على غرار المسميات الوصفية الدارجة للقصة، من الطويلة إلى القصيرة، وإلى القصيرة جدا، هل يجوز للناقد، أو للقارئ المتذوق على الأقل، أن يصف القصيدة الحديثة بالمسميات ذاتها، قصيدة طويلة، وقصيرة، وقصيرة جدا؟ لا أدري .
يدهمني هذا السؤال، كلما قرأت مجموعة شعرية جديدة يكاد بعض قصائدها لا يتجاوز الكلمات العشر، وربما اقتصرت إحداها على أربع أو خمس كلمات فقط . أحيانا، أتكىء في التعامل مع سؤالي، على ما كان لي من قراءة لقصائد مترجمة من الشعر الياباني هايكو .
ولكن الالهايكو القائم على نظام التقطيع لسطور قليلة، والخالي من الوزن والقافية، كما هو خلو غالبية قصائدنا القصيرة، والقصيرة جدا أيضا، يتجاوز هذا المعنى الشكلي البحت، إلى عمق فلسفي ضارب بجذوره في التراث الياباني . فكيف لهذا الاتكاء أن يكون، في سياق تراثين مختلفين؟ أم أن شعراءنا الجدد، أو المجددين منهم على الأصح، يحاولون الإفادة من تراثنا الشعري العربي الغنائي القديم ذاته، حين كانت القصيدة العربية تتكون من أبيات، كل بيت منها يشكل وحدة عضوية مستقلة، ليعمل المجددون على أن يكون ذلك البيت، بتفكيكه وإعادة بنائه على أسس جديدة خالية من التقنية العروضية الكلاسيكية، قصيدة كاملة وقائمة بذاتها؟
أطلتُ . ولم أشف غليلا . غير أن مبرري جاهز بالمتعة المدهشة التي وفرتها لي قراءتي للمجموعة الشعرية أسميك حلما وأنتظر ليلي الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت، أواخر العام المنصرم 2009 للشاعر الفلسطيني ماجد أبو غوش . ثمان وأربعون قصيدة على امتداد مائة صفحة تقريبا من القطع المتوسط، ما يعني بشكل عام، أن حصة كل قصيدة من المساحة، صفحتان . وقد تشترك قصيدتان بالحصة نفسها، ببضعة أسطر لكل واحدة، في حين تمتد أخرى على ثلاث حصص . يعني، قصيرة جدا، وقصيرة، وشبيهة بالطويلة؟!
لن أعود إلى السؤال . نقرأ معا، قصيدة حب:
صباح الخير
قالت له
ومضتْ خجلى
تتعثرُ بصَدى الكلام
وبِقلبها
ونقرأ قصيدة سعدي يوسف:
ماذا تخبئُ لنا هذا المساء
أيها الشيوعيّ الأخير
. . ورداً ونبيذاً
وأغنية حزينة
عن القمر العراقيّ القتيل
ومن قصيدة في الشام، نقرأ:
في الشام خيلٌ وورد
وامرأة تغني
خذني إلى النهر
ليكونَ لي منكَ
إذا ما انطفأت . .ولد
غنائية مبهرة لا تسعى إلى طرب تقليدي، بل تكرس قوتها الإيحائية في تكثيف المعنى لكل مفردة، ضمن إيقاع داخلي يبني عليه الشاعر رؤاه في اختيار المشهد أو الصورة . كأنّ كل قصيدة بذاتها، في هذه الغنائية، مشهد متماسك بجميع أبعاده، أو صورة فائقة الوضوح بكامل تكوينها .
تتسارع المشاهد والصور على امتداد قصائد المجموعة كلها، حتى تكاد أن تتداخل بعضها ببعض، لتشبه في تدفقها، ما يقارب نبض القصيدة الواحدة، بتلهف المتلقي لها، على الأقل . فهل المجموعة كلها في المحصلة، هي ذاتها، تلك القصيدة الطويلة (الملحمية) التي حسبتُ أنها غائبة عنها؟
تتعزز فرضية هذه المحصلة بأزمنة وأمكنة القصائد المتوحدة على اختلاف مساحاتها، في سياق موضوعها الواحد . ورغم أن هذا السياق مؤهل بكثافة حضوره، على متابعة إيماءات الأزمنة والأمكنة، ولو لم يحصل الكشف الصريح عنها، فإن حرص الشاعر أبو غوش على أن يذكر في نهاية كل قصيدة، تاريخ كتابته لها، والمكان الذي تمت فيه هذه الكتابة، وفر لنا البيئة الزمكانية المباشرة للقراءة . تماما، كما هو حرصه على تضمين أسماء كثير من الأماكن في عناوين القصائد، ما جعل من هذه العناوين، فضاء معرفة مسبقة للقصائد التي تنتظر دخولنا إليها .
من هذه العناوين/ الأماكن، نقرأ: غزة، بيروت، العراق، قانا، بنت جبيل، الرصافة، الشام، عمان، مدريد . ومن أماكن الكتابة، نقرأ: رام الله ودمشق والقاهرة . على الفور، نستطيع أن نهيئ أنفسنا للقاء الحميم مع هذه الجغرافيا التي ندرك سلفا، مدى تماهي تفاصيل حياتنا مع معظمها، إن لم يكن كلها، في أزمنة معينة يختصرها في المجموعة، زمن واحد من العام 2006 إلى العام ،2008 هو زمن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أو بين حماس وفصائل منظمة التحرير . ثم العدوان الإسرائيلي المدمر على قطاع غزة، وما سبقه من عدوان على لبنان .
تتشظى الغنائية إلى بكاء دام يختنق به الشاعر وهو يواجه المدخل الأول لهذا الزمن، في مشهد قتل الفدائي لنفسه بنفسه في غزة، تحت عتمة الانقسام والانقلاب . كأنه سفاح قربى ما يشهده الشاعر، في الرعب المدوي، وفي الخزي والعار . نقرأ:
كأنه كذلك،
عندما يطلقُ الفدائي النار على يده
كأنه كذلك،
عندما يرفعُ الفدائي سبابته في وجه أمه
كأنه كذلك،
عندما يستبدلُ الفدائي البندقية بالعصا
كأنه كذلك،
عندما يستبدلُ الفدائي
النشيد الوطني ب (الففتي سنت)
كأنه كذلك،
عندما يطلقُ الفدائي النار على فمه
وما تبقى، أن الدم وحده في غزة، يقاوم ضد العتمة، وضد طائرات الاحتلال الإسرائيلي، وضد الخراب والحصار . نقرأ في قصيدة غزة ليلا في شتاء 2008:
غزة، أين مضى النومُ هذه الليلة؟
الأحلامُ لم تأتِ
والطائراتُ تطلقُ النارَ على الأغاني
. . .
الريحُ حارقة هذه الليلة
والنوافذ تطلّ على الموت
والدمُ واضح
. . .
غزة، الدمُ وحده يقاوم .
وفي هذا الباقي، يستمر حزن الشعر الذي هو حزن الشاعر نفسه، من قصيدة إلى أخرى، على مدار كل الأمكنة والأزمنة، متجليا في إنسانيته الراقية، بأناقة الورد وعمق التراجيديا .