عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد اخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك، فقال: اللهم هالة بنت خويلد، فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيراً منها.
يضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حب الزوج لزوجته وإن كانت متوفاة، ذلك ان نبرة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في ذاكرته القلبية والعقلية، رغم أنها توفيت ومن شأن كثير من الازواج ان ينسوا زوجاتهم، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم المحب لخديجة رضي الله عنها ينتعش لسماع صوت يذكره بحبيبته، كما في النص: استأذنت هالة بنت خويلد اخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك، فقال: اللهم هالة بنت خويلد، قال أهل العلم: فارتاح لذلك: أي هش لمجيئها لأنها ذكرته أيام خديجة، واهتز لذلك سروراً، ومن احب شيئاً احب محبوباته وما يشبهه وما يتعلق به، وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته واكرام أهل ذلك الصاحب.
يقر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن النساء وهو الخبير بأحوالهن تغلب عليهن الغيرة، وان كانت المرأة زوجة نبي بل سيد الانبياء صلى الله عليه وسلم، وهذا التفهم من الرجال لطبيعة غلابة في المرأة يخفف من حدة التوتر عند حصول الغيرة، وعلى الرجل ان يتجاوز عن هنات الزوجة إذا غارت، فلقد قالت عائشة رضي الله عنها في خديجة قولا كبيراً لكنه لم يدفع النبي صلى الله عليه وسلم العليم بالغيرة وإفرازاتها إلى اصدار حكم أو اتخاذ موقف منها رضي الله عنها، إلا أنه انصف خديجة رضي الله عنها، كما تروي عن ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا ذكر خديجة اثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوماً، فقلت: ما اكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد ابدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال: ما ابدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي اذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء،إنه الوفاء في اسمى صوره.
ومن الفنون التي تحسن الزوجة استخدامها بيان محاسنها التي لا تتميز بها الاخرى رجاء ان تكون بذلك افضل عند زوجها، كما في قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيراً منها، تعني انها الصغيرة الشابة صاحبة الدلال، ولذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رد عليها وبين ان خديجة رضي الله عنها خير منها ألغى الحقيقة التي ذكرتها عائشة رضي الله عنها، لكنه بين أموراً لم تكن من عائشة بل من خديجة رضي الله عنهما، وهي أولى في مقاييس الخيرية.
ومن مؤشرات الفطنة ان يدرك المرء ما به وان يتبع ذلك اقراره بما ادرك، وهذا ما كان من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما في قولها: فغرت، وفي نص آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، هلكت قبل ان يتزوجني، لما كنت اسمعه يذكرها، وأمره الله ان يبشرها ببيت من قصب، وان كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن.
رحم الله أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فمن مناقبها ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، ورحم الله أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد احب صلى الله عليه وسلم ان يدفن في غرفتها، وكان آخر ما دخل جوفه صلى الله عليه وسلم ريق عائشة رضي الله عنها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، وفي نوبتي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه، قالت: دخل عبدالرحمن بسواك، فضعف النبي صلى الله عليه وسلم عنه فأخذته فمضغته ثم سننته به.