كان سكان المدينة المنورة قبل الهجرة يتألفون من طائفتين: العرب (الأوس والخزرج) واليهود. وبقدوم المسلمين المهاجرين من مكة المكرمة، وحلول النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته الجديدة، أصبحت المدينة تضم أربع طوائف: المهاجرون والأنصار والمنافقون واليهود. وكان لا بد من تنظيم العلاقة بين هذه الطوائف المختلفة لتنطلق الدعوة الإسلامية خارج المدينة.

فالمهاجرون هم المسلمون الأوائل من أهل قريش الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحملوا الأذى وسلاحهم الصبر والإيمان. ثم فارقوا الأهل والأرض وهاجروا من مكة المكرمة إلى المدينة تنفيذاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث عشرة سنة على مبعثه الكريم في مكة المكرمة.

والأنصار هم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وناصروه من الأوس والخزرج وقد فتحوا قلوبهم وأبواب مدينتهم لاستقباله مع المهاجرين فانتشر الإسلام في المدينة، بعد أن لقي المهاجرون فيها من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيراً قط. وقد أصبح بعد ذلك، سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج.

أما المنافقون فهم الذين دخلوا الإسلام عن غير إيمان وصدق، يبطنون الشرك ويظهرون الإسلام، وكان عبد الله بن أبي بن سلول العوفي سيد الخزرج من أشد المنافقين يحقد على النبي صلى الله عليه وسلم ويعتبره قد استلبه ملكاً كان سيتولاه قبل الهجرة بقليل، أما سيد الأوس أبو عامر عبد عمر بن صيفي بن النعمان فأصر على كفره وخرج مع بضعة عشر رجلاً إلى مكة المكرمة ومنها إلى الطائف ثم إلى الشام حيث مات.

ومن أشهر المنافقين من الأوس والخزرج زوي بن الحارث، جلاس بن سويد وأخوه الحارث بن سويد، نبتل بن الحارث، معتب بن قشير، مربع بن قيظي وأخوه أوس بن قيظي، وحاطب بن أمية بن رافع.

وقد أحسن اليهود استقبال النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر طمعاً في استمالته إليهم، ولكنهم سرعان ما عارضوا سياسته في جمع العرب وتوحيدها. وكان منهم بنو قينقاع الذين يقيمون داخل المدينة وهم صاغة أصحاب سلاح ولهم مكانة في المدينة، أما بنو النضير وبنو قريظة فكان كل منهما يقيم ويتحصن في مزارعه على مقربة من المدينة. ويحاول الإيقاع بين الأوس والخزرج (الأنصار) من جهة وبينهم وبين المهاجرين من جهة ثانية.

تآخي المهاجرين والأنصار

أصلح النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر بين الأوس والخزرج من أهل يثرب ووحد بينهما وسماهم (الأنصار) بعدما ناصروه في الإسلام. ثم وحد بين المهاجرين من أهل مكة المكرمة. وأخيراً وحد بين الأنصار والمهاجرين. وكان ذلك تأكيداً للوحدة السياسية والنظامية بين العرب المسلمين في المدينة وأصبح الإخاء في الإسلام هو الرابطة التي تجمع بينهم مكان رابطة الدم والنسب والعصبية القبلية.

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة عندما قال للمهاجرين والأنصار: تآخوا في الله أخوين وعلى هذا الأساس تآخى أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع خارجة بن زهير الأنصاري، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه مع عتبان بن مالك الأنصاري سيد بني سالم الخزرجي، وعثمان بن عفان رضي الله عنه مع أوس بن ثابت النجاري، وأبو عبيدة بن الجراح مع سعد بن معاذ سيد الأوس وعالمهم، وقيل مع أبي طلحة، وعبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع الخزرجي الأنصاري، والزبير بن العوام مع سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري وقيل مع عبد الله بن مسعود، وطلحة بن عبيد الله مع كعب بن مالك الأنصاري، وأبو الدرداء مع سلمان الفارسي، وجعفر بن أبي طالب (وكان في الحبشة غائباً) مع معاذ بن جبل، وسعيد بن زيد مع أُبي بن كعب، ومصعب بن عمير مع أبي أيوب.

وبذلك تآخى كل مهاجر مع أنصاري، أي اتخذ له أخاً في الله تعالى من الأنصار. فتم بذلك الدمج الاجتماعي بين المهاجرين والأنصار بعد أن اندمجوا دينياً، فكان ذلك نواة المجتمع الإسلامي الواحد.

وتأقلم المهاجرون بسرعة في حياتهم الجديدة، ورغم ما أظهره الأنصار من كرم وضيافة لهم، فإنهم بدأوا العمل في الزراعة والتجارة حتى لا يعيشوا عالة على غيرهم. وبدأ المسلمون يتزايدون في المدينة، فكان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين، وكان النعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، في حين كان كلثوم بن الهدم أول من توفي بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ثم تبعه أسعد بن زرارة.

وبهذه المؤاخاة توثقت وحدة العرب المسلمين في المدينة لتشكل قوة عظيمة.