من قاعدة العطاء للوطن والمثابرة على العمل انطلق المستشار علي محمد المنصوري العضو المنتدب لجميعة صيادي الأسماك في أبوظبي رئيس قسم الشيفرة في العام 1975 ثم رئيس قسم البحوث والدراسات الاقتصادية في وزارة الخارجية سابقاً، حاملاً راية الوطن في قلبه، حالماً بتحقيق كثير من الانجازات التي ظلت تراوده منذ طفولته إلى أن التحق بالعمل في وزارة الخارجية كأول مواطن إماراتي يدرس ويدير ويطور علوم الشفرة والكودات، ليصبح رئيساً لهذا القسم النادر في ذلك الوقت في غضون شهور قليلة .

إنه وجه من وجوه الإمارات المشرقة التي تنقلت من صرح إلى صرح داخل صروح الدولة لتحمل معها خبراتها العملية والحياتية والشخصية، مسابقاً للزمن وبكل مجرياته وتطوراته ليضع بصمات عمله في كل مكان انتقل إليه أو عمل فيه حتى وأن قصرت مدته . ونموذج وجه من الإمارات الذي نعرضه اليوم هو دلالة على ربيع عمر متجدد يدعو إلى الراحة والأمل بعد مسيرة عناء طويل من العمل والكفاح وذلك من خلال بريق ينعكس من عينين مفعمتين بالتحدي والأمل والعشق للحياة .

أفخر كوني أول مواطن يعمل في قسم الشيفرة

خلال حوار شائق مملوء بالأحداث حدثنا علي المنصوري عن مسيرة حياته المهنية وعمله بالسلك الدبلوماسي، ومراحل نشأته العمرية انطلاقاً من مراحل طفولته، مروراً بربيع عمره وشبابه، وصولاً إلى اسهاماته على مدى نحو 32 عاماً لتشمل العمل والأسرة والأبناء والأحفاد، وكان لنا معه الحوار التالي:

في البداية حدثنا عن طفولتك وأين ولدت وماذا عن نشأتك؟

- ولدت في عام 1953 في مدينة الرمس في إمارة رأس الخيمة لأسرة محافظة ذات قيم راسخة لأب وأم يحرصان كل الحرص على تعليم أبنائهما مكارم الأخلاق الحميدة والنشأة الصالحة التي تتمثل في المحافظة على التمسك بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، فكان أبي وأمي يحرصان كل الحرص على سؤالنا دائماً عن الصلاة وتوجيهنا دائماً إلى تطوير علاقتنا مع الله عز وجل لما يحبه ويرضاه، أما عن مراحل طفولتي فقد رسمت بتعليم والدي لي أسس العمل من مراحل عمري الأولى منذ أن اتممت السادسة، فمبحرد دخولي المرحلة الابتدائية، كنت أساعد أبي في جميع أعماله واتلقن دائماً أسس الأعمال كمهمة الصيد التي ورثت كل مبادئها عن أبي والمحيطين بي، فكل مراحل طفولتي كانت عبارة عن مدرستين مدرسة للتعليم الدراسي ومدرسة لتعليم أسس الحياة، ولا أنسى مجالس الرجال التي كان يصطحبني أبي إليها معه، لأتعلم أخلاق الرجال واكتسب صفات الفرسان مبكراً .

ذكريات

أين تلقيت تعليمك الابتدائي والإعدادي ثم الثانوي والجامعي؟

- تليقت تعليم الابتدائي في مدرسة الرمس، وكان ذلك في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، ولهذه المدرسة وتلك الفترة العمرية ذكريات خاصة في حياتي الشخصية لما تحمل من أجمل أيام العمر وأروع الذكريات، وأتذكر أنني كنت في هذه الفترة عندما أنظر إلى معلمي فإنني كنت أرى رسولاً يحمل رسالة يجب علينا كتلاميذ أن نحملها ونتقنها على أكمل وجه لنورثها لمن بعدنا من أبناء الدولة، فكان احترام العلم والمعلم قيمة مقدسة في حياتي شببت عليه منذ مراحل صبايا إلى أن كبر معي مورثاً أولادي وأحفادي هذا الارث، ولكنني في الصف السابع انتقلت إلى الكويت تحديداً في مدرسة السالمية لأكمل دراستي هناك إلى المرحلة الثانوية لأحصل على الثانوية العامة من مدرسة عبدالله السالم، ولهذه الفترة أثر كبير في حياتي فكنت أدرس في الكويت وفي الوقت نفسه أعمل من خلال ممارستي مهنة الصيد، واتذكر أنه كان لدي في هذه الفترة قارب صنعته بنفسي، وكنت سعيداً جداً لكوني أحسست بأنني قد أهلت بشكل كلي لأن أعتمد على نفسي في كافة جوانب الحياة .

هل كنت تساعد أسرتك كونك كنت تعمل وأنت تدرس؟

- بالفعل كنت اساعد أسرتي وتصور كيف لطالب عمره لا يتعدى ال 17 عام أن يكون عائلاً لأسرة ويدرس ويعمل في الوقت نفسه إلا أنه قد أسس منذ مراحل طفولته على العمل وكيفية الاعماد على النفس، أما عن مرحلة تعليمي الجامعي فقد تلقيته كاملاً عندما قصدت وجهتي إلى مصر وتحديداً إلى عروس البحر المتوسط الاسكندرية التي لها سحر خاص وذكريات لا استطيع نسيانها منذ التحاقي بالإكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري وكان ذلك في بداية عام 1975 عندما قررت أن اتخصص في دراسة الهندسة والميكنة البحرية، وكان هذا القسم يحتاج في ذلك الوقت أن يكون الطالب من شعبة دارسي المواد العلمية في الثانوية العامة لكونه تخصصاً صعباً ودقيقاً يحتاج إلى مهارات كبيرة وشخصيات قادرة على تحمل المسؤولية، وتجربتي في مصر هي تجربة حياتي في وطني الثاني الذي اعتبره دائماً حنيناً اشتاق إليه في كل يوم أتذكر معه شبابي وأجمل أيام الصبا، وتأقلمت سريعاً مع أهل مدينة الاسكندرية بشكل خاص لما يحملونه من عادات وتقاليد تشبه إلى حد كبير العادات والتقاليد التي اكتسبتها في طفولتي .

سفر دائم

من تذكر من زملاء الدراسة في تلك المرحلة الدراسية السابقة؟

- عندما أقوم بالتأمل، حيث أقوم بهذا الشيء كثيراً على مدار اليوم أرى نفسي ذاهباً إلى أيام الجامة في مصر متذكراً جميع زملائي في تلك المرحلة، يأخذني الحنين والشوق لرؤيتهم إضافة إلى زملاء الدراسة والطفولة في الإمارات الأم، ولكني للأسف تكاد تكون كل علاقاتي بزملاء الدراسة الآن شبه مقطوعة نظراً لسفري الدائم خلال عملي بوزارة الخارجية، وهذه هي حال الدنيا تبعدنا عمن نشتاق إليهم سنين وتقربنا إليهم في لحظات .

كيف كانت بداية حياتك العملية وما مراحل تطورها؟

- في البداية كان لوالدي علاقة قوية تربطه بسيف بن غباش وزير الدولة للشؤون الخارجية في ذلك التوقيت وفي يوم من الأيام رآني مع والدي وبعد أن علم أنني أكلمت وأنهيت دراستي الجامعية في تخصص كان نادراً في ذلك الوقت قرر بشكل مباشر الحاقي بالعمل في وزارة الخارجية وذلك لحاجة وزارة الخارجية في ذاك الوقت إلى الكوارد المواطنة في تأسيس الدولة، بعد ذلك وجهت مباشرة للعمل في قسم الشفرة بالوزارة أو ما يطلق عليه قسم الرمز حيث كان يعتبر ومازال من الأقسام السرية والمهمة جداً داخل الوزارة حيث يحتاج إلى شباب وكوادر علمية من أبناء الدولة يتمتعون بالإخلاص والتفاني في خدمة الوطن .

بعد ذلك عينت في السلك الدبلوماسي بدرجة ملحق وكان كل هذا في فترة وجيزة جداً في عام ،1975 وهو العام نفسه الذي شهد أيضاً تعنيني رئيساً عام لقسم الشيفرة في وزارة الخارجية، وبعد أن شغلت هذا المنصب المهم ذات الحساسية العالية بدأت بدراسة علمية متخصصة في علوم الشفرة على يد أفضل الخبراء في وزارة الخارجية وسويسرا إلى أن وصلت بعد مرحلة من العمل المستمر والعمل الدؤوب إلى أن أصبحت ملماً الماماً كاملاً بجميع متطلبات العمل ومنصبي الذي اشغله، ولم أكتف بذلك بل تطرقت إلى تأليف العديد من المؤلفات في علوم علم الشفرة والكودات، كما قمت بتدريب شريحة كبيرة من الدبلوماسيين على أعمال الرمز المختلفة، وعينت في ما بعد رئيساً لقسم الأمن في وزارة الخارجية إضافة إلى كوني رئيس قسم الشفرة أيضاً وتحملت الكثير من المسؤوليات التي لم تخل من المطبات والعوائق الصناعية التي شاهدتها واكتسبت منها خبرات عدة على مدار عقود عمري، وقبل تقاعدي في عام 2007 عينت رئيساً لقسم البحوث والدراسات الاقتصادية في وزارة الخارجية وهذا كان آخر منصب شغلته قبل أن أتقاعد .

هل حققت الأهداف المرجوة من عملك؟

- الحقيقة أنني حرصت على تطوير ذاتي وتنمية مهاراتي لتحقيق الأهداف والنتائج المرجوة من عملي وكان هذا خلال عملي وحرصت أيضاً على تقديم خبرتي لزملائي في العمل إلى أن أوصلت خبراتي إلى مجموعة كبيرة منهم، وفي هذا الوقت كانت لدي طموحات كبيرة سعيت لتحقيقها من خلال مشروع يهدف إلى تشجيع الشباب المواطن للانخراط في الدراسة العلمية المتخصصة وبالأخص علم الشفرة لأن قيادتنا الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يعملون دائماً على تشجيع المواطنين على بلوغ أعلى الدرجات العلمية ليكون لدينا علماء في العلوم المختلفة ويدعمون النهضة في مختلف القطاعات، وحقيقة لم اتمكن من تحقيق طموحي هذا بسبب نقلي إلى قسم الدراسات والبحوث الاقتصادية .

العمل والعطاء

صف لنا أول وأخر يوم في عملك؟

- أول يوم دخلت فيه وزارة الخارجية كان لدي حماسة لا يوصف للعمل وشعور بفرصة كبيرة للعطاء إلى الوطن، فكنت فخوراً باختياري وأنني أول مواطن سيعمل في وزارة الخارجية في مجال الشيفرة، أما عن آخر يوم عمل لي بعد صدور مرسوم تقاعدي فقد حمدت الله تعالى على كل شيء وانهيت يوم عملي بالكامل، لأن التقاعد ليس النهاية مادمت قادراً على العمل والعطاء فلن اتقاعس يوماً عن خدمة وطني الإمارات .

هل لنا أن نعرف نبذة عن أولادك وأسرتك؟

- لدي خمسة أبناء ذكور وابنة وحيدة وهم على الترتيب خالد وهو ابني الأكبر ويعمل رائداً بوزارة الداخلية وولدي الثاني هو أحمد الذي يعمل نقيباً في القوات المسلحة، أما ماجد وعمر المنصوري فهما آخر أبنائي الذكور ويعملان دبلوماسيين بوزارة الخارجية وهما أكثر أبنائي الذين اكتسبوا أشياء كثيرة من شخصيتي، ولي ابنة وحيدة وهي تعمل بجهاز أبوظبي للمحاسبة وتخرجت في جامعة أبوظبي .

هذه هي أسرتي وأولادي الذين اتوا إليّ بأحفاد حياتي وربيع عمري الجديد فهم النبض الذي ينبض به قلبي الآن وهم شهيق حياتي وحلمي الذي أعيش له الآن، فأنا احرص دائماً على رؤيتهم من خلال زيارة أبنائي لي بشكل دائم ومستمر، ولكني متشوق إليهم في كل وقت حتى وإن كانوا معي .

