أثبتت نتائج الدراسات الاكلينيكية التي اجريت في السنوات الأخيرة تضخم البروستاتا الحميد والضعف الجنسي عند الرجل لهما علاقة مباشرة بتقدم العمر وأمراض القلب والأوعية الدموية. وبفضل تقدم البحوث العلمية العلاجية الحديثة للضعف الجنسي وتضخم غدة البروستاتا في السنوات الأخيرة، مع الرقابة الدقيقة والرصد الفعال للتضخم الحميد فيها، أصبح العلاج الدوائي، وليس الجراحي أو القلع المنظاري بالليزر أو غيره، لهذا المرض المزعج والذي يصيب الرجال مع تقدم العمر وبنسبة عالية ما بعد سن الاربعين ممكنا والحمد لله.

العلاج الجراحي لتضخم البروستاتا تراجع في الأربع سنوات الأخيرة لصالح العلاج الدوائي الحديث والفعال للغدة والضعف الجنسي في نفس الوقت.

وبفضل اكتشاف علاجات مركبة وفعالة وناجحة لذلك تم التخلص من الأعراض المزعجة في المثانة والاحليل جراء تضيع العنق المثاني الذي يسببه هذا التضخم، وكذلك الضعف الانتصابي عند الرجل، مع العلم - وكما ذكرنا في مقالات ثلاث نشرت سابقا حول سرطان البروستاتا- فإن التقدم في العمر أو الكبر هو عامل من عوامل الخطورة لنشوء تضخم البروستاتا بنوعيه الحميد والخبيث، حيث يكتشف السرطان المجهري في الغدة البروستاتية المتضخمة بنسبة 30% في سن الخمسين و40% في سن ما فوق الخمسين؛ و50% في سن ما فوق الستين.

وبفضل دقة التشخيص المبكر لهذا فإن 60% من السرطانات في الغدة البروستاتية تشخص ما بين سن 45 و70 سنة. ولكن سرطان البروستاتا ينشأ ايضا في سن ما قبل الخمسين سنة، حيث ينشأ في سن الاربعين اولا تضخم يعتبر حميداً مبدئياً بنسبة 20%، وفي العقد الخامس من العمر ينشأ بنسبة 50%.

ولكي نفهم لماذا ينشأ هذا التضخم مع تقدم عمرنا، فإن انقسام الخلية البروستاتية لها علاقة بالتغيرات الهرمونية الذكرية والخلايا الجذعية في داخل الغدة، وهما عاملان يحفزان الخلية البروستاتية على الانقسام المتكرر، وينشأ جراء ذلك التضخم المذكور.

وتحدث هذه التغيرات بسبب:

التأثيرات والتغيرات الجينية نتيجة التعرض المتزايد للتلوث البيئي والسموم البيئية.

الالتهابات الجرثومية وغير الجرثومية في غدة البروستاتا، حيث تسبب هذه الالتهابات عطبا مؤكسداً (Oxidative Damage)، علما بأن نسبة 40% بين الرجال في سن 40-70 عاما من العمر يتعرضون الى هذه الالتهابات في هذه الغدة.

الانتقال الوراثي الجيني للتضخم الحميد وسرطان البروستاتا من الاب أو اقارب الدرجة الأولى.

نمط الحياة الخاطئ: مثل تناول الشحوم المشبعة واللحوم الحيوانية وقلة تناول الفواكه والخضراوات. أما الضعف الجنسي عند الرجل فله أسباب نفسية أو عضوية أو أيضية، وهي أسباب تؤدي الى مشاكل في حدوث الانتصاب بنسبة عالية عند المتقدمين بالعمر، وأقل نسبة عند الرجال في سن ما قبل الأربعين. ومن أهم هذه الأسباب أمراض القلب والأوعية الدموية التصلبية والتضيقية، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، ومرض السكري.

وقد ثبت علميا وإكلينيكيا الآن أن الأسباب العضوية للضعف الجنسي عند أكثر الرجال المتقدمين في العمر مردها تغيرات باثولوجية تحدث في الاوعية الدموية والتي تعرف باسم تصلب الاوعية العصيدي (ATHEROSLEROSIS).

والواقع أن أمراض الاوعية الدموية في القلب جراء تصلب الشرايين أو انسدادها تساهم بها عدة عوامل مرضية خطرة على الانسان، ولهذا ينتشر الضعف الجنسي عند الرجال المتقدمين في العمر في سن ما بعد الأربعين، وكذلك عند الرجال في سن ما قبل الأربعين خاصة اذا كانوا من المصابين بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو أمراض فرط شحميات الدم، والبدانة أو اذا كانوا من المفرطين في التدخين، أو كثيري الجلوس.

وسبب هذه التغيرات المرضية هو أن حدوث اختلال في وظيفة البطانة الوعائية الفارشة - وهي عبارة عن طبقة من الخلايا تبطن الاوعية الدموية والجهاز الوعائي القلبي ووظيفتها هي تنظيم توسع وتضيق الاوعية، كما أن هذه الخلايا تكون من الخلايا الرئيسية لتكوين النتروجين أوكسيد (NO) وهو المسؤول عن تنظيم الوظائف الجدارية للاوعية الدموية وخاصة كناقل عصبي لتوسيع الاو عية الدموية- ذلك ان أي اختلال وظيفي لهذه الخلايا يؤدي الى اختلال في عملية توسع الاوعية الدموية يتقدم أو يسبق دائما بفترة من الزمن التغيرات الباثولوجية التصلبية التي تحدث في الاوعية الدموية، كما قد تحدث بسبب تغيرات باثولوجية للاوعية الدموية جراء التدخين أو الاصابة بمرض السكري، وارتفاع ضغط الدم وأمراض افراط شحميات الدم.

وبما ان اختلالات الخلايا المبطنة للاوعية الدموية تؤدي الى اختلال في الكمية الحيوية للنتروجين اوكسيد (NO) وكذلك الاجهاد التأكسدي (Oxidatrive Stress)، فهذا يعني حدوث تلف أو عطب جراء وجود الشوارد السامة الحرة والتي تسمم الخلايا البطانية للوعاء الدموي.

وقد ثبت علميا وبحثيا أن هذه الاختلالات تكون السبب المؤدي الى الأمراض الانسدادية لأمراض القلب الوعائية، حيث ان تواجد الشوارد السامة الحرة في الدم مع التردي في توفر الكمية البيولوجية للنتروجين اوكسيد في هذه الخلايا المبطنة يتسبب في ازدياد تلاصق وتكدس الصفائح الدموية والكريات المتعادلة (NEUTROPHILS)، واخيرا زيادة في افراز مواد تؤدي الى تضييق الاوعية الدموية.

ولفهم العلاقة بين أسباب ضعف الانتصاب المذكورة اعلاه، فإن عملية الانتصاب تتم من خلال عدة احداث فسيولوجية معقدة ولكنها منظمة، ومن بين ذلك الاستجابة الوعائية والعصبية وكذلك النفسية للمحفزات الخارجية للعملية الجنسية، حيث يحفز النتروجطين اوكسيد (NO) عن طريق الاثارة الجنسية ويبعث الى الخلايا العضلية الملساء للقضيب وذلك بعد افرازه من الخلايا المبطنة للاوعية الدموية القضيبية، كما يتم افراز النتروجين اوكسيد من أطراف اعصاب الاجسام الكهفية للقضيب ومن اطراف الاعصاب المستقلة. وبما ان هدف الانتصاب هو ارتخاء العضلات في الجسمين الكهفيين للقضيب، حيث يكون هذا الارتخاء هو الوسيلة الوحيدة المؤدية لابقاء الانتصاب، فإنه حين يبطل انزيم الفوسفور دياستراز في الخلية القضيبية وخاصة في الجسم الكهفي للقضيب يرتفع انتاج الخلية للكوانزين سايكلك مونوفوسفات (CGMP) وهذه المادة تؤدي الى انخفاض في كمية الكالسيوم في داخل هذه الخلية، وهذا الانخفاض يؤدي الى ارتفاع في النيتروجين اوكسيد حيث تؤدي هذه الى ارتخاء العضلات المتواجدة في الجسم الكهفي، وهو ما يؤدي بالتالي رجوعيا الى الانتصاب.

ولهذا ولله الحمد فإن وجود هذه المبطلات أو المانعات لانزيم الفوسفور دياستراز الخامس (PDE5-INHIBITOR) كعلاج لضعف الانتصاب، والتي تؤدي بدورها الى ارتفاع في كثافة الكوانزين سايكلك مونوفوسفات (CGMP) على مستوى الخلايا المبطنة للاوعية الدموية ادى الى اعتبار هذه الأدوية نافعة ومفيدة لأوعية القلب.

ان انتشار الضعف الجنسي في حالة أمراض القلب الوعائية وأمراض السكري وارتفاع ضغط الدم والأمراض الاخرى التي تصيب الجهاز الوعائي يعتبر من المضاعفات الثانوية لهذه الأمراض، حيث ثبت أن الضعف الجنسي كانت أعراضه ظاهرة بنسبة 64% قبل حدوث الجلطة القلبية (احتشاء عضلة القلب)، وبنسبة 57% قبل عملية التحويلة الابهرية التاجية.

وبالنسبة للعلاج الطبيعي في حالة مرض الضعف الجنسي عند الرجل، فإن استعمال المضادات للاكسدة وموسعات الاوعية الدموية قد يحسن من أعراض هذه الحالة المرضية ولكن ذلك لا يعتبر علاجا اساسيا.

أما الاغذية، فإنه وللوقاية من المسببات العصرية للضعف الجنسي وخاصة أمراض الاوعية الدموية وخاصة تصلب هذه الاوعية بشكل عام يجب تجنب تناول الاغذية الغنية بالدهون والاكثار من تناول الاغذية قليلة الدسم والغنية بالمعادن والفيتامينات.

وقبل الخوض في سبل العلاجات الحديثة الدوائية وغير الجراحية لتضخم البروستاتا الحميد لا بد اولا من ذكر السبل الوقائية قبل العلاج، وكما يقول المثل الوقاية خير من العلاج.

ان الفرضية العلمية التي ترتكز على السبب الالتهابي لغدة البروستاتا الجرثومي وغير الجرثومي والمزمن منه خاصة وانتكاساته اثبتت انه يساعد على نشوء تضخم لغدة البروستاتا ومن ثم سرطان البروستاتا، حيث ان جميع الدراسات الوبائية تعزو ذلك الى نمط النظام الغذائي كعامل خطوره في تسبب اختلال التوازن البيولولجي في الخلية خاصة والغدة البروستاتية عامة ومناعتها الذاتية والتي تؤدي بدورها الى التضخم الحميد او الخبيث.

فتناول الدهون المشبعة والحيوانية واللحوم بإفراط، والاقلال في نفس الوقت من تناول الفواكه والخضراوات هما السبب في ازدياد الاصابة بالالتهابات والتضخم الحميد والخبيث في البروستاتا والسرطانات الاخرى ايضا؛ بينما ثبت بأن تناول مضادات الاكسدة والفواكه والخضراوات وخاصة الرمان والطماطم بصورة منتظمة ويومية يخفض من الاصابة بالالتهابات والتضخم وكذلك السرطان في الغدة.

وعلاوة على ذلك فإن أي التهاب جنسي معد (STD) يؤدي كذلك الى التضخم أو السرطان وذلك بسبب الطفرات الباثولوجية في نواة خلايا البروستاتا التي يسببها الجرثوم المعدي، حيث تؤدي هذه الطفرات الى انقسام الخلايا وتكاثرها أو الى انفلات تكاثرها ليصبح تكاثرها غير حميد كما هو الحال في تضخم البروستاتا الخبيث.

ولهذا فإن تناول مضادات الاكسدة وخاصة الخضراوات والفواكه التي تحتوي على (الليكوبين) في الطماطم والفيتامين (سي) في البرتقال والرمان؛ والفيتامين (اي) الموجود في الخضراوات وثمار الزيتون وزيت الزيتون يعمل على وقاية وحماية الخلايا البرسوستاتية وغيرها في جميع انحاء الجسم من الأمراض الالتهابية والسرطانات، وفي نفس الوقت فإنها تخفض من تلف وعطب الخلايا وكذلك المجموعة الجينية كلها التي تكون قد تضررت أو على وشك ان تتضرر من المؤكسدات الالتهابية مثل (الاوكسيد الفائق أو اوكسيد النتريك أو فوق النتريت.

