ينظر الإسلام إلى الإنسان نظرة شاملة، جسداً وعقلاً وروحاً، ينظر إليه من خلال تكوينه الفطري، ثم هو ينظم حياته ويعالجه على أساس هذه النظرة، فالإسلام لم ينظر إلى الإنسان نظرة مادية مجردة بل هو يستجيب لحاجاته ومطالبه، فيوفر له المأكل والملبس والمسكن والجنس، ويجند طاقاته لتعمل في تعمير الأرض وتشييد الحضارات .
في الوقت ذاته يؤمن بالكيان الروحي للإنسان، يؤمن بأن فيه نفخة من روح الله ويؤمن بما لهذا الكيان الروحي من مطالب، وما يشتمل عليه من طاقات فيعطيه ما يطلبه من عقيدة ومثل وأخلاقيات، فهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وهو الدين الذي يوازن بين متطلبات النفس والروح وَكُل شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ وهو العليم بخلقه ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ .
وفي نطاق التصور لطبيعة الإنسان ولاحتياجاته الفطرية الضرورية لتحقيق التوازن في إشباعاته النفسية والحسية يعتبر الإسلام الغريزة الجنسية إحدى الطاقات الفطرية في تركيب الإنسان، ويجب أن يتم تفريغها والانتفاع بها في إطار الدور المحدد لها، شأنها في ذلك شأن الغرائز الأخرى، ذلك أن استخراج هذه الطاقة من جسم الإنسان ضروري كما أن اختزانها فيه مضر وغير طبيعي ولكن بشرط الانتفاع بها وتحقيق مقاصدها الإنسانية، وان الفطرة جعلت في استخراج هذه الطاقة لذة ممتعة، ولكنها لم تجعلها هدفا للاستخراج المحض .
ومن الأهداف التي يجب أن يحققها إفراغ الشحنة الجنسية في الحياة الإنسانية:
- عقد أواصر المودة والرحمة بين الرجل والمرأة . . وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أزواجاً لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدةً وَرَحْمَةً إن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ .
- تكوين الأسرة، وهي الوعاء النظيف الذي تلتقي فيه إنسانية الرجل بإنسانية المرأة، وهي مصنع الأجيال ومبتعث المسؤولية والمشاركة تربية الأبناء ورعايتهم . فالرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها . وهما معا راعيان في المجتمع ومسؤولان عن رعيتهما ينشدان لها الخير ويحققان لها السعادة: وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنَا وَذُرياتِنَا قُرةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتقِينَ إِمَاماً .
- استمرار النوع وتكاثر النسل وعمارة الحياة: قال تعالى: وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أزواجاً وَجَعَلَ لَكُم منْ أزواجكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم منَ الطيبَاتِ .
- تحقيق الإعفاف الحسي والنفسي للإنسان من إفراغ الشحنة الجنسية، قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُم رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ .
كما وصف القرآن العلاقة بين الرجل والمرأة في تعبير دقيق جميل بقوله: هُن لِبَاسٌ لكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لهُن . . ففي هذه الكلمات القليلة تصوير بليغ لعلاقة الجسد وعلاقة الروح في آن واحد .
فليس أبدع من هذا التصوير لهذه المعاني كلها في تشبيه واحد شامل عميق، وإذا كانت العلاقة بين الرجل والمرأة وثيقة إلى هذا الحد فقد وجب أن يلتقيا ليكون كل منهما لباساً لصاحبه يزينه ويلتصق به للوقاية والستر .
والإسلام ليس دينا بعيداً عن الواقع، ولكنه الدين القيم الذي يتعامل مع الفطرة التي خلق الله الناس عليها، فالله سبحانه هو الخالق للإنسان والصانع له، ركب فيه الغرائز والعواطف فلم يكن ليتركه هملاً ليتحقق إشباعها على طريقة الحيوان وكيف ذلك وهو القائل سبحانه وتعالى: وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ فَقَدرَهُ تَقْدِيراً .
هذه الدقة الحكيمة في الصنعة، وهذا التوازن الحساس في المخلوقات ينسحب على الإنسان كما ينسحب على جميع المخلوقات، وكيف لا والكون كله سماؤه وأرضه مسخر لهذا الإنسان ليحقق الخلافة في هذه الأرض، بقوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ليَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ان رَبكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنهُ لَغَفُورٌ رحِيمٌ .
* أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر