حدثان تأريخيان سجلا الأهمية الاستراتيجية واللوجستية القصوى لموقع الوطن العربي ضمن خارطة العلاقة العالمية قديماً وحديثاً. الحدث الأول تمثل في الدور التنظيمي للتجارة بين العالمين القديمين الغربي المتمثل في روما وبعض من أوروبا، والشرقي المتمثل ببلاد فارس وعمقها الجيوسياسي، حيث اضطلعت قريش وقبائل الجزيرة بنظام الإيلاف الذي اعتبره الباحثون المحدثون أمثال عرفان شهيد وفكتور سحاب في رسالة الدكتوراه التي قدمها عن الإيلاف، من أخطر وأهم الاتفاقات اللوجستية التي نظمت التجارة بين جناحي العالم القديم. وقد أقره الإسلام عندما سيطر على مكة والجزيرة وانتشر في بلاد العرب، بل ورد ذكره في القرآن الكريم أيضاً.
أما الحدث الثاني، فقد حصل قبل الغزو الصليبي بقرنين من الزمن حين رسم الرحالة ماركوبولو طريقه إلى عمق آسيا، وإلى بلاد الصين، على خارطة شكل العالم العربي جسرها الموصل، بل طريقها الأمثل الذي لا بد وأن تمر به ومن خلاله التجارة بين أقصى الشرق والغرب الأوروبي. ولقد أطلق عليه طريق الحرير أو طريق التوابل والعطور، وهو طريق فتح شهية الغرب الصليبي فيما بعد على احتلاله والتمركز فيه تحت ذريعة (تنصيره)، فيما الأهداف كانت السيطرة الاستراتيجية على المنطقة التي هي نقطة الوصل والاتصال بين أعماق آسيا وأعماق الغرب.
لذلك يشير اسم طريق الحرير إلى منطقتنا العربية بالذات، بل إنه الاسم الذي يشخص الأهمية اللوجستية لمنطقة حيوية من مناطق العالم. علماً أن هذا التبادل التجاري غرباً وشرقاً ترك بصماته الثقافية الكبرى.
وقد جاء الزمن الذي يعاد فيه إحياء التسمية والمعنى، تحت إطار الفنون الإسلامية، والتي بدت جامعة لكل الدلالات والأبعاد التي انطلقت منها حقائق أساسية ثلاث هي:
الأولى: أن الثقافة الإسلامية بمحتواها الأكثر شمولية كانت بمثابة الإشعاع الذي اتسعت رقعته ووصلت أنواره إلى أقصى بقعة في آسيا، وقد تفاعلت هذه الثقافة مع الجانبين الديني والدنيوي فتحولت إلى حضور حضاري. والثانية: إن مهرجان الفنون الإسلامية بالذات. انتقى النشاط البصري أو الجانب البصري من الثقافة، مركزاً بذلك على الأهمية القصوى للمكان الذي أثر عليه المفهوم الجمالي الإسلامي، والذي هو مفهوم متحرك وليس ثابتاً أساسه الجانب التأملي لا العملي كما يتوهم البعض.
أما الحقيقة الثالثة: إن العديد من الأنشطة والبحوث المعاصرة، سواء حول النتاج الفكري أو الإيديولوجي للاستشراق، كما عند إدوار سعيد، أو النتاج الإبداعي الملموس كما هو الأمر في مفهوم إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة، سوف تتبلور في نهاية المطاف بشكل (مانيفستو) بيان عام وشامل يؤكد على دورة تأريخية قائمة وليست مفترضة، ترسم في محتواها طبيعة العلاقة بين الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة من جهة، والغرب بجميع أشكاله المتطورة من جهة أخرى.
بالطبع، لقد احتاج الأمر إلى قدر هائل من الأنشطة والفعاليات لكي تتم عملية الإحاطة بالصورة الأشمل لمفهوم الإبداع الإسلامي، وقد قامت حوالي 130 فعالية ما بين ندوات ومعارض وورش تخصصية إلى جانب معرض المرئي والمسموع، وقد شاركت دول عدة عربية وإسلامية ناهيك عن عدد وافر من المؤسسات الرسمية والأهلية.
إن المحتوى العام للنشاط كان مغرياً ومدهشاً، ومن خلال ما أرسل إلينا عبر دائرة الفنون بهمة الصديق الفنان هشام المظلوم، فإن المهرجان كان عامراً بكل شيء. وهذا الأمر يشكل إيجابية كبرى في الزخم وفي الكم. لكن ثمة ملاحظة صغيرة وهي أن أغلب البحوث التي اطلعنا عليها ارتكزت حول الفن الحروفي، وهو موضوع أولاه القيمون على إدارة الفنون في الشارقة اهتماماً سابقاً على هذا المهرجان، وكان من الأجدر التركيز على البحوث التاريخية والسوسيولوجية لطريق الحرير حيث التسمية بحد ذاتها خلقت بؤراً حضارية جديدة تمثلت روح الإسلام وثقافته، وأكبر دليل على ذلك ما قدمه المهرجان ذاته من صورة عن مسلمي الصين، وعن إبداعهم الكتابي.
إن أنشطة مهمة ستبدو في صلب الموضوع شكلت ركناً أساسياً من أركان الإحاطة الشاملة بالمهرجانية الإسلامية، ومن أبرز هذه الأنشطة كان معرض الهوية الإسلامية الذي أقيم في كلية المجتمع، ثم ورشة الخط العربي التي أقيمت في متحف بيت الشيخ سعيد في كلباء. وورشة المعالم الإسلامية في مركز خورفكان للفنون، وورشة رسم المساجد الإسلامية في مركز كلباء للفنون، وعرض الأزياء الإسلامية الذي أٌقيم في نادي سيدات خورفكان، وورشة طباعة الزخرفة في نادي سيدات دبا الحصن، ومعرض مساجدنا ناهيك عن بعض الورش والمسابقات.
أما الاهتمام بالخط العربي، فهو اهتمام بالعمق الثقافي الإبداعي لأهم تجويد بصري أبدع فيه المبدعون المسلمون. لكن لاحظنا أن هذا الفن الإسلامي العريق بقدر ما حظي باهتمام رائع من دائرة الفنون ومن القيمين على تنظيم الأنشطة إلا أنه لم ينل قسطه من البحث التاريخي والعلمي. حول نشأته وتطوره وأهم أعلامه. لقد استعرض الذين تحدثوا في الندوات المرافقة عن موضوع آخر هو الحروفية في اللوحة العربية. وكأن الخط العربي الذي أُقيم من أجله أهم المعارض وأجملها من الأمور الثانوية في الإبداع. علماً أن أي باحث جاء لا بد وأن ينطلق من إبداع الوزير أبو علي محمد بن مقلة. وقد كان هذا المبدع وزيراً وخطاطاً لثلاثة خلفاء عباسيين هم المقتدر بالله والقاهر بالله والراضي بالله. وقد وشي به فقطعت يده اليمنى فأصر أن يكتب باليسرى، وقد بقي من آثاره الخطية الرائعة أثر جميل هي بعض صفحات من مصحف خطه بيده، لكن هذا الأثر سرق من بغداد مع ما سرق من آثار.
ثم كان لا بد من التطرق لأستاذ الخطاطين المسلمين والعرب علي بن هلال المعروف بابن البواب. ناهيك عن معجزة الخط ياقوت المستعصمي وهو الشيخ جمال الدين ياقوت المستعصمي الطوشي البغدادي ويلقب بأبي الدر. وربما ذكرت هذه الخطوط الرائعة المعروضة بالشيخ حمدالله الأماسي الذي ولد ما بين (830-840) هجرية.
إن البحوث التي كان يجب أن ترافق معارض الخط العربي المثيرة كان لا بد لها وأن تركز على القاعدة البغدادية وهي التي ابتدعها ابن مقلة وحسنها ابن البواب وأجادها ياقوت المستعصمي. كما يجب عدم إهمال القاعدة التركية وهي التي بدأها حمدالله بن الشيخ وبلغت قمة إجادتها على يد مصطفى الراقم وقد تبعه جميع الخطاطين الأتراك وفي ذروتهم حامد الآمدي. ولا نستثني بلاد فارس والخطاط الكبير مير علي سلطان التبريزي.
إن البحث التأصيلي المرادف أو المرافق لهذا المهرجان الضخم في الفنون الإسلامية. يجب أن يحدد من قبل دائرة الفنون التي تمتلك تصوراً شاملاً عن كافة الأنشطة. لكن الأهمية القصوى لهذا المهرجان الشامل ستبقى في شموليته وإحاطته بكل ما يرافق الوعي بالإبداع الإسلامي، سيما وأننا نعيش اليوم زمان الهجمة على كل ما هو عربي ومسلم. وما قدمته إدارة الفنون ضمن اختصاصها في دائرة الثقافة والإعلام هو الفعل المضاد للهجمة المعادية فسعت بذلك إلى تكريس الحقائق التي يجب أن تكرس. وهي حقائق حضارية وشهادات لصالح حضارة شعت على العالم القديم فحدثته، وعلى العالم الحديث فزادته حداثة وتقدماً.