أما الايسوفلافين وهو المتواجد في فاصوليا الصويا (SOYA BEANS) فهو وقائي ضد تضخم البروستاتا الحميد والخبيث لأنه يحتوي على الاستروجين النباتي والذي تكمن فاعليته في كبح انزيم الالفارودكتاز، وجراء ذلك يمنع تحويل التستوستيرون الى الديهدروتستوترون الفعال والذي يلعب دورا فعالا في تضخم البروستاتا وسرطانها ايضا.

اما مضادات الاكسدة فإن مفعولها يكمن في منع تلف الحامض النووي الريبي (DNA).

في نواة الخلية والذي يحدث جراء الاكسدة المفرطة ؛حيث يبطل فعل الجذور الحرة والمواد الاخرى السامة والناتجة من هذه الاكسدة المفرطة. واهم هذه المضادات للاكسدة هو البيتاكاروتين (الموجود في الجزر) ومعدن السلينيوم (SELENIUM) وفيتامين اي (E).

ويعتمد العلاج الدوائي الحديث على كبح مستقبلات الادرنالين من فئة الالفا الأولى، وفي نفس الوقت على كبح أنزيم الفسفودياستراز (PDE5 - INHIBITOR) لإرخاء عضلات عنق المثانة والبروستاتا وفي نفس الوقت ترخية العضلات الملساء داخل الجسمين الكهفين للقضيب حيث يؤدي هذا الارتخاء في داخل الجسمين الكهفين الى امتلائهما بالدم ليستمر الانتصاب، وفي نفس الوقت تؤثر هذه المحيطات للأدرينالين إيجابيا في الإثارة الجنسية.

وهنالك فوائد علاجية لهذين الدوائين حين تناولها سوية وذلك لكبت التضخم وفي نفس الوقت تحسين تفريغ المثانة وازالة جميع الأعراض الناتجة عن هذا التضخم.

أما في حالة استعمال مثبطات انزيم الفسفودياستراز وحده أو مع العلاج الآخر الذي يستعمل لعلاج الضعف الجنسي ومثبطات الادرينالين فإنه ثبت بأن هذين الدوائين يزيلان أعراض التضخم أيضا وأعراض الضعف الجنسي في آن واحد، ويعتبر كعلاج لتضخم البروستاتا الحميد والضعف الجنسي.

أما نتائج هذا العلاج فإن البحوث العلمية والإكلينيكية اثبتت ضمور تضخم الغدة الانسدادي في عنق المثانة وضموراً في خلايا غدة البروستاتا وهذا يعني طفرة علاجية سوف تجعل الجراحة المنظارية أو قلع البروستاتا بمضاعفاتها لا حاجة لها في حالة التضخم الحميد في المراحل الأولى من التضخم. بل ويمكن الاستغناء عن الجراحة عند هؤلاء الرجال الذين يعانون من تضخم البروستاتا في المراحل الأولى والمتوسطة من التضخم، حيث يكون التضخم في الغدة بحجم لا يتجاوز الخمسين غراما وكمية البول المتبقية في المثانة لا تزيد على 50 ملليلتر وقوة دفع البول لا تقل عن 12 ملليلتر/ثانية.

ويجب الاشارة الى ان هؤلاء قد يعانون في نفس الوقت من الضعف الجنسي وضعف الانتصاب الذكري ومن أمراض في القلب أو الاوعية الدموية والتي تمنعهم من الخضوع لعملية منظارية أياً كان نوعها لليزرية أو جراحية ؛ وفي نفس الوقت يستطيع المريض أن يحافظ على وظائفه الجنسية الانتصابية والانجابية في حالة علاجه بالأدوية المذكورة أعلاه.

والجدير بالذكر انه إذا كان المريض في صحة جيدة وتضخم البروستاتا عنده في مرحلة متقدمة فإن نتائج الجراحة المنظارية لقلع البروستاتا قلعا كاملا يبشر بالنجاح للعملية المنظارية الحديثة هذه والتي تجري بتخدير موضعي حيث يستطيع المريض مغادرة المستشفى بعد 48 ساعة.