أصبح تجلط الدم من أمراض العصر التي تصيب الآن الشباب كما كبار السن، ومن أهم الأسباب قلة الحركة والجلوس الطويل وبعد إجراء العمليات الجراحية خاصة جراحات العظام العميقة . والسد التجلطي الوريدي كما يطلق عليه المتخصصون يأتي كأحد المضاعفات التي تحدث خلال وبعد الاستشفاء بسبب مرض حاد أو جراحة مثل جراحة استبدال مفصل الركبة أو الحوض، ويتسبب هذا المرض في عدد وفيات في أوروبا على سبيل المثال أكثر مما يسببه سرطان الثدي وسرطان البروستاتا والإيدز وحوادث الطرق مجتمعة .
في حالة عدم الوقاية من التجلط يعاني 60% من المرضى الذين يجرون عمليات في العظام من التجلط الوريدي العميق، وهناك 2-10% من الذين تعرضوا لحدوث الجلطة وتم علاجهم يوجد احتمال لتكرار حدوثها وبالتالي إلى متلازمة ما بعد التجلط، وتؤدي المضاعفات في النهاية إلى حالات مرضية والبقاء الطويل داخل المستشفيات وارتفاع تكاليف العلاج .
تحدث د . علي طاهر أستاذ أمراض الدم بالجامعة الأمريكية ببيروت في المؤتمر الأول لمضادات التجلط الذي شهدته القاهرة وقال إن التجلط يعد من الأمراض الخطرة التي ترتبط بالصحة العامة وتساهم بشكل كبير في حالات المرض والوفاة على مستوى العالم، وإذا أسيء تشخيصه فإنه يكلف الدول والمرضى ميزانيات ضخمة للعلاج، بالإضافة إلى عدم قدرة المرضى على مواصلة أعمالهم وحياتهم بالصورة المطلوبة .
وأضاف أن التجلط الوريدي هو حالة تنتج عن جلطة دم داخل الوريد العميق وغالبا ما تكون في الساق أو الفخذ، ولكنها أيضا قد تحدث في أي أماكن أخرى، ويحدث التجلط بسبب كسل أو خلل في سريان الدم داخل الوريد، فيميل الدم إلى التجمع أو الركود مما يشكل بيئة مثالية لتكون الجلطات، فهي تسبب انسدادا في الوريد، وتحدث بالتالي جلطة دموية عواقبها صعبة على المريض، حتى ولو كانت في وريد بالقدم، فهي تكون إنذارا يجب عدم إهماله مشيرا إلى أنها تحدث في الأوردة العميقة بالساقين في إطار العمليات الجراحية العامة وجراحات العظام، أو المرضى داخل المستشفيات والرعاية الحرجة .
أوضح أن الخطر يحدث عندما تتحرك هذه الجلطات إلى الرئة، فتحدث سدات رئوية، وغالبية الجلطات الوريدية العميقة التي يمكن أن تحدث صامتة، مشيرا إلى أن هناك على الأقل 5 من كل 10 جلطات وريدية تصيب المرضى من دون أي أعراض .
أشار إلى أن هناك نسبة من الحالات معرضة للإصابة بالجلطة وأعراضها تكون واضحة في القدم، وتكون عادة ألما شديد في باطن الساق ولا تكون مفاجئة لأن المريض يكون قد شعر بها في السابق لكنه أهملها لاعتقاده أنها تقلص في العضلات نتيجة قيامه بحركة خاطئة، والخطورة تكمن في أن الجلطة قد تتحرك وتصيب الرئة في مقتل .
انتقل للحديث عن أسباب التجلط موضحا أنها تتمثل في الجلوس لساعات طويلة، أو في ظل درجة حرارة مرتفعة، وعدم الحركة لمدة طويلة عند السفر بالطائرة لمسافات شاسعة، حيث يفقد الجسم كمية كبيرة من السوائل، ونتيجة لهذا الجفاف تزيد كثافة الدم، ويصاب الشخص بسهولة بالتجلط وانسداد أحد الأوردة الدموية .
ذكر أن تجلط الدم من الأمراض الكثيرة التي تصاب بها الأوعية الدموية والأوردة، وسجلت الإحصائيات الطبية في ألمانيا على سبيل المثال أكثر من 250 ألف حالة سنويا، وتصيب هذه الحالة بشكل عام الأوعية في أسفل القدم والحوض، لأنها تتعرض أكثر من أوعية الذراعين للضغط الناتج عن قلة السائل في الجسم .
ومن أهم المخاطر الناتجة في هذه الحالة والكلام لا يزال للدكتور علي طاهر زيادة حجم نقطة الدم المتجلط التي تلتصق عادة بجدار الوريد وتوسعه، وإذا ما انفصلت عنه وجرفها الدم السائر عبر بطين القلب الأيمن ستستقر في الرئتين في وقت من الأوقات في 10% من المرضى، وتسبب انسدادا خطرا للرئة نتيجة عدم وصول الدم النظيف إليها، وقلة كمية الأوكسجين اللازمة لدورتها، ويتعرض القلب للإرهاق الحاد وعدم استبعاد الإصابة بالنوبة .
ويرى أن المعرضين لمشاكل التجلط هم الذين يلازمون السرير، وغير القادرين على النهوض بسبب المرض، والمصابون بقصور بالقلب، أو لديهم تشخيص سابق أو تاريخ عائلي للجلطات أو المصابون بالسدة الرئوية ومرضى السرطان وكبار السن، وهناك عوامل أخرى تزيد من المشكلة مثل السمنة والحمل وحبوب منع الحمل والهرمونات .
وأضاف أن هناك 50% من المرضى تتكون الجلطات عندهم من دون أعراض لذا تكون الوقاية أفضل من العلاج، وحتى العام الماضي لم تتوافر وسائل وقاية سوى حقن الهيبارين أو موانع التجلط الأخرى التي تؤخذ عن طريق الحقن . أوضح أنه إذا تم اكتشاف التجلط الدموي مبكرا تنخفض مخاطره، لذا يجب الإسراع باستشارة الطبيب المختص عند الإصابة بالعوارض مثل آلام متواصلة في الساق مصحوبة بشعور بثقلها عند الحركة تظهر في مراحل مبكرة والشعور بالألم في باطن القدم عندما تطأ القدم الأرض، وانتفاخ ترافقه سخونة القدم خاصة البطن، وانصباغ الساق أو ظاهر القدم باللون الأزرق أو الاحمرار .
أشار إلى أن البروفيسور الألماني رودولف فيركا وصف مسببات الجلطات عام 1850 بثلاثة عوامل هي: إصابة جدار الأوعية الدموية، أو زيادة كثافة الدم، أو بطء مرور الدم بالأوعية الدموية، ويمكن الوقاية من هذه العوامل باستخدام موانع التجلط الآمنة .
أشار إلى أنه يوجد جديد في العقاقير المضادة للتجلط مثل الدرابيجاتران موضحا أن تقديم مضاد للتجلط لا يحتاج إلى المراقبة أو الحقن هو انجاز طبي طال انتظاره، لأن مضادات التجلط المعتمدة حاليا والوحيدة التي تعطى عن طريق الفم هي مضادات فيتامين ك والتي لديها العديد من التأثيرات الجانبية، بالإضافة إلى الحاجة المستمرة للمراقبة المخبرية وذلك يشكل عبئا كبيرا على المريض والطبيب على السواء .
أكد أن عقار الدرابيجاتران سيكون أول مضاد للتجلط يعطى عن طريق الفم منذ أكثر من نصف قرن، وهو يعطي نفس نتائج الحقن ويؤخذ مرة واحدة في اليوم، وأهم ما يميزه أن المريض سيتناوله دون أن يتعرض لمشاكل جانبية، كما أنه لن يحتاج إلى إجراء تحاليل وفحوصات للتأكد من سلامة الدم، وهو ما يعتبر عصرا جديدا في مجال مضادات التجلط، لأنه دواء فعال وآمن ضد التجلط .
ونصح بأنه خلال الرحلات الطويلة بالطائرة أو السيارة يجب القيام بشكل منتظم بحركات رياضية، ومن الأفضل أن تكون كل ساعة، وذلك بتحريك القدمين جلوسا بشكل دائري أو المشي على أطراف الأصابع، والجلوس على طرف المقعد مع رفع أصابع القدمين بقدر الإمكان ثم الاستناد إلى الكعب عدة مرات، وخلع الحذاء خلال الرحلات الطويلة خاصة الجوية، وعلى المصابين سابقا بجلطات بالقدم طلب الجلوس في مكان تكون الفسحة أمام المقعد واسعة لمد القدمين، والتنفس شهيقا وزفيرا بشكل عميق عدة مرات، فهذا يحرك مضخة الحجاب الحاجز التي تنشط جريان الدم في أوعية الدم في البطين . واصل قائلا إنه ينصح أيضا باستخدام مشد للقدم يفضل أن يكون حتى الركبة بناء على استشارة الطبيب مع معرفة طريقة ارتدائه بشكل صحيح، لأنها إذا كانت خاطئة تلحق الضرر بالأوعية .
ووجه هذه النصائح أيضا للحوامل وللنساء اللاتي يتناولن حبوبا أو هرمونات، وكل من تجاوز سن 65 عاما وذوي الأوزان العالية، ومن أصيب بأضرار في الأوردة الدوالي مثلا والمصابين بأمراض سرطانية .
أشار إلى المخاطر الناتجة عن كثافة الدم والتخثر الخفيف، حيث يسيطر على الدم عامل توازن بين الدفع بالتجلط ومنعه، لذا يظل الجسم معرضا لتجلط كمية ضئيلة من الدم تتوارى بسرعة لعوامل بيولوجية، لكن عند وقوع خلل لهذه العملية تصبح إمكانية الإصابة بالجلطة واردة، وفي هذه الحالة فإن أكثر المتضررين منها هم الذين يتناولون عقاقير مثل الكورتيزون وحبوب منع الحمل، لذا يجب استشارة الطبيب لمعرفة ما إذا كان بالإمكان مواصلة تناولها أو استبدلها بإجراءات وقائية .
أشار إلى أنه إذا ما أصيب شخص من أفراد العائلة بالجلطة الدموية بشكل متكرر فيجب إجراء تحليل خاص للدم لسائر الأفراد لمعرفة ما إذا كان هذا المرض وراثيا أم أن الجسم لديه استعداد للإصابة به .
حذر من جفاف السائل في الجسم الذي يكون أيضا نتيجة لانخفاض كبير في رطوبة الجو، ففي الطائرة مثلا تصل نسبة الرطوبة إلى 8% وهي نسبة منخفضة جدا، لذا يجب الإكثار من شراب السوائل على الأقل 150 لترا في الساعة مع الامتناع عن شرب الكحول الذي يرخي العضلات، لكنه يعرقل انحدار الدم وصعوده في القدمين، ومفعوله مثل القهوة حيث يصرف الماء من الجسم .
تحدث عن المخاطر من إصابة الأوردة بالجلطة مرة أخرى موضحا أن هذه الحالة يعاني منها المصابون بالدوالي أو من أصيبوا بجروح داخلية إثر ممارسة رياضة عنيفة، فتكون جدران الأوردة متضررة مسبقا واحتمال الإصابة بجلطة ثانية كبيرة، لذا يجب الإسراع بزيارة الطبيب فور ظهور انتفاخ في القدمين أو احمرار الجلد، مشيرا إلى أن دراسة طبية أكدت أن التدخين لا يلحق فقط الضرر بالشرايين بل وبالأوردة الدموية أيضا .
وأكد أن هناك عوامل خطورة للتجلط نتيجة جريان الدم ببطء، فكلما سار الدم ببطء في الجسم زادت أخطار التصاق جزء من الدم المتجلط بجدار وريد أو شريان، وتكون الخطوة الأولى لحدوث جلطة دموية، مشيرا إلى أن المهددين بالإصابة هم الذين يجلسون وقتا طويلا جدا ويتحركون قليلا، فقلة الحركة تقلل من قدرة مضخة العضلات ووظيفتها حركة العضلات تشكل مضخة تضغط على الشريان لتجري الدماء فيها للدفع بالدم مما يؤدي إلى عدم نقل أوردة الساق له إلى القلب عبر الدورة الدموية وعودته .
أما د . حازم عبد العظيم أستاذ ورئيس قسم العظام بطب القاهرة فيقول إنه من دون الوقاية من التجلط يعاني 60% من المرضى الذين يجرون عمليات في العظام من التجلط الوريدي العميق، ويكون 2-10% منهم عرضة لانسداد وريدي رئوي، قد يكون قاتلا .
أضاف أن السد التجلطي الوريدي يرتبط باحتمال طول الأمد من تكرار حدوثه، وبالتالي إلى متلازمة ما بعد التجلط وتؤدي هذه المضاعفات في النهاية إلى حالات مرضية وارتفاع تكلفة العلاج، موضحا أن خطر السد التجلطي الوريدي يمتد في المرضى الذين يجرون عمليات جراحية في العظام إلى ما بعد فترة الاستشفاء المضادة .
لفت إلى أن الإرشادات العالمية للمرضى الذين يجرون عمليات استبدال مفصل الحركة أو مفصل الفخذ تنصح بأخذ الهيبارين ذي الوزن الجزئي المنخفض، أو مضادات فيتامين ك لمدة عشرة أيام بعد الجراحة على الأقل، وتمتد إلى 28 35 يوما في حالة استبدال مفصل الفخذ، علما بأن بعض المرضى يتوقفون عن أخذ العلاج بسبب تعقيدات أو عدم ملاءمة طريقة تناول الأدوية لهم، رغم أن المريض يكون معرضا لخطر متواصل، لهذا يعتبر السد التجلطي الوريدي واحدا من أهم أسباب إعادة دخول المريض للمستشفى بعد جراحات العظام .
أضاف أنه إذا ما تمت معالجة الجلطة بشكل ناجح وعاد المريض إلى حياته العادية فهل يعني ذلك عدم التفكير بها بعد ذلك؟ ويجيب بأن هناك نسبة لا بأس بها من المرضى تصل إلى أكثر من 20% تعاني بعد وقت قد يكون طويلا من أعراض الجلطة، وفي حالات كثيرة لا تنفتح الأوردة المصابة تماما، فيصبح مجراها ضيقا ويتبقى فيها بقايا تجلط دم، أو تؤدي الجلطة إلى التصاق جدار الوريد فيصبح معطلا بشكل دائم، ويسبب بقاء الدم في أوردة القدم فيجتمع نتيجة لذلك السائل في الساق .
أشار إلى أن الأعراض التقليدية للتجلط هي تغير لون الجلد إلى الأزرق أو الشحوب إلى اللون الأبيض مع ظهور بقع بنية اللون عليه بسبب تجمع عنصر الحديد في الأنسجة وترسبه، ومع الوقت يلحق الأذى بالأوردة المجاورة ويسبب لها توسعا أو نفورا دوالي ويؤدي ذلك في أسوأ الحالات إلى تقرح في الجلد، وفي هذه الحالة فإن أهم ما يمكن أن يقوم به الطبيب هو العلاج بواسطة جوارب الضغط لأنها تعمل على توفير ضغط عالٍ في أوردة القدم وتحسين انحدار الدم وتطبيب القسم المصاب بالتقرح .
أضاف أنه ينصح المرضى بمساعدة أنفسهم بالمثابرة على ارتداء الجوارب الضاغطة بشكل صحيح وتفادي شراء القياس الأكبر، مع تفادي التعرض لحرارة مرتفعة مثل دخول الحمامات البخارية، ومن المهم الإكثار من الحمامات الباردة للقدمين لما لها من فائدة للأوردة ولأنها تحمي من الجلطة المتكررة .
أما د . بينجت أركسون أستاذ جراحة العظام بجامعة جوتنبيرج بالسويد فقد أشار إلى أن خطر الجلطات المهددة للحياة يعد هما كبيرا بعد جراحات العظام على مدى سنوات عديدة، لذلك كانت هناك حاجة ماسة لمضاد فعال للتجلط يعطى عن طريق الفم، ويتمتع بسجل آمن من المضاعفات . وأكد أن العقار الجديد الدابيجاتران يعتبر حدثا مهما للوقاية من التجلط ولحماية المريض من خطر السد الوريدي التجلطي، مشيرا إلى أن الدراسات التي أجريت على هذا الدواء أثبتت أن تناول جرعة منه مرة واحدة يوميا بالفم توازي فعالية وسلامة الأدوية المعطاة عن طريق الحقن في منع السد التجلطي الوريدي .
أضاف أن الدراسات أظهرت أن المريض غير مطالب بإجراء أي فحوصات بعد تناول العقار الجديد كما يحدث مع مضادات التجلط الأخرى، سواء كانت حقنا أو أقراصا، وهو آمن على صحة المريض، ولا ينصح بالتزام السرير إلا في حالات استثنائية لأن النوم طويلا يعد أحد مسببات الجلطة، وأن الحمامات الباردة للقدمين وسيلة جيدة لتضييق الأوعية المتسعة .