تحولت المواقع الاجتماعية من وسيلة للتواصل بين الأصدقاء، وتوسيع دائرة المعارف الشخصية لتشمل آخرين بأقصى بقاع الأرض لم يكن الفرد ليلتقيهم يوماً، إلى منصة يستخدمها كل من أراد لمهاجمة الآخر، أو إشاعة أخبار كاذبة عنه تنتشر انتشار النار في الهشيم . وعلى عكس بساطة وسهولة كتابة التعليقات المسيئة، أو وضع صور وأخبار ملفقة،أو صور زائفة، يكون من الصعوبة إزالتها، لتصبح مثل الشبح الذي يطارد صاحبه صباحاً ومساء .

ولم تتوقف ظاهرة تصفية الحسابات عبر المواقع الاجتماعية على موقع بعينه، أو فئة عمرية بل امتدت لتشمل الجميع، وتتحول إلى ما يشبه حالة من العقاب الجماعي في العالم الافتراضي .

* * *

الهواتف تصطاد والإنترنت تعرض

المعلمون ضحايا الإساءات التكنولوجية

مع تزايد وسائل التكنولوجيا وخدماتها المتنوعة، ارتفع معدل الفائدة منها، لكن الأمر لا يخلو من صور الاستخدام السلبي، وهذا ما أثبته الطلبة عبر الإساءات الإلكترونية التي يوجهونها للمعلمين والمعلمات، لترفع هذه الوسائل بدورها أسهم الطلبة في المدارس وتحبط دور المعلم تحوّله إلى مجرد آلة تؤدي عملها خوفاً من أن ترصده كاميرا أحدهم فيخسر عمله واسمه . ونماذج هذه الإساءات كثيرة وتوردها الصحف المحلية وصفحات الإنترنت، بل يعترف بها الطلبة .

فتحت التكنولوجيا المتمثلة في الفيس بوك عبر صفحات المدارس، إضافة إلى المواقع الإلكترونية، خاصة اليوتيوب ومنتديات المدارس وغيرها، الكثير من النوافذ للطلاب ليوجهوا لهم إساءات لأسباب متفرقة، وهذا يأتي بالتزامن مع انفتاح الإعلام، خاصة الإلكتروني على المدارس وسرعة تواصل الطلاب وأولياء أمورهم لرصد أي حركة يقوم بها المعلم، وبالتالي يبقى مراقباً من قبل الطلاب وأولياء أمورهم ويخشى على نفسه ويضيّق الخناق عليه بتعرضه المتكرر للإساءة .

مثلاً أشار أحد المعلمين، في دبي، إلى أن أحد الطلبة قام بتركيب صورة وجهه على جسم فأر وأرسلها لكل حسابات أصدقائه، فسبب له إحراجاً كبيراً، ومعلم آخر قام بإغلاق حسابه على الفيس بوك بعد توجيه السباب وإهانات إليه عن طريقها، وأنشأ حساباً جديداً . وكي يتفادى المعلمون الوقوع في هذا الفخ يقومون بإنشاء حسابات إلكترونية مستخدمين أحرفاً من أسمائهم كي لا يتمكن أحد من معرفة حسابهم ما لم يكن مقرباً منهم، وهو ما دفع ببعضهم إلى حث المعلمين على عدم عقد صداقة مع الطلبة .

وفي مسلسل المراقبة الإلكترونية للمعلمين لعبت كاميرا هاتف محمول لأحد الطلبة في رأس الخيمة في ذلك، وحسب ما نقلت إحدى الصحف، فإن طالباً تعرض لعملية ضرب مبرح من معلمه، وصوره الطالب ووضع مقطع الفيديو على الإنترنت، وأدى إلى انتشار كبير للمقطع لفضحه أمام الرأي العام .

وللطلبة وسائلهم الخاصة في افتعال المواقف التي تحرض المعلم للقيام بردود أفعال وتصويره من أجل الضحك عليه، ومن الوسائل الفكاهية التي يستخدمها الطلاب في التسلية تحريف كلمات بعض الأغاني وجعلها تتلاءم مع المحتوى الذي يرغبون في إيصاله بأسلوب يثير الضحك، إلا أنه في مضمونه يقلل من قيمة المعلم .

وهناك من ينشرون صوراً ومقاطع فيديو عبر موقع يوتيوب تقلل من قيمة المدرسة، وهو ما حدث في الفجيرة عندما قام بعض الطلبة بتصوير مقطع فيديو يركز على حالة الفوضى العارمة في المدرسة والأوساخ التي تملأ زواياها .

وبحسب إحدى الصحف المحلية، اخترق بعض الطلبة في أبوظبي الخادم (السيرفر) الخاص بالمدرسة وتلاعبوا بنتائج الامتحانات ومعدل الحضور والغياب، وهو بحد ذاته انتهاك لحرمة المدرسة والإدارة والمعلمين الذين حددوا تلك النسب والأرقام، فضلاً عن أنه تصرف يعاقب القانون مرتكبه .

وبحسب ما يرويه بعض طلبة المدارس، فإنه نتيجة للتمادي في الإساءة من بعض زملائهم تجاه المعلمين، فإنهم يفتعلون المواقف لإثارة المعلمين أثناء قيامه بشرح الدرس، خاصة عندما يدير لهم ظهره كي يكتب على السبورة فيقومون بإلقاء محارم عليه، فيغضب ويسأل عن الذي قام بذلك، وهي طريقة قديمة في استفزازه، إلا أن الجديد فيها، أنهم يترصدون تلك اللحظة، كي يوثقوها بالصور أو بالصوت والصورة (فيديو) ويوزعونها في ما بينهم على مجموعات الفيس بوك أو اليوتيوب أو المدونات التي ينشئونها خصيصاً لهذا الغرض، أو أي وسيلة أخرى تسهم في نشرها، لينهال عليها أعضاء المجموعة بالتعليقات والسخرية من منظر المعلم وهيئته وطريقة لبسه وأنه لا يغير ملابسه لأيام واللحظة التي غضب فيها أو أنه يضرب الطلاب في لحظة غضب ويشتمهم . ويحذف الطلبة من مقطع الفيديو الأسباب التي أدت إلى قيام المعلم بهذا التصرف، كي يثبتوا أنه مخطئ بحقهم، أو يتعمدوا إظهاره في مواقف أخرى يثبتون فيها ضعف شخصيته، كما لو أن المعلم أداة تسلية في أيديهم، وغالباً يقع في مثل هذا المطلب معلمون ضعاف الشخصية .

وبعض الطلبة يتناولون في إساءتهم للمعلمين قضايا أخطر، منها تأليف وتعميم الشائعات على المعلمين ونشرها عبر تلك المنافذ، كالتي يقول فيها بعضهم إن معلماً قبل منه الرشوة لقاء خروجه من الصف أثناء الدرس، وهو ما يسهم في تشويه صورة المعلم أمام الجميع وتبدأ الشكوك حول صحة هذا الكلام، وقد يخضع بموجبها للمراقبة من قبل الإدارة، للتأكد من صحة تلك المعلومات، التي من المستحيل أن تكون صحيحة .

ويشير طالب آخر إلى أن الهدف الأساسي لبعضهم الاستهزاء والتسلية عبر مشاركاتهم الإلكترونية التي تبدأ بحمل الطلبة هواتفهم المحمولة إلى الصف ورصد المعلم واستفزازه، والطالب غير الجريء يقوم بالتقاط الصورة فقط، لكن الجريء يقوم بتصويره بمسجل الفيديو ويقوم بنشر المقطع على الإنترنت بعد كتابة تعليق على الصورة أو مقطع الفيديو مثير للضحك، وكل منهم يقوم بوضع تعليق يصف المعلم بأوصاف لا تليق .

ويرجع بعض الطلبة سبب ظهور مثل هذه الإساءات في الإنترنت إلى أن إدارات المدارس تسمح للطلاب بحمل الهواتف في المدرسة، وبالتالي إمكانية تصوير المعلم، ما يضيّق الخناق عليه أكثر، كي لا يقوم بأي رد عندما يستفزه طالب ما خشية تصويره وهو يقوم برد عنيف .

مصادر أخرى وهذه المرة من الطالبات، تؤكد أن الإناث يقمن بالإساءات نفسها التي يقوم بها الذكور في مدارسهم، ويتوسعن أكثر في معرفة جوانب من شخصية المعلمة، كأن يفسرن سبب غضبها في الصف أو سوء معاملتها بأنها غير مرتاحة نفسياً، لأنها مطلقة أو عاقر أو تعاني مشكلات في منزلها مع أفراد أسرتها . أما عن المواقف التي تخرج إلى نطاق أوسع وهو الإنترنت، فترصد الطالبات فيها معلماتهن في مواقف فكاهية ويلتقطن لهن صوراً، ويقمن بنشرها على البلاك بيري وتشبيهها بشخصيات كرتونية .

تؤكد طالبة أخرى أن الإساءة للمعلمات تبدأ منذ أن تفشل الطالبات في الإجابة عن أسئلة الامتحان وإلقاء اللوم على شخصية المعلمة التي برأيها لم تستطع أن تشرح لهن الدروس . ولدى طرح هذه الفكرة عبر الإنترنت تبدأ التعليقات من قبل الفتيات، اللاتي يذكرن فيها صفات المعلمة ويتناولن ملامحها وشكلها بطريقة فكاهية تستدعي الضحك، من دون أن يذكرن اسمها .

ومن أكثر أشكال تداول مثل هذه الأمور بين الطالبات الاستعانة بخدمة بلاك بيري مسنجر من خلال طرح بعض المشاركات لتبدأ التعليقات عليها، وقد تتعدى الإساءة المعلمة إلى مديرة المدرسة التي تنتقد تصرفات بعضهن وهي في حالة غضب .

* * *

منتديات المدارس و"الفيس بوك" تتعقبها

"أخطاء" المعلمين وسيلة للتسلية والتهديد

هناك أسئلة كثيرة متعلقة بلجوء بعض الطلبة للإساءة إلى شخص المعلم عبر المنافذ الإلكترونية التي باتت مفتوحة على مصراعيها أمام كل من يحسن ويسيء استخدامها من دون كشف هويته لأحد، خاصة في حقل التعليم حيث باتت هذه الوسائل ستاراً إلكترونياً للانتقام من شخص المعلم بسبب رسوب الطالب أو الطالبة أو وسيلة للترفيه على حساب مشاعر المعلم، ولكن كيف تتم مثل هذه الانتهاكات، وكيف يتم إيقافها؟

يوضح خميس البند (مدير مدرسة المنهل الدولية الخاصة في أبوظبي) أن الطلاب يستخدمون الهواتف المتحركة في تصوير مواقف الفوضى التي تحدث في صفوف المعلمين الضعفاء الذين يفتقرون السيطرة عليهم، لذا فإن الطلاب يراقبونهم لرصد مصادر الضعف فيهم وعدم كفاءتهم والألفاظ النابية التي يتفوه بها بعضهم لتكون وسيلة يدافعون بها عن أنفسهم أمام أولياء أمورهم، أو تصويرهم عندما يدعونهم للدروس الخصوصية، لإظهار هذه المقاطع عند حدوث أي خلاف . ويقول: بعد تسجيل المقطع أو التقاط الصورة لا يوزعونها مباشرة، بل يتبادلونها على الفيس بوك ويتشاركون في كتابة تعليق لها ومشاورة بعضهم بعضاً حول خضوعها للمونتاج ونشرها في منتدى المدرسة، ذلك إن وجد إقبالاً من الكل، ثم يبدأ اقتراح إرسالها لطلاب مدارس أخرى ونشرها في اليوتيوب والفيس بوك، فتظهر التعليقات وردود الفعل حولها، ثم يعلم الإداريون في المدرسة بالأمر من الطلاب وغالباً لا يعلم بها المعلم صاحب العلاقة، أو يعلم متأخراً .

وللحد من مثل هذه الانتهاكات يقول: نشارك الطلاب تعليقاتهم في منتدى المدرسة بأسماء مستعارة، كي نعرف الخفايا، وأحياناً يقوم بعض الطلبة بتوجيهنا إليها لمشاهدتها، وعن نفسي يوجد من يتابع بدلاً مني .

ويؤكد البند أنه عندما يجد المعلمون مثل هذه المقاطع، فأنهم يهددون في البداية، ومع مرور الأيام يدركون أنهم قد ارتكبوا خطأ ما استغله الطلاب بتصويرهم، لذا يقومون بتغيير سلوكهم، وهذا بحد ذاته رسالة للمعلمين الآخرين، علماً أن هذا لا يشفع للطالب أن يقوم بذلك .

عبدالله فارس (طالب في عجمان) يشير إلى تعمد بعض الطلبة الإساءة للمعلمين، بخاصة في العالم الافتراضي الجديد الذي بدأ يغزو عقول الشباب وفكرهم . ويرجع ذلك للتربية الخاطئة للطلبة، لذا فإنهم يبحثون عن ثغرات في شخصية المعلم ليفضحوه بها عبر المنافذ الالكترونية، إلا أن الأغلبية ترفض هذا السلوك . وعن طريقة تعامل الطلبة مع الفئة التي تسيء للمعلمين بأي شكل من الأشكال يقول: ننصحهم بالابتعاد عن كل ما يسيء لشخص المعلم وإن لم نفلح في ذلك، نلجأ إلى معلم في المدرسة يحترمه كل الطلبة يقوم بدوره بنصح تلك الفئة وسرعان ما يتأثرون به ويتوقفون .

وتوضح مريم عبدالله (طالبة في الشارقة) أن شخصية المعلم أو المعلمة من أهم الملامح التي تربط الطلبة بالدرس، لذا يجب أن تكون قوية ولا تسمح لأحد بالمساس بها، كي لا تكون عرضة لأي رد فعل سلبي، خاصة التصوير والتعليقات التي باتت تطارد الكثير من الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة . ومن هذا المنطلق تطرح إجراء بعض الخطوات من قبل الطلبة والمعلمين والمعلمات للحد من هذه الإساءات إن وجدت وتقول: لا بد من أن يكون لكل طرف حضوره وكلمته في العملية التعليمية وأن يتم احترام الطلبة للمعلمين والمعلمات، لأنهم الخلية الأولى في المدرسة لتوجيهنا نحو مستقبل مشرق وأشعر أن من يمسهم كأنه يتعدى على والديه .

ويعتبر معلمون الوسائل التكنولوجية الجديدة مصيدة بالنسبة إليهم، وهذا ما يؤكده خلدون خالد (معلم في الشارقة) بقوله: توجيه الإساءة للمعلم من قبل الطلاب للمعلمين عبر الانترنت أمر وارد جداً، سواء كان ذلك بسبب أو من دون، سبب مثل رسوب طالب في مادة أحد المعلمين فيفكر بالانتقام منه، وهو أمر عائد لشخصية الطالب المسيء . وعن طريقة تفاديه مثل هذه المواقف يقول: حرصي على بناء علاقة طيبة مع طلابي يمنع أن أتلقى منهم أي إساءة، ولا أقوم بإنشاء علاقات صداقة ما بيني وطلابي على الفيس بوك، كي لا يتوصلوا إلى معلوماتي الخاصة بي وأصدقائي على الموقع، وبالتالي أكون محمياً من أي شخص مسيء يريد إلحاق الأذى بالآخرين . ويضيف: بخصوص الأماكن التي يستغلها الطلاب لنشر مثل هذه الموضوعات، فهي إما صفحة الفيس بوك أو منتدى المدرسة المخصص بالأساس للتواصل ما بين الطلبة أنفسهم والمعلمين وأولياء الأمور، وإن وجّه أحد إساءة ما للمعلم عبر منتدى المدرسة، يمكن الوصول إلى الصف أو الصفوف التي خرجت منها الإساءة، إلا أنه لا يمكن معرفة الطالب الذي قام بذلك، لذا لا بد أن يكون لكل طالب اسم مستخدم وكلمة مرور، كي يكون نشاطه معروفاً أمام الجميع للتعرف إلى هوية كل من يقوم بإضافة مشاركة على المنتدى . ويؤكد أنه إن وجهت الإساءة عبر الفيس بوك فمن الصعب جداً التوصل للمصدر، لأنه غالباً ما يتم استعمال اسم مستعار لنشر هذه الإساءات .

ويقول شفان خابوري (معلم تربية رياضية في دبي) الذي تعرض لعملية إساءة إلكترونية: كنت في زيارة لأحد الأقرباء في دولة أوروبية منذ سنة، ووضعت صور الرحلة في صفحتي على الفيس بوك، ليراها الأهل والأصدقاء، ومنها صورة التقطت وأمامي على الطاولة كوب من العصير وإلى جانبه علبة مياه غازية معدنية، وتفاجأت بعد عودتي من رحلتي أن إدارة المدرسة التي أعمل بها عرضت عليّ صورة تتهمني فيها بأنني أتناول الكحول، علماً أنني لم أفعل ذلك مطلقاً .

ويضيف: حاولت مراراً أن أقنعهم أنني كنت أشرب عصيراً وأن هناك من قام بإجراء تعديلات على الصورة وتمريرها لهم بشكل مقصود، إلا أنهم لم يقتنعوا بكلامي، وما أضعف موقفي أمام الإدارة أن العلبة المعدنية كانت تشبه علبة الكحول لدرجة كبيرة، وكانت سبباً في أن أخسر عملي، وهناك من الإداريين من أعلموني أن الصورة قدمها أحد الطلاب وآخرون أكدوا أنها من ولي أمر أحدهم .

الجهات التربوية تدين مثل هذه التصرفات وتدعو أطراف العملية التعليمية إلى الاحترام المتبادل، إذ تشير عائشة سيف، أمين عام مجلس الشارقة للتعليم، إلى أن التكنولوجيا بكافة أشكالها واستخداماتها وسيلة مفيدة إن استطعنا استغلالها بالشكل الصحيح، لأنها توفر الكثير من المال والجهد وتعد مصدراً للكثير من المعلومات، وإن وجد عيب فيها، فإنه يعود إلى المستخدم الذي يسيء استخدامها لا الوسيلة .

وعن متابعة المحتوى الالكتروني تقول: يفترض أن يكون هناك رقابة على المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات، إلا أنها عملية صعبة ولا يمكن أن تتحقق، وكي نخفف من تأثيراتها السلبية يجب أن تقوم كل جهة مشرفة بالتواصل مع مستخدميها ووضع الضوابط لمنع اختراق خصوصيات الآخرين، كأن يتم وضع اسم مستخدم وكلمة مرور لكل مستخدم يرغب في إضافة أية معلومة مع ظهور اسمه والإشارة إلى كل من يخالف قوانينها .

وتؤكد سيف أنه لا يقوم الطالب باحتقار معلمه وإهانته ما لم يكن هناك سبب، لذا على المعلمين أن يكسبوا طلابهم وأن يكون هناك احترام متبادل، لأن الطالب الذي يلقى من المعلم الحنان قبل الاحترام والتقدير لن ينال منه إلا الرضا . وبحكم تجربتها الطويلة توضح أن طالباتها كن يتقربن منها ولم يفعلن ذلك مع معلمات أخريات . وتقول سيف: يحب أن يكون هناك رقابة على منتديات وصفحات الفيس بوك الخاصة بالمدارس، كي لا يقوم أحد بإحراج المعلمين، لأن الطالب ذا المستوى المتدني يلقي اللوم على المعلم ويفرغ فيه شحناته السلبية، ولو تقرب من المعلم لن يرسب أحد، لأنه سيزرع فيهم حب العلم والنجاح، ومهما كانت المادة صعبة سيحبها الطالب وينجح فيها، بدليل أن الكثير من الطلبة يؤكدون أن معلم المادة جعلهم يحبونها .

ويجد سعيد الكعبي، مدير منطقة الشارقة التعليمية، أن هذه القضية تعتبر جريمة بحق المعلمين ويجب أن يحاسب عليها القانون بموجب اللوائح التعليمية والقانونية من وزارتي الداخلية والتربية والتعليم، لأنه بهذه الطريقة يمس الطالب شخصية المعلم بشكل كبير . ويقول: يوجد لدينا لائحة سلوك من الوزارة تطبق على الطلاب في حالة تعرضهم للمعلمين، وإن لم نتمكن من معرفة شخصية المسيء نخاطب الجهات المختصة في الشرطة (مركز الدعم الاجتماعي) لمتابعة القضية، أما عن الأسرة، فإن نشوب خلاف بين المعلم والطالب ليس مبرراً كافياً لأن يلقي الأب اللوم على المدرس أمام ابنه، بل أن يقف إلى جانبه عندما يخبره ابنه بالقضية، وفي اليوم التالي يذهب للمعلم ويستفسر منه عن سبب الخلاف، وإن كان المعلم غير محق يمكنه أن يوجهه بأسلوب محترم، علماً أن نسبة 90% من المعلمين يتنازلون عن حقهم كي لا يتضرر الطلبة .

وعن نفسه يقول: بالنسبة لي فإن المعلم ركيزة وشخصية ذو ثقافة ومكانة عالية، ولا يشترط أن نبدأ مع الطالب بالعقوبة، بل اللجوء إلى التوعية باحترام المعلم وعدم توجيه الإساءة إليه بأي شكل، والتوجيه ليست مهمتنا فقط، بل للأسرة دور فيها ووسائل الإعلام، بدليل أن الطالب يحترم مثلاً شخصية الوزير والقاضي، وهناك من يزرع ذلك فيه، فلم لا يتم زرع احترام المعلم أيضاً؟

* * *

المواقع الاجتماعية رقيب إلكتروني على المعلم

أشارت دراسة حديثة أجرتها جامعة بلايموث البريطانية إلى أن ثلث المعلمين البريطانيين تعرضوا 2011 للازدراء والإهانة عبر موقعي الفيس بوك وتويتر فقط، من دون احتساب تجارب مشابهة على المواقع الأخرى . والمثير أن نسبة مشاركة الطلبة في مثل هذه التصرفات كانت 72% والباقي ارتكبه أولياء أمورهم، وكان منح الطلبة درجات ضعيفة السبب الأول في شن حرب الكترونية على معلميهم .

البروفيسور آندى فين، رئيس فريق الدراسة، أشار إلى تراجع علاقة الاحترام بين الطالب ومعلمه، واعتبر أن اشتراك أولياء الأمور وتشجيعهم أبناءهم على سلوك كهذا أمر لا يصدقه عقل، ولا يمكن قبوله، خاصة ان الأمر لم يقتصر على الإهانة، بل تعداها إلى التهديد، وأصبحت عبارة إذا منحت ابننا درجات منخفضة، سنصفعك على الفيس بوك من أكثر الرسائل التي يستقبلها المعلمون على هواتفهم، أو بريدهم الإلكتروني، ووصل الأمر بالبعض إلى إرسال تهديدات مباشرة إلى إدارات المدارس بضرورة الاستغناء عن مدرس أو مدرسة معينة لمجرد أن الطلبة لا يفضلونه .

وقدمت آنا بريتشان، من اتحاد مديري المدارس NAHT، حالة متطرفة لأحد المديرين الذي تدهورت حالته الصحية والنفسية لدرجة دفعته للانتحار بعدما تعرض لمدة عام كامل للإهانة على الفيس بوك . وأشارت إلى أن مثل هذه الجرائم تمر من دون عقاب، ولم يتمكن محامو الاتحاد من تقديم أي من المسؤولين للقضاء، وحذرت من أن هذه الحوادث تتكرر بشكل شبه يومي ويجب التحرك سريعاً لمواجهتها تشريعياً . وقدمت مفارقة عندما قالت إذا حدث العكس وتعرض أي طالب للعقاب أو الإهانة، يسارع ولي الأمر إلى تقديم شكوى، وقد تتصاعد الأمور لتصل إلى حد منع المدرس من مزاولة المهنة مدة معينة، لكن إذا حدث العكس لا يتحرك أحد .

المدرس ريكس فيليب تعرض لمشكلة من هذا النوع ورفع شكواه إلى اتحاد المعلمين الذي أوصاه بتعيين محام متخصص بالجرائم الالكترونية كلفه كثيراً من الأموال، وكل ما قدمه هو الحصول على حكم قضائي أجبر موقع Ratemyteacher .com على إزالة التعليقات السلبية المتهكمة على أدائه بعد بقائها لأكثر من ستة أشهر متواصلة، ولم ينجح في تعقب الفاعلين الأصليين الذين يتخفون تحت أسماء مستعارة، وشخصيات وهمية .

كانت دراسة أخرى أعدها البروفيسور آندي فين من الجامعة نفسها أشارت إلى أن المعلمين يخافون من المواقع الاجتماعية أكثر من تقارير الأداء السنوية التي يعدها مراقبو المواد والتي ترفع بدورها إلى هيئة أوفستيد المعنية بتطوير التعليم، وهو التقرير السنوي الذي يحدد امتيازات المعلم ويقرر إما تحسين أوضاعه المالية، أو البقاء كما هو عليه . ويرجع السر في ذلك إلى أن الطلبة يفتشون عن أسرار حياة المعلم الخاصة، ويعملون على التقاط صور شخصية له، ولعائلته، ومن ثم يضعونها على الفيس بوك باعتباره الأوسع انتشاراً، وتسبب ذلك في انهيار عائلات، وتحطم علاقات بسبب التعليقات المتبادلة التي تحمل كثيراً من الخروج على اللياقة وتصبح كافية لتدمير حياة المستهدفين منها .

وهذا ما اعتبره راسل هوبي، سكرتير عام اتحاد مديري المدارس البريطانية، نوعاً جديد من العنف ضد المدرسين الذين تنشر ضدهم الأكاذيب من دون التحقق من صحتها . وأضاف أصبحت ظاهرة أن يتعرض واحد من بين 3 مدرسين للإهانات، واستعداء الطلبة الآخرين لمجرد أنهم حازمون .

وتختلف الأشكال الحديثة من استهداف الطلبة لمعلميهم عبر الإنترنت، الأول وهو الأكثر انتشاراً لجوء الطلبة إلى القرصنة على صفحة المعلم على الفيس بوك، ووضع صور وتعليقات مخلة عليها، والثاني إنشاء صفحة خاصة تصبح ملتقى لكل الكارهين لمدرس بشخصه، أو مادة علمية بعينها، ويذهب آخرون في شططهم إلى أبعد مدى بإعداد مقاطع فيديو مصورة صغيرة لا تتعدى مدة كل منها 5 دقائق تسخر من المعلم التقطت له بالصف خلسة أثناء تثاؤبه مثلاً، أو تناوله طعامه في المدرسة، وغيرها ثم يتم تركيب مقاطع من أغنيات، أو تعليقات ساخرة بالصوت على ما يفعله .

أما الأسوأ على الإطلاق، فهو تقديم مقاطع من أفلام مشهورة وبخاصة أفلام الرعب، ومصاصي الدماء، واستبدال أسماء الممثلين المؤدين للشخصيات بأسماء المعلمين، الذين غالباً ما يكونون هم الضحايا الذين يلقون حتفهم بأبشع الوسائل التي وصل إليها الخيال السينمائي .

نارديب شارما، مدير إحدى المدارس الثانوية في اسكس، نموذج مأساوي لما يمكن أن يتعرض له المعلمون من اضطهاد وكراهية عبر الفيس بوك، بعد نشر أحد الطلبة صوراً شخصية له وهو في نزهة عائلية على الشاطئ، ليتبادل المئات بعدها الصور، وتعليقات عنصرية بغيضة عنه لمعاناته من السمنة، ولم تفلح شكواه إلى الشرطة، التي أكدت له أنها لا تملك إزالة هذه الصور، وأن عليه مخاطبة إدارة الموقع في كاليفورنيا الذي لم يستجب له على الرغم من عشرات الرسائل الالكترونية . وكانت الصدمة الأكبر بعد تأكيد محاميه أن رفع دعوى قضائية لن يكون مفيداً، إذ لن تستجيب إدارة الموقع حتى إذا صدر حكم لمصلحته .

وفى محاولة يائسة منه لجأ إلى الإعلام لإنصافه، واختار برنامجاً صباحياً يبث مباشرة عبر شبكة ال بى بي سي، وتحدث فيه بأسى عن معاناته النفسية التي تسبب بها طلبة عابثون يستخدمون الفضاء الإلكتروني البلطجة ولا يمكن محاسبتهم، أو عقابهم .

وللمشكلات الناتجة عن الفيس بوك عدة أوجه وأزمات، ولا تقتصر فقط على الإساءة للمعلمين، وكانت أحد الأسباب المهمة التي دعت كثيراً من المختصين التربويين إلى التأكيد على عدم لياقة وجود صداقة بين المعلمين وطلبتهم عبر الموقع، أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي، وضرورة التزام كل من الطرفين بحدود العملية التعليمية، وعدم جواز إضافة معلم لأي من طلبته على صفحته الخاصة، لأن هذا يخلق حالة من التبسط غير المطلوب، الذي يؤدي إلى تجاوز الحدود ويتسبب بعدة مشكلات .

وفي هذا السياق، هناك حادثة كان أبطالها ثلاثة مدرسين أصدقاء يتبادلون الحوار عبر الفيس بوك، وجاء خلاله بعض عبارات السخرية من أحد الطلبة البدناء السود، ولسوء حظهم كان طالب أضافه أحدهم إلى قائمة الأصدقاء يتابع ما يكتبونه، ونقله حرفياً إلى أصدقائه بمدرسة ويست كوت الابتدائية، التي تحول فيها الأمر من مجرد دردشة إلى تظاهرات ضد العنصرية تضامن خلالها 250 طالباً من زميلهم، واضطرت الشرطة للتدخل واحتواء الأمر قبل تفاقمه .

