لو تأمل أحدنا مخلوقات الله على اختلاف أشكالها وأنواعها، لوجد أن الخالق المبدع قد هيأها لتقوم بأدوارها التي خلقت لأجلها ولذا فقد أودع فيها من الجمال والتعقيد والقدرات ما يفوق الوصف ويجعلنا نتفكر بإبداع الصنعة الربانية .

ومن عجائب الخلق أن جهز الخالق المبدع الحيوانات تجهيزاً محكماً يحفظ حياتها ويساعدها على القيام بمهامها التي خلقت لأجلها فعلى سبيل المثال أمدها بأعضاء بصرية متمثلة في عيونها تتوافق مع حاجتها في العيش فجعل في الطائر ما لم يجعله في الحيوان السابح وجعل لدى الزاحف ما ليس يملكه الحيوان الماشي، وفي الحيوان الليلي ما لم يجعله في الحيوان النهاري، ولذا كانت العيون مختلفة في أشكالها ومواضعها وألوانها وأحجامها .

ويقول العلماء المتخصصون في مجال علم الحيوان إن الأعضاء البصرية للحيوانات تفوق في تعقيدها وتركيبها أقوى الرادارات وأجهزة المسح الضوئي والتلسكوبات وأجهزة التحسس الحرارية التي اخترعها الإنسان .

ويشير هؤلاء إلى أن عيون بعض الطيور صممت بطريقة تجعلنا لا نتحدث في وصفها عن العين كعضو بصري للمشاهدة، بل هي تشبه إلى حد كبير الرادارات حيث نجد الحدقات واسعة جداً مقارنة مع حجم الجمجمة وتنبثق من وسط الرأس وترتبط بشبكة دقيقة من الأغشية التي تلتقط أدق إشارة ضوئية كما أنها تنقل المعلومات بسرعة بالغة إلى الدماغ .

ومع أن ثمة تشابهاً بين عيون الحيوانات وعيون الإنسان، إلا أن كلاً منهما يرى بطريقته وبشكل مختلف كلياً عن الآخر، والحيوانات بدءاً من الذبابة إلى الضفدع أو التسماح، ومروراً بالعناكب فالفيل وانتهاء بالعوسق (نوع من الصقور)، يمتلك كل نوع منها طريقته الخاصة في التقاط الإشارات الخارجية بواسطة عضوه السمعي أو البصري، وهذا ما يمنح الحيوان القدرة على مشاهدة صورة بانورامية لا تتوفر للإنسان أبداً على حد قول البروفيسور ليو بيشيل أستاذ علم الحيوان والمتخصص في عيون الحيوانات في عهد ماكس بلانك بفرانكفورت .

ويضيف البروفيسور بيشيل أن الباحثين لم يكتشفوا حتى اليوم كل التفاصيل المتعلقة بعيون الحيوانات، لكنهم ومن خلال طرق تحليل متطورة، يستطيعون اكتشاف الجديد من معجزات الرؤية عند الحيوانات وكل ما يتعلق بعيوانها . ومن عجائب الكائنات المائية أنها تمتلك أعيناً تلسكوبية الشكل وحدقات واسعة جداً مكونة من خلايا فائقة الحساسية تعمل على تجميع أكبر كمية ممكنة من الضوء، ولذا لا يمكننا الاقتراب منها دون أن تأخذ حذرها ومثال على هذه الكائنات عيون بعض أنواع نجوم البحر وعيون بعض الرخويات التي تعيش في المياه العميقة والتي يصل قطر عيونها إلى حوالي 40 سم . وتساهم الصبغات الداكنة لدى هذه الرخويات في التقاط أقل قدر ممكن الضوء . وثمة نوع من الضفادع يعرف بضفدع الأشجار الأخضر لأنه يعيش متنقلاً على غصون الأشجار نظراً لقوائمه المزودة بشفاطات تمكنه من الالتصاق بأفرع الشجر وبأوراق النباتات . وهذا النوع من الضفادع يمتلك عينين حمراوين ولذا يسمى ضفدع العيون الحمراء الشجري . وهذا الضفدع صاحب عينين بارزتين حمراوين وأرجل طويلة متميزة باللون الأخضر النيوني المشع المتفاوت الدرجات مع خطوط زرق وبطن أبيض خشن بعض الشيء، وعينا هذا الضفدع نعمة من الخالق عليه، فعلى الرغم من بروزهما واحمرار لونهما هما فائقتا الابصار أثناء الليل إذ يمكن للضفدع إغلاق عينيه، لكنهما مع ذلك مغطيتان بأغشية خيطية فلورسنتية تترك مجالاً للضوء كي يدخل إلى العين وبالتالي فإن هذا الحيوان البرمائي يستطيع رؤية ما يدور من حوله وهو نائم .

ونبقى في عالم البحار لنستطلع نوعاً من الربيان الغريب الذي يمتلك عيوناً مكونة من 10 آلاف عدسة قرنية حساسة جداً للضوء، ولذا نلاحظ أن الخطوط الموجودة في هذه العيون العملاقة التي تشبه الرادارات تمكنها من الرؤية بأبعاد ثلاثية بالفعل .

وبالانتقال إلى عالم الطيور، نجد أن عيني الصقر هما أقوى عضوين للإبصار لدى جميع المخلوقات، ويشير الباحثون إلى أن الصقر يمكنه رؤية فريسته من مسافة تزيد على الكيلومترين، ويكمن هذا السر في ضخامة مقلتيه وفي سمك شبكية عينيه الذي يبلغ ضعف سمك شبكية عين الإنسان . فضلاً عن ذلك نجد أن شبكية عين الصقر تحتوي على ملايين الخلايا الضوئية لأنها مبطنة بنقاط زيتية صغيرة ذات لون أصفر وهذه النقاط تعمل كما لو كانت مرشحات ضوئية في آلة التصوير .

أما بالنسبة لعيني البومة فنجد فيهما كل العجب والغرابة، فالبومة ترى الأشياء بمقدار من الضوء يقل بمائة مرة عما يحتاجه الإنسان للرؤية، فعينا البومة تتجهان إلى الأمام من أجل التحديق في الظلام الدامس . ومن المعروف أيضاً أن قزحية عيني البومة لا سيما بومة البلح موضوعة في تجويف العين ولذا فهي قليلة الحركة، وعلى الرغم من توجهها الشاسع نحو الأمام، إلا أن مجال رؤيتها تتميز بها رقبة البومة، فهي قادرة على لف رأسها دورة كاملة ولذا يشبه الباحثون الرؤية عند هذا الحيوان برأس صاروخ وهو يلاحق هدفاً معيناً لقصفه .

ولو أمعنا النظر في عيون الزواحف، لوجدنا فيها هي الأخرى إبداعاً وهندسة عجيبة إذ يمكن للحرباء على سبيل المثال تحريك عينيها البارزتين الكبيرتين في كل الجهات ليتسع مجال رؤيتها، إضافة إلى القدرة على تحريك كل عين على حدة، وبذلك يمكن للحرباء أن ترصد كل ما يحيط بها ضمن زاوية قدرها 180 درجة عمودياً و90 درجة أفقياً دون أن تتحرك هي بنفسها أبداً بل تبقى ساكنة تماماً .

وثمة نوع من هذا الحيوان يعرف باسم حرباء اليمن يمتلك عيوناً هي من أكثر العيون تطوراً في الطبيعة، فعينا هذه الحرباء تبتعدان عن بعضهما بعضاً بمسافة واسعة وهذا ما يمكنها من الرؤية وراءهما وفي الأعلى وفي الأسفل وإذا ما لمحت عين من عينيها فريسة ما تتجه العينان معاً لتحديد موقعها بالضبط بينما يلتف الرأس في اتجاهها بحيث يكون في متناول لسانها الطويل اللزج الذي ينطلق نحوها في ربع ثانية فيخطفها بمنتهى السرعة إلى داخل الفم . والمعروف عن تمساح النيل أنه كان معبوداً عند بعض الطوائف المصرية القديمة وأنه كان موجوداً قبل حوالي 200 مليون سنة . وتمساح النيل هو الأكبر بين أربعة أجناس من التماسيح الموجودة في إفريقيا وهي معروفة بمهاجمتها للإنسان . وعلى الرغم من أنه يسمى تمساح النيل لأنه يعيش في نهر النيل فإنه يعيش أيضاً في معظم المناطق الإفريقية من مصر إلى جنوب إفريقيا وكذلك في مدغشقر .

ومن الممكن أن تعيش هذه التماسيح في الأنهار والبحيرات والحفر المائية وغابات المستنقعات والمصبات والمستنقعات العذبة . ويزحف هذا التمساح كما تزحف السحلية ويصل طوله إلى 6 أمتار تقريباً وله أربع قوائم تنتهي بمخالب حادة وذيل طويل مفتول العضلات . ولهذا التمساح عيون ذوات جفون ثالثة تحميها وهي تحت الماء . ويمكن لهذا التمساح أن يعرف كل ما يحيق به نظراً لقوة إبصاره المتطورة إذ يمكن لحدقتيه التقاط أدق الحركات التي تحدث حوله سواء كان في النهر أو على اليابسة .

وتمتلك معظم الحشرات عينين مركبتين ضخمتين على جانبي الرأس ويتركب كل منها من آلاف العدسات المستقلة، وهي توفر زاوية رؤية كبيرة ملاحظة سريعة للحركة . فضلاً عن ذلك تمتلك معظم الحشرات أيضاً عيوناً صغيرة يتألف كل منها من عدسة واحدة ويمكن مشاهدتها جيداً على الدبابير إذ إنها تشكل مثلثاً على قمة الرأس لكنها موجودة أيضاً لدى معظم الفقاريات . وبشكل عام فإن هذه العيون الصغيرة المسماة أوكلي هي المتبقي البسيط من عملية التطور عند بعض الحشرات والتي بالكاد تلحظ الضوء . وهي تفيد عند بعض الحشرات مثل اليعاسيب ككاشفات أفقية متطورة تسهم في المحافظة على ثبات الحشرة أثناء الطيران بينما تعمل كبوصلة تقرأ المعلومات في الجو أي الفضاء من حولها كما هو الحال عند نمل الصحراء .

ونصل في ختام جولتنا إلى عالم البحار وإلى قنفذ البحر، الذي يمتلك عيناً مركزية تسمى عين الدجال تشبيهاً بعين الأعور الدجال . ويمتلك هذا القنفذ عيناً تطوف في وجهه حسب المعتقدات الدينية . وقنفذ البحر هو حيوان صغير شائك كروي ينتمي إلى فصيلة قنافذ البحر ويقطن جميع المحيطات تقريباً . ويبلغ قطر صدفته الشائكة الكروية من 310 سم ويتراوح لونها بين الأسود والرمادي والأخضر أو الأرجواني . ويتحرك قنفذ البحر ببطء متغذياً على الأشنان (الطحالب) لكنه يبقى طعاماً لكل من كلب البحر والأنقليس وغيرها من الحيوانات المائية البحرية المفترسة .