ما رأيك في شباب اليوم؟

- الشباب وقود الحياة نبض بلادنا وهو طاقتنا ومستقبلنا وشباب اليوم أصبح لديهم كافة الوسائل والأفق الواسع لكي يتعلموا ويعملوا كل ما يحبونه ويفضلونه وأرى في شبابنا المواطن هذه الأيام البركة والإخلاص وحب الوطن المولود معهم، وأفرح دائماً عندما أرى شبابنا يتقلد أعلى المناصب أو يبرع في عمل شيء أو يقوم باختراع شيء يرفع معه رايه الوطن عالياً .

هل تحب السفر وما الدول التي سافرت إليها؟

- سافرت إلى أكثر من 44 دولة واحتلت سويسرا العدد الأكبر والحصيلة الكبرى لعدد السفريات في حياتي حيث توجهت إلى سويسرا أكثر من 33 مرة وكان هذا بغرض العمل والداسة، أنا اعشق السفر للتعلم واكتساب الخبرات وللاطلاع على كل ما هو جديد ولمناقشة أفراد مجتمعية متعددة الثقافة متنوعة الفكر لكي أحمل منها كل ما هو جديد وأعمله واطبقه، ولكن أفضل الأماكن التي أود الذهاب إليها هذه الأيام هي أماكن العبادة فقط، فأنا قلبي متعلق بها منذ نشأتي وصبايا وأجد فيها كل ملذات الدنيا .

هل أنت من عشاق القراءة؟ وما آخر الكتب التي اطلعت عليها؟

- أنا من المهووسين بالقراءة والاطلاع، مرحلة الحب انتهت منذ صغري مع القراءة حتى وصلت إلى العشق في المرحلة الثانوية إلى أن أصبحت فريضة يومية في حياتي بل ركناً مهماً لا استطيع الاستغناء عنه، حتى وإن كنت مريضاً، أما عن الكتب التي أواظب على قراءتها فالأغلبية للمجلدات الدينية في الشريعة والعقائد أما عن آخر كتاب قرأته فهو ليس بكتاب ولكنه صحيفة الخليج التي افتح عيني صباحاً كل يوم على أخبارها .

برامج تراثية

ما برامجك التلفزيونية المفضلة؟

- التلفزيون مكتبة متنقلة أو جامعة متنقلة بالنسبة لي، فأنا أعشق البرامج التراثية والتاريخية، كذلك الأفلام والبرامج الوثائقية والتي تأخذني معها إلى ابعد من مضمونها في كل الأقسام والمواضيع التي تناقشها من أرشيفات سياسية أو تاريخية أو ظاهرة كونية جديدة أو اكتشاف علمي جديد .

كيف تقضي وقتك في رمضان؟

- رمضان هو شهر البركة هو شهر الصيام والقرآن، عندما يأتي رمضان ليهل علينا يهل معه الخير والبركة، حيث أتناول وجبة السحور متأخراً اقتداء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم تسحروا فإن في السحور بركة بعد تناولي وجبة السحور أظل مقيماً لليل حتى أذان صلاة الفجر واتوجه بعد ذلك إلى المسجد لأداء الصلاة، وبعد ذلك أتوجه إلى عملي مباشرة وأحرص على مدار اليوم حتى وقت الأفطار على قراءة القرآن الكريم في أية وقت أجده مناسباً على مدار ساعات الصيام، وأحرص بعد تناول الفطار والانتهاء من صلاة التراويح على أن أقوم بزيارة أقاربي والخوض معهم في السوالف التي لا تخلو من الاستمتاع والبهجة في هذا الشهر الكريم المبارك، وعن مشاريعي الخاصة في شهر رمضان لدي مشروع إفطار صائم في أبوظبي لأكثر من نحو 70 صائماً يومياً، حيث أحرص على تقديم أطيب أنواع الطعام وأفضله للصائمين وأن يكون طعامهم مثل الطعام الذي آكل منه أنا وأسرتي وأولادي .

وأخيراً هل يمكن أن تلخص لنا خبرة 32 عاماً في الحياة والعمل في جملة واحدة؟

- نعم وهي مقولة أعيش عليها الرضا الدائم بما كتبه الله تعالى والسير باستمرار نحو الأمام .