المثير في الأمر، إذا هو تحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للتشهير والنيل من الآخرين، سواء بين الطلبة والمعلمين، أو الطلبة بعضهم بعضاً، باعتبار هذا الفضاء أسرع وسيلة لانتقام المراهقين، حتى إن أحدث الإحصاءات الصادرة عن الاتحاد البريطاني ضد التشهير أشارت إلى أن واحداً من كل خمسة طلبة يتعرضون للاستغلال أو الإهانة عبر الإنترنت، وأن 18% من الأطفال مابين العاشرة والحادية عشرة تعرضوا في العام الماضي العام للإهانة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما سجلت حالات انتحار نتيجة ما كتب عنهم بهذه المواقع، وحوالي 20% من الأطفال الذين يتحدثون مع خط نجدة الطفل تكون مشكلاتهم عبارة عن مضايقات تعرضوا لها بسبب مواقع التشهير وبث الكراهية، أو عن طريق رسائل تستهزئ بهم وصلت إليهم عبر بريدهم الالكتروني .

الأمريكية جوانا سايبيل، مدرسة العلوم والرياضيات المشهود لها بالكفاءة والحزم تقدمت مؤخراً باستقالتها من مدرسة Cohasset الثانوية في ماساشوستس بسبب التعليقات التي وضعها الطلبة على صفحتها الخاصة على الفيس بوك واصفين إياها ب المتعجرفة والمغرورة، لتكتشف لاحقاً أن هاتين الصفتين هما الاسم الحركي الذي يتبادله الطلبة عنها في الصف .

صدمت المعلمة وكتبت على موقعها توقفت الآن عن التدريس، لا أحد يستحق المجهود الذي أبذله، إنهم مجرد حفنة من الجراثيم، قاصدة بذلك الطلاب .

وبعدها قامت الدنيا على المعلمة التي وصفها أولياء الأمور بأنها قدوة سيئة، ومن غير المقبول استمرارها في تدريس أبنائهم، وتحول الرأي العام إلى هجوم ضار على المدرسة، ولم يلتفت أحد أبدا إلى معاناتها وتأذيها من التعليقات التي بدأ بكتابتها عنها أبناؤهم .

والأهم من ذلك أن أحدا من أولياء الأمور لم يعنف ابنه، أو ابنته على سلوكه المشين ضد معلمته، ولم ينبهه إلى أنه من غير اللائق التعامل بأسلوب الغمز واللمز مع المعلمة، فقط ثاروا عندما ردت على إهانتها واعتبرتهم جراثيم .

وتعتزم ولاية ميسوري إجراء تعديل تشريعي على قوانينها، ويطلق عليه senate bill 54 ، ويقضي بحظر الاتصال بين المعلمين وطلبتهم عبر المواقع الاجتماعية أيا كانت، وستعتبر مخالفة ذلك عملاً غير قانوني يعرض أصحابه لعقوبات متدرجة تتدرج من الغرامة وحتى السجن .

وجاء اقتراح التعديل بعد دراسة أشارت إلى أن 87 مدرساً فقدوا رخصهم الوظيفية، مابين 2001 إلى 2005 بسبب مشكلات ناتجة عن صداقاتهم مع طلبتهم عبر الفيس بوك . ويواجه المشروع اعتراضات حادة من المعلمين الذين يعتبرونه اختراقا لحريتهم الشخصية، وتعدياً على خصوصية صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة .

والقانون حال صدوره سيتم توزيعه بشكله النهائي على جميع المدارس بالولاية، والاتحادات المهنية المختلفة الخاصة بالمعلمين ومديري المدارس .

كان مسح آخر عبر الانترنت أجرته شركة نورتون لمصلحة اتحاد معلمي بريطانيا، شمل 379 .2 معلم من 24 دولة منهم 800 بريطاني، أشار إلى إن نسبة 17% منهم تعرضت للإهانة عبر الفيس بوك، وان 39% من أولياء أمور الطلبة المسيئين لمعلميهم عبر الانترنت لا يعلمون عنهم شيئاً، ولا يراقبونهم أثناء انشغالهم بالمواقع الاجتماعية، وان 7% فقط من الآباء هم المهتمون بمتابعة نشاط أبنائهم الالكتروني .