كانت سيدة مصرية تدعى (مرفت) قد أجرت مداخلة مع برنامج فتاوى في إحدى الفضائيات الدينية وصرخت في وجه العلماء على الهواء قائلة: (حرام عليكم أفتيتم بطلاقي وتحريمي على زوجي وذهبت معه إلى الأزهر، والعلماء أكدوا أن علاقتنا الزوجية قائمة ولا يوجد طلاق لأن زوجي كان في حالة غضب شديدة . . لماذا تتسرعون في الفتوى وتخربون البيوت وتشردون الأطفال؟) .
رسالة هذه السيدة إلى شيوخ الفضائية الدينية تفتح ملف الفتاوى المتسرعة في البرامج الدينية التي يحكم من خلالها ضيوف هذه البرامج ومعظمهم من غير المتخصصين في الشريعة والفتوى بالتفريق بين الأزواج استنادا إلى كلام مرسل من بعض الأزواج والزوجات .
يقول د .محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: إن التسرع في فتاوى الطلاق ظاهرة خطرة انتشرت في السنوات الأخيرة خاصة في البرامج والفضائيات الدينية التي تقوم مادتها الأساسية على الإفتاء المباشر، إذ يقوم الكثير من السائلين والسائلات بالاتصال بالبرنامج ويعرضون شكواهم للمفتي أو الشيخ الذي يستضيفه البرنامج، وتتعلق معظم اتصالات المشاهدين بأمور الزواج والطلاق والعلماء يتسرعون في الإجابة عنها وإعطائهم حكماً شرعياً من دون معرفة الملابسات ومن دون تدقيق وتمحيص، وهذا أمر في غاية الخطورة لأن أمور الطلاق تحتاج إلى تحر وتدقيق وتمحيص واستجلاء للحقائق من خلال الطرفين .
ويوضح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن الأمر هنا لا يتوقف عند دعوة شيوخ الفضائيات الدينية وغير الدينية إلى التوقف عن الإفتاء في قضايا الزواج والطلاق على الهواء مباشرة، بل تشمل الدعوة هنا الأزواج والزوجات الذين يعانون مشكلات وأزمات تخص علاقتهم الزوجية، فهؤلاء عليهم أن يتوجهوا إلى دور ولجان الفتوى التي بها علماء ثقاة ليعطوهم الحكم الشرعي الذي لا يقبل الشك .
استشعار المسؤولية
د .علي السبكي، الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر، يضم صوته إلى صوت د .عثمان ويؤكد أن مسائل الطلاق من الأمور التي تحتاج إلى تدقيق، ويقول: الإسلام حريص على استمرار العلاقة الزوجية ويضع قيودًا كثيرة في طريق الطلاق لما يترتب عليه في الأغلب من تداعيات خطيرة على الطرفين وعلى الأبناء لو كان بين الزوجين أبناء، ولذلك فالإسلام يطلب من كلا الزوجين أن يستشعر مسؤوليته نحو الآخر ونحو أولاده، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" .
وعندما تلوح بوادر الخلاف بين الزوجين ينبغي أن يعبر كل منهما عما يكره من رفيقه ويحاول كل منهما إصلاح صاحبه، فليس كل ما في الحياة مما يرضي الإنسان، يقول الله تعالى: "وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" . كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يفرك أي يبغض مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي غيره"، ويقول أيضا "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت" .
والإسلام لا يلجأ إلى الطلاق إلا بعد التأكد من استحالة العشرة بين الزوجين، ومع ذلك فهو لا ينظر إلى الطلاق نظرة الرضا، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" .
وهذه الاعتبارات كما يقول الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر تؤكد أن قرار الطلاق قرار خطير في حياة الزوجين ولا يجوز اللجوء إليه نتيجة شكوى في برنامج تلفزيوني، بل ينبغي الاستماع إلى الزوجين جيداً قبل الفتوى بالطلاق .
سباق الإثارة
الفقيه الأزهري الدكتور نصر فريد واصل، أستاذ الشريعة الإسلامية، مفتي مصر الأسبق، يرفض هو الآخر فتاوى الطلاق المتسرعة في البرامج الدينية ويقول: لقد اتخذ الإسلام كل الوسائل من أجل الحفاظ على العلاقة الزوجية واستمرارها، وجاءت أحكامه وتعاليمه وتوجيهاته لتؤكد ضرورة الإصلاح بين الزوجين، وحث الإسلام الزوج على الصبر على زوجته وبذل كل الجهود المخلصة من أجل تقويم سلوكها وإصلاح أحوالها ووضع لذلك خطوات إصلاح معروفة تبدأ بالوعظ والإرشاد، ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب الرمزي غير المؤلم الذي يعبر من خلاله الزوج عن عدم رضاه عن سلوك زوجته، ثم اللجوء إلى التحكيم الأسري أو العائلي (حكم من أهل الزوج وآخر من أهل الزوجة) قبل التفكير في الطلاق، لأنه أبغض الحلال عند الله، ولا ينبغي اللجوء إليه إلا بعد أن تصل العلاقة بين الزوجين إلى طريق مسدود وتفشل كل وسائل الإصلاح بينهما .
ويضيف الدكتور واصل: بعض الفضائيات أو كثير منها تستخدم الفتاوى الدينية كوسيلة لجذب المشاهدين، ولذلك تختلق بعضها التساؤلات المثيرة وقد تسخر نساء لا دين لهن ولا خلق لصناعة هذه التساؤلات المثيرة للغرائز والشهوات، وكثير من علماء الإسلام والدعاة الذين يتصدون للفتوى في هذه الفضائيات يعلمون ذلك لكنهم ينساقون لتحقيق أهداف هذه المحطات والمشاركة في سباق الإثارة بينها، ولذلك أحمل هؤلاء العلماء والدعاة معظم المسؤولية، حيث يجب أن يكون لهم وقفة حاسمة مع هذه النوعية من الفتاوى المثيرة التي تتناول الخلافات والمشكلات الزوجية، وعدم الانسياق وراء أهواء ونزوات القائمين على فضائيات الإثارة .
وفيما يتعلق بفتاوى الطلاق في البرامج الدينية بالفضائيات يقول الدكتور واصل: الطلاق أمر خطير للغاية ولا يجوز القول بطلاق امرأة من زوجها بناء على رواية زوج أو زوجة في اتصال هاتفي، بل لا بد من الاستماع للطرفين معا والتدقيق في التعرف إلى تفاصيل ما حدث بينهما وما صدر عنهما من كلمات وألفاظ، فالضغائن والخلافات بين الأزواج والزوجات قد تدفع بعضهم إلى ادعاء ما لم يحدث وتخيل ما لم يقع، وتحميل الكلمات والمواقف والسلوكيات أكثر مما تحتمل، لذلك نقول بضرورة أن يلتقي الزوج والزوجة على مائدة المفتي معاً وأن يتحرى من يبحث في مشكلة بين زوجين، الحقيقة كاملة .
فتاوى متسرعة
الدكتور صبري عبد الرؤوف، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يرى هو الآخر أن الإفتاء المباشر يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال في بعض الحالات، ويقول: لا ينبغي على عالم الدين أن يطلق على الهواء حكماً شرعياً بوقوع الطلاق من عدمه بناء على كلام طرف، لأنه يمكن أن يحلل حراماً أو يحرم حلالاً من خلال الحكم المتسرع الذي لم يأخذ الاحتياطات اللازمة .
فالإسلام يعمل دوماً على حفظ تماسك الأسرة واستمرارها لأقصى درجة ممكنة حتى تتحقق الغاية من الزواج الذي جعله الله آية من آياته فقال تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" .
ويضيف: إذا كان الإسلام قد عمل على إقامة الزواج على أساس متين من خلال الخطبة وعقد الزواج الذي وصفه الله بما فيه من إشهار وإشهاد وولي بقوله تعالى: "وأخذنا منكم ميثاقاً غليظاً" فهل يعقل أن ينهدم هذا البنيان صاحب القواعد القوية بفتاوى متسرعة لم تستوضح الحقائق؟
ولا يجب أن ينسى كل مفتٍ وهو يقدم حكماً شرعياً أننا نعيش في عصر خربت فيه الذمم وقل فيه الوازع الديني، ولا بد من التحقق من أي معلومات يدلي بها أحد طرفي العلاقة الزوجية قبل الجزم بوقوع الطلاق من عدمه، وهذا طبعا لن يتحقق في الإفتاء المباشر عبر الفضائيات .
كذلك يجب مراعاة أن ملايين المشاهدين الذين يجلسون أمام التلفزيون وقد يقيس بعضهم الحكم الذي أطلقه المفتي أو الشيخ على نفسه ويتعامل مع مشكلته على هذا الأساس وهذا خطأ كبير .