومانسية، موجودة منذ أول إبداع إلى الآن، هي في أول المشهد أم في آخره، هذا ما يمكن الاختلاف حوله، فعندما نؤسس لشيء، فإننا لا نخترعه من عدم، نحن نكتشف الموجود فعلا، ونعيد إنتاجه، وهذا يحدث نتيجة شروط عامة وتاريخية تجعلنا نفعل ذلك.
ويضيف رمضان أنه بعد حركة الرواد في الشعر الحديث، كانت هناك حفاوة باللغة مع جيل السبعينات، من خلال تعدد التأويل والغموض الواضح، أو الوضوح الغامض، هذه الحفاوة باللغة لا تتعامل معها باعتبارها أداة تعبير، بل وجود مرغوب فيه لذاته، حتى أن قصيدة النثر تبدو وكأنها محاولة لإعادة اللغة إلى أحد أدوارها الأولى كأداة تعبير، وبذلك تكون قد اقتربت من الرومانسية، التي تتعامل مع اللغة كأداة تعبير عن الشاعر، نتعرف إليه من نصه.
ويتابع رمضان إن الشعر الجديد فيه الكثير من الرومانسية، لكنها ليست موجودة بالشكل المتعارف عليه، فهي موجودة ضمن مفهوم الحياة اليومية، وضمن أن نكتب عما نعرفه، هنا صارت اللغة عاملاً مشتركاً بين الشاعر والقارئ، فهي تصل إلى المستوى الأدنى المشترك بينهما، وهذه الرومانسية يمكن وصفها بالخجول.
ويشير إلى أنه عندما حاول الشعر ألا يكون الضمير العام لجماعته، ألا يكون ديوان العرب، استولت الرواية بتوجهاتها على ما تخلى عنه الشعر، خاصة الرواية المصرية وهي هنا أمارة مرض، إنها رومانسية خفية، ليست علامة صحة.
ويؤكد رمضان أن الرومانسية موجودة في كل اتجاه، فأحمد شوقي هذا الكلاسيكي العظيم تحت ثياب قصيدته نرى رومانسية ما، فمنذ الكتب السماوية الأولى والعالم مسكون بالرومانسية، لكن قيمتها الكبرى تأتي من كونها أول ثورة كبرى على الكلاسيكية، صاحبة العمر الأكبر في المذاهب الأدبية فكل الاتجاهات حين تثور لا تثور إلا على الكلاسيكية مرة أخرى، لأن الكلاسيكية لديها ضمانات بقاء، تجعلنا نثور ضدها، فالمتنبي وأحمد شوقي موجودان باستمرار، ومن هؤلاء وغيرهم تستمد الكلاسيكية أهميتها الكبرى.
ويرى رمضان أنه مع بزوغ الحداثة وما بعد الحداثة أصبحت الرومانسية هشة ومراوغة، فلا أحد يستعيد الآن النصوص الرومانسية بحنين كبير، لم يعد الناس مشغولين بعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل، فقد آلت نصوصهم إلى مصائر أخرى.
ويضرب رمضان مثلاً بالناقد أنور المعداوي، صاحب الصيت الكبير، الذي ألف كتاباً عن الشاعر علي محمود طه، لكن أوان نشره تأخر، فصدر في زمن غير زمنه، ولم يلق الحفاوة اللائقة به، وهذا يدلنا على أحد المصائر الخائبة للرومانسية، أيضاً الكلام لرمضان نحن نسخر من الرومانسية التي تبدو وكأن شرطها الأساسي هو الموت المبكر، فشعراء مثل أبو القاسم الشابي ومحمد عبدالمعطي الهمشري والتيجاني يوسف بشير وصالح الشرنوبي وغيرهم ماتوا مبكراً، وكان موتهم المبكر يعني من زاوية أن الاتكاء على التجربة الذاتية، مهما كان طويلاً، فهو قصير العمر، مثل الرومانسية كمذهب أدبي، بقي منها أنها ظلت استفزازاً للثورات الأخرى على الكلاسيكية سواء الرمزية أم السيريالية، فالرومانسية هي التي رفعت عصا الطاعة على الكلاسيكية، فبدت وكأنها إمام ائتم بها الآخرون.
ويضرب رمضان أمثلة أخرى، فأحمد عبد المعطي حجازي، تجربته الشعرية قصيرة العمر، لأنه اتكأ على خبرته الذاتية الخاصة، كذلك يمكن أن نصف تجربة محمد الماغوط، فالشعراء الذين استطاعوا أن يصنعوا مسافة بينهم وبين تجاربهم الخاصة وتعاملوا معها على أنها موضوع، هم الذين استمروا، ونقصد على سبيل المثال ت.س.إيليوت وأدونيس، فالإبداع كما يرى رمضان شرطه صنع المسافة، لكن الرومانسية لم تصنع تلك المسافة، فقصر عمرها.
مصطلح خاطئ
ويشير القاص والروائي محمود الورداني إلى أن الرومانسية التي نشأت في أوروبا كتيار أدبي، جاءت استجابة لواقع سياسي واجتماعي قائم هناك، لكننا هنا في العالم العربي نستخدم المصطلح في غير مكانه، خصوصاً على الصعيد الاجتماعي.
وإذا كنا نقصد بهذا المصطلح العودة إلى الحياة الطيبة والأمل والتفاؤل، وبالتالي فإن السؤال الأدق هو: هل نفتقد البراءة والابتسامة والأمل؟ فإن الإجابة تكون نعم، كما أن التيارات الأدبية في مصر والعالم العربي جاءت استجابة لواقع سياسي واجتماعي وجمالي، وأظن يقول الورداني أن هذا الواقع لا يطرح على أجندته مناقشة مثل هذه الأمور، لأنه شهد سقوط السرديات والأفكار الكبرى وإحباطات الأحلام، وتم تتويج ذلك كله بغزو كولونيالي للعراق.
وبهذا فإن واقعا يسمح بمثل هذا التوحش لا يمكن أن يطرح أي نوع من التفاؤل.
نحن مقبلون كما يرى الورداني على مرحلة ستزداد سوءاً وتوحشاً، ومثل هذا التفاؤل ربما يكون موجودا في الدراما أو الأفلام، لكن الإنتاج الروائي والشعري شهد غياباً في الفترة الأخيرة للأمل كقيمة إنسانية، فالتيارات الجديدة تتعامل مع الحب بشكل مختلف، وهذا التفاؤل سوف يغيب طويلاً، وفي ذلك استجابة لواقع موضوعي.
جذور
يقول الكاتب بدي ولد أبو: هل نعيش عصر ازدهار الرومانسية أم غيابها عن واقعنا السياسي والاجتماعي الأمر الذي ينعكس بالضرورة على المنتج الأدبي والثقافي؟، يصدر هذا السؤال في منطوقه من مستويين: مستوى الواقع الخام بما هو كذلك، ومستوى التوظيف الفني الإبداعي لهذا الواقع. نون الجماعة في السؤال تحيل إلى بداهة النحن. وهي طبعاً بداهة إشكالية تتقدم كثيراً من حيث معناها ومبناها الإشكاليين على مصطلح الرومانسية رغم ما للأخير من تعقيد الدلالة.
في هذه الإحالة على نحن غير مفصوح عنه تماماً ما يُذكّر بالجذور التاريخية للرومانسية. فيها ما يُذكّر بتلك الرغبة الجامحة مثلاً لدى كتاب اللغة الألمانية الفصحى الديتش، قبل تَكون الدولة الألمانية ووحدتها، في الإحالة إلى نحن خاص بفضائهم الانتمائي، نحن مرتكزُه الملموس شبه الوحيد ليس إلا لغة أدبية ثم فلسفية ما تزال في صراع محتَدم مع لهجاتها المتباعدة والمتنافرة. فيها ما يذكّر برغبة أولئك الكتاب بالتمايز عن كتابة أجنبية معينة يُنظر لها حينها في فضاء اللغة الألمانية على أنها تعبير عن الروح القومية للآخر. وللتذكير فتلك الكتابة الأجنبية كانت بالنسبة للألمان هي أدب الكلاسيكية الجديدة الفرنسية كما هيمنتْ أوربيا في القرن الثامن عشر.
هذه إذا هي الرومانسية في البداية : لقد عنيت أن الإرث الروماني الإغريقي كما استعادتْه أو توهمتْ أنها استعادتْه الكلاسيكية الجديدة في فرنسا سيلزم بالنسبة للفضاء الجرماني، وتالياً الفضاء الأنغلوساكسوني، رفْضُه أدبياً وسياسياً ورفضُ عقلانية أنوار القرن الثامن التي تُقدم كثمرة لاستعادته، أي لاستعادة مثل هذا الإرث. ليس ذلك فحسب فرغبة المغايرة لدى الكتاب الألمان تجاه الكتاب الفرنسيين كانت حينها مسكونة في نفس الوقت برغبة المطابقة/المحاكاة. وفي ذلك ما يُذكّر بوضعية الكتاب العرب اليوم تجاه الآخر الأوربي الأمريكي من حيث هم مسكونون بالمغايرة والنحْنية بنفس المستوى الذي هم به مسكونون بمطابقة/محاكاة الآخر.
ثمة مفارقة حَرية بأن نستعيدها بهذا الخصوص. فبالرغم من تأثر العالم العربي بالأدبيات الرومانسية الألمانية وهو أمر يظهر خصوصا في مفردات الأدبيات الوطنية، القطرية والقومية معاً، وإحالاتها فالمعطيات الجيوستراتيجية والجيوثقافية قد جعلت التأثير الألماني يمر أساساً عبر القنوات الفرنسية (تتصارع مثلاً في الأدبيات القومية العربية مفردات رينان الفرنسي مع فيخته الألماني)، أي عبر القنوات التي أخذت تتأثر بالرومانسية الألمانية والانجليزية منذ سنوات ظهور لوحة الفنان جريكو التي سماها طوْف المديز أو طوف رئة البحر (1819). وهو أمر يكفي لاستقراء عمق تأثيره في اللغة الأدبية المتداولة عربيا استقراءُ الصحافة العربية في مراحلها الأولى، أي الصحافة المصرية اللبنانية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين.
سياقات
المفكر والباحث محمد ولد أحظانا يقول: للإجابة على هذا السؤال غير المتوقع حسب الأفق العام لملابسات الواقع العربي، حيث يبدو هذا السؤال في سياق إدراك الواقع العربي، وكأنه سؤال يستفز كل من يشعر شعوراً كافياً بهذا الواقع. وسيتبادر إلى الذهن سؤال بديهي، وهو: من أين أطل رأس الرومانسية بما تحمله من شاعرية، وأحلام حريرية، وإحساس صادق بالمشاعر، وفزع للطبيعة، وافتتان بالجمال الكامن في أعطافها، وبعد عن التبلد العقلي الجاف؟
لكن مع ذلك يبدو السؤال وكأنه يبرر نفسه من خلال أرضية الواقع الحافي، بخبزه الحافي، وفكره الحافي، وتجهمه الحافي.. الواقع العربي بألمه المًمض، وخيبة أمله المتجددة، وانسداد آفاقه المنظورة.. هذا الواقع المتكلس في بعدي السياق التاريخي والفعل المبدع؛ دافع لهرب الذات العربية منه أيا يكون المهرب. دافع لليأس من خصوبة العقل الجمعي، وثوابت نهضته. دافع لتوق الذات إلى ممارسة حريتها من خلال الانسلاخ من ألم القضايا الثقيلة التي تتدحرج على أصابع قدميه فتدهسها في كل وقت رفعها إلى مستوى ركبتيه بعناء لا يبرره إلا فقدان البدائل.
بهذا المعنى نحن نعيش واقعاً يبرر الرومانسية كمهرب من جاهزية الواقع، لكن هل استطعنا أن ننجز النقلة الكيفية من حالة الكمون الرومانسي في واقعنا العربي الساحق إلى واقع إبداعي، يخلق آلية التحرر من واقعه ولو رمزياً؟
إن ثمة خلفيتين يجب استحضارهما عند التوسل للإجابة على سؤال الإبداع والتحرر الرمزي من الواقع: الخلفية الأولى: أن ارتباط الذات عندنا بواقعها العربي ارتباط ضرورة وليس ارتباط اختيار. بمعنى أننا لم نستطع أن نولد في وعينا الجمعي حالة من الارتباط الاختياري بالواقع ولو على مستوى منظومة الرموز التي ننتجها بما فيها من قيم فنية وأدبية، فنحن مندهشون من واقعنا اندهاشا يملأ علينا كل فضاءات الاهتمام والوعي. إنه واقع مؤلم فعلاً، ولكن نحشر أنفسنا في مكابدة الألم، دون النزوع نزوعا مميزا إلى فهمه وتحديد معالمه، وإدراك العلاقة التي يجب أن تربط ذواتنا بالألم. إننا لا نتحرر من ألمنا ولو فكريا حتى نستطيع أن نخلق حالة هرب ناجح من هذا الواقع. ولذا نبقى مربوطين بحبل الرحى الدوارة. مثلاً: أية قضية نستطيع أن نهرب منها؟ واقع الاحتلال؟ واقع الاختراق والاستباحة؟ واقع التخلف؟ واقع التخلف المنهجي؟ واقع التخلف المعرفي؟ واقع الفقر المذهل؟ واقع الثراء الأعمى؟ واقع التفاوت الاجتماعي؟ واقع الأمية؟ واقع تسوس العقول النخبوية؟ واقع تخشب الطبقة المثقفة و الفكر العربي؟ واقع الدبلجة الثقافية؟ واقع التشرذم والانتحار الجماعي؟ إن الواقع الذي يخلق الهرب منه حالة من التحرر الذاتي متاح بشكل زائد. ومنظومة الوعي عندنا لم تنتقل من حالة الانفعال والانبناء إلى حالة الفعل والبناء.
ويتابع ولد أحظانا، أما الخلفية الثانية فتتمثل في أن الثقافة العربية الحديثة في ما يُدْعَى عهد التحديث العربي وضعت أطرا جماعية للوعي، أصبحت ضمن المقدس المحظور. ولو تعلق الأمر بمضمون تلك الأطر من خلال دلالة عمومية قابلة للتنويع لهان الأمر، لكنها تعلقت بمضمون تأويلي خاص، أكسبه منظور مجموعة من أصحاب الرأي والريادة النظرية والسياسية صبغة لم تكن في يومها بارعة بما يكفي لنهوض أمة أو تحررها من حالة الارتهان إلى حالة التحرر الرمزي في الفكر الأدبي والفني؛ فكيف بها الآن؟
نحن إذن، أمام تأويل متخلف لمجموعة من العناوين الكبرى التي ارتبط بها وعينا، وربطنا بها وجودنا كأمة. فكان دفاعنا الغريزي عن ذاتنا الجمعية مرهونا بالدلالات الفقيرة لتأويل هذه العناوين الكبرى وما انطوت عليه من قضايانا الموصوفة أخلاقياً بالعدالة.
إن السؤال المطروح يتطلب تفكيراً معمقاً في هذه الخلفيات، ويحول النظر نحو القنظرة الفاصلة عندنا في الارتباط بين الواقع وأثره في منظومة الرموز عند أمم أخرى وسياقات تاريخية مختلفة، وبين واقعنا نحن وتأثيره على منظومتنا الرمزية. إنني أعتقد أن كون واقعنا لم ينتج تحرراً رمزياً منه يتجوهر في الرومانسية، أو أي مذهب آخر، وبالنظر إلى قوة الانفعال بالواقع، وارتباط تأويلاته ارتباطاً شرطياً بإثبات الوجود الجمعي؛ يجعلني أتوقع أن نتيجة واقعنا هذا الذي حفز التاريخ الغربي على إنتاج المدرسة الرومانسية، سينتج عنه عند التحرر الرمزي منه مولوداً آخراً مختلفاً عنه.
هكذا أفهم الأمر في مجمله بعيدا عن التفاصيل والمصطلحات الخاصة، وهكذا يبدو لي أن الإجابة على السؤال غير المتوقع بالنسبة لي يجب أن تكون من هذا المنظور غير المتوقع بالنسبة للسائل. إن هاتين الخلفيتين تدفعان باتجاه الارتهان الفعلي والرمزي للواقع، ومن ثم فإن توقعنا لرومانسية أدبية وفكرية دون إزاحة عوائق مستحكمة كهذه هو نوع من أحلام اليقظة، كما أنه نوع من مقايسة السياقات المختلفة. فمن أين لنا بالإبداع القادر على تحريرنا ولو رمزياً من واقعنا الطاحن، حتى نتوقع ظهور رومانسية عربية أو مولودا إبداعيا آخر بأي اسم أو مصطلح تتفتق عنه الآذهان؟
الأستاذ الجامعي (ببهاء ولد بديوه) يقول: يتطلب الحديث عن حضور أو غياب الرومانسية في واقعنا السياسي والاجتماعي أن نحدد أولا ما هو مفهوم الرومانسية؟ فقد عرفت هذه الكلمة تزحزحاً دلالياً يجعلها تختلف باختلاف الفضاءات الجغرافية والثقافية التي احتضنتها وحتى باختلاف تصورات أصحابها ومواقفهم من الذات الإنسان والعالم مما يجعل تعريفها باعتبارها حركة فكرية وفنية وأدبية أمراً بالغ الصعوبة. بل إن أحد منظريها وهو آرثر لوفجوي يرى أن كلمة رومانتيكي أصبحت لا تعني شيئاً، فهي لم تعد قادرة على الإشارة إلى أي شيء لأنها لا تكاد تشترك إلا قليلاً بين كل بلدٍ وآخر، فهناك رومانتيكيات عديدة ربما اعتمدت على مركبات فكرية مختلفة ومتباينة إلى حد بعيد، على أن الفروق بين الرومانسيات حسب رأيه لا تعتمد على الفروق القومية أو اللغوية بمفردها وإنما أيضاً على الأصول والبنيات الفكرية لتلك الرومانسيات وعلى السياقات التاريخية التي ولّدتها، والحق أن هناك حركة انتشرت في تسعينيات القرن الثامن عشر بدأت في ألمانيا هي التي اخترعت هذا الاسم وتسمّت به وفق أهدافها وغاياتها الفنية فهي إذن الحركة الوحيدة التي يستحق أن يطلق عليها مصطلح الرومانسية دونما مراء. وفي بريطانيا في أربعينيات القرن الثامن عشر كانت هناك حركة أخرى على شكل فلسفة فكرية وسمت بهذا الاسم، وقد أنجبت مجموعة من الشعراء امتازوا بالعاطفة الجياشة والذاتية والغموض رغم أنهم تغنوا بجمال الطبيعة مثل: توماس جراي ووليم بليك وشيلي وكيتس وبايرون. وفي مستهل القرن التاسع عشر كانت هناك حركة أخرى بدأت في فرنسا واتصلت بالحركة الألمانية وتسمت باسمها.
كانت الثورة الفرنسية 1798 هي العامل الأكبر في صعود هذا الفكر الرومانسي المتحرر والمتمرد على أوضاع كثيرة، أهمها الواقع الفرنسي. وقد انتشرت عدوى هذه الحركة في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر متخذة في كل مكان طابعاً مميزاً مما يجعل تعريفها باعتبارها حركة فكرية وفنية وأدبية أمراً متعذراً على الدارسين. فليس إطلاق نفس الاسم على كل تلك الأحداث دليلاً على تماثلها في الجوهر. ومن هنا فإن محاولة تعريف الرومانسية وتعيين حدودها تظل مجرد مقترح غير جامع ولا مانع، إذ أقصى ما يمكن أن تصل إليه كما يقول هوكس فيرتشايلد في بحثه: تعاريف الرومانتيكية هو إبراز جانب دون آخر، كأن تقول: إن الرومانسية رجوع إلى الطبيعة أو إعادة إحياء الاهتمام بالماضي أو التحرر في الأدب، أو الولع بالعجائب أو غلبة الخيال في الأدب، ولعل هذا هو ما جعله يقترح تعريفا حاول فيه أن يتجاوز تلك التعريفات فالرومانسية عنده: هي محاولة في مواجهة العوائق الواقعية المتزايدة، للاحتفاظ أو تبرير تلك النظرة الموهومة عن العالم والحياة، التي تجيء نتيجة لمزج خيالي بين المألوف والغريب، وبين المعروف وغير المعروف، والواقعي والمثالي، والمتناهي واللامتناهي، والمادي والروحي، والطبيعي وما فوق الطبيعي.
يمكن القول إن هناك بعض المفاهيم التي شكلت مرتكزاتها النظرية المشتركة مهما اختلفت شروطها وأبعادها التاريخية والثقافية لعل أبرزها الذات والخيال فالحركة الرومانسية يمكن أن تعرف على أنها تشريف للذات كردة فعل على تهميشها في السابق. أما الخيال فهو يمثل أحد مفاهيمها الأساسية وتعتبره الملكة الأولى، لدى الإنسان القادرة على الوصول إلى الحقيقة كما رأت فيه القدرة التشكيلة الخلاقة القادرة على تحوير الأشياء، بينما كانت فلسفة الكلاسيكية تحاصر الخيال وتخشى شطحاته، وتعتبره ملكة فوضوية وترى في العقل أهم ملكات الإنسان.
وقد انعكست هذه الأفكار على المنتج الأدبي والفني تنوعت من بيئة ثقافية إلى أخرى، ولكنها في المنظور العام تميزت بنسق إبداعي ذي خصائص يمكن استجلاء ملامحه، يقول رنيه وليك: لو تفحصنا خصائص الأدب الذي دعا نفسه أو دُعي رومانسياً في أنحاء القارة الأوروبية لوجدنا في كل مكان المفاهيم نفسها الخاصة بالطبيعة وعلاقتها بالإنسان، والأسلوب الشعري الذي يتميز بطريقة في استعمال الصور والرموز والأساطير تختلف عن الكلاسيكية المحدثة التي سادت في القرن الثامن عشر. وتدعم العناصر الأخرى التي كثيراً ما يجري بحثها كالذاتية والنزعة القروسطوية والفولكلور، إلخ.. هذا الاستنتاج أو تعدله، ولكن المعايير الثلاثة التالية يجب أن تكون مقنعة بشكل خاص، لأن كلاً منها يتصف بأهمية خاصة لجانب من جوانب الكتابة والأدب: الخيال بالنسبة إلى نظرتنا إلى الشعر، والطبيعة بالنسبة إلى نظرتنا للعالم، والرمز والأسطورة بالنسبة إلى الأسلوب الشعري.
إن كل هذه الأفكار لم تغب ولم تمت في واقعنا السياسي والاجتماعي وما تزال لها بعض التجليات في المنتج الفني والأدبي، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرومانسية ستزدهر من جديد. فالسياقات الاجتماعية السياسية التي احتضنت تلك الحركات ليست هي السياقات اليوم. كما أن التحديات والآلام والآمال والأحلام مختلفة في دواعيها وغاياتها اليوم عما كانت عليه يومئذ، إن حلمنا الرومانسي لم يعد من الممكن أن يجد ملجأ في الطبيعة التي انتهكت حرماتها بفعل الزحف الآلي، ولم يعد من الممكن أن يهرب ليرتمي في أحضان الماضي مهما ازداد بريقها لمعانا بفعل غمر السراب الذي تطفح به صحراوية العصر. إن هي إلا أسراب حلم جفت أمامها المروج وانزاحت عنها الغابات.
هلامية المصطلح
ولدتْ الرومانسية من رغبة جرمانية ثم انجلوساكسونية في مصارعة الأدب الفرنسي ثم انتقلتْ إلى الأدب العربي عبر الأدب الفرنسي نفسه. كان ذلك أول مراحل التمزق الدلالي الذي سيعرفه هذا المصطلح. ثم جاء ما عرف بالرومانسية العربية أي ثلاثية الرابطة القلمية والديوان وأبولو لتنضاف المرجعية الرمانسية الأنجلوساكسونية. وظل المغرب العربي لأسباب بديهية مهوسا بالمرجعية الرومانسية الفرنسية. وطبعاً ليس أبو القاسم الشابي استثناء في هذا المضمار رغم ارتباطه المعروف بأبولو فقد كانت خلفيتُه الرومانسية فرنسية أساساً.
هذا التشتت الدلالي ليس غريبا على تاريخ الرومانسية فأحد تعاريفها هي أنها غير قابلة للتعريف بحسب الصيغة الشهيرة للديشيس ددراس (1824). بيد أن الرومانسية، رغم هلامية دلالتها وتشتت مرجعياتها الأوربية، ظلّتْ منذ البداية، منذ نوفاليس وشليجيل، تدور بشكل معلن في فلك الغرائبي والخارق والمفرط والمذهل والصبياني والنزق واللاعقلاني والمجهول.
استمرارية
تعني الرومانسي أن الذات هي مركز الكون، وأن الانفعال الداخلي جوهر هذه الذات، وبالتالي فالتعبير عن مثل هذه النظرة، في أي شكل إبداعي، تجعلنا نصفه بأنه رومانتيكي، أي أن النظرة الرومانتيكية للعالم لن تتوقف بانتهاء المدرسة الرومانسية، فهناك الكثير من الأعمال الإبداعية العربية في الرواية والشعر، لا تزال رومانتيكية، بلا وعي من كتابها، فهي مثلاً تتجلى في الشعر عندما تكون الذات هي مركز العالم الشعري داخل النص، ولا يكون الخارج سوى تجليات لهذه الذات
تمرد
كانت الثورة الفرنسية 1798 هي العامل الأكبر في صعود هذا الفكر الرومانسي المتحرر والمتمرد على أوضاع كثيرة، أهمها الواقع الفرنسي. وقد انتشرت عدوى هذه الحركة في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر متخذة في كل مكان طابعاً مميزاً مما يجعل تعريفها باعتبارها حركة فكرية وفنية وأدبية أمراً متعذراً على الدارسين. فليس إطلاق نفس الاسم على كل تلك الأحداث دليلاً على تماثلها في الجوهر. ومن هنا فإن محاولة تعريف الرومانسية وتعيين حدودها تظل مجرد مقترح غير جامع ولا مانع.