ينتسب الأردني فهمي جدعان إلى جيل من المفكرين العرب المعاصرين الباحثين في تاريخ وحاضر العالمين العربي والإسلامي واستشراف المستقبل والداعمين لتحويل الفلسفة والفكر إلى أداتين فاعلتين في دفع عجلة التغيير والتنوير . فهمي جدعان المولود عام 1940 في مدينة حيفا الفلسطينية حاز دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون الفرنسية حيث عمل أكاديمياً زائراً هناك وأستاذاً جامعياً للفلسفة والفكر العربي والإسلامي في جامعات عربية عدة، كما شغل وظيفة عميد كلية الآداب في بعضها ونال أوسمة وجوائز مختلفة، من إصداراته أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، الطريق إلى المستقبل: أفكار قوى للأزمنة العربية المنظورة، الماضي في الحاضر: دراسات في تشكيلات التجربة الفكرية العربية، رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة، في الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، المقدّس والحرية ومؤخراً خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية .
تراجع دور المفكرين في العالم العربي تقصير منهم أم نتاج طبيعي لحالة تشرذم عامة؟
الموضوع معقد جدا . . طبعا هناك حالة انكفاء للأحوال العربية على مختلف المستويات والقطاعات والحقول الفكرية والعلمية والأيديولوجية والسياسية وغيرها وهذا ينعكس على المفكر الذي أصبح منعزلا إلى حد كبير وإذا أراد إنجاز عمل فكري جاد فإنه يستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً وإنفاقاً مالياً أيضاً وأمام افتقاد الدعم المطلوب نتيجة غياب مؤسسات ومراكز بحث متخصصة يحدث التراجع قطعاً ويسهم في تكريسه انغلاق الآفاق السياسية والإحباط المتغلغل واضطراب المصير العربي برمته، رغم افتراض اعتباره مصدراً ملهماً للبحث عن خلاص إبداعي لكن ضيق الوسائل والإمكانات يحول من دون نتاج رفيع ومن دون أن يكون للمفكر دور حقيقي ناهيك عن اعتقاد طبقات سياسية في الوطن العربي أنها تملك كل الحق في أن تحلل وتفهم وتقرر كل شيء ولا تأبه بمعطيات أعمال جادة مشخصة للأوضاع .
أمام ذلك وحين تذهب النخب الثقافية إلى العزلة أو مهادنة السلطة ألا تسهم بصورة مضاعفة في انهيار المجتمع؟
لاشك في أن على المفكر دورا طليعيا ومركزيا يوجب تفاديه الانعزال لكن المشكلة تكمن في كيفية مقاربته بين المسائل التي تهم المجتمع والفرد والدولة وأنا لست مع الذهاب في طريق الاستفزاز لأنها تقود إلى القمع، كما لا أرتاح كثيراً للمفكرين الباحثين عن الشهرة من خلال اختلاق الإثارة وتقديمهم إلى المحاكمات ومنع كتبهم وتحويلهم إلى شهداء عابرين، بدلاً من لعبهم دوراً تنويرياً مستمراً وفق أعمال حقيقية عميقة .
أما المهادنة فلها أشكال مختلفة منها الصمت تجنبا للقمع والسجن والطرد وما شابه، لكن الصمت قد يعني عدم الرضا أيضا وهناك في المقابل الذهاب إلى حد ممالأة السلطة وتجميل صورة الأفعال الضالة وهذا لا أقبله حيث يكذب المفكر على نفسه والمجتمع والدولة، لكن الأخطر من هذا تحول المفكر إلى ناطق رسمي باسم نظام مستبد وظالم ومنحرف وتابع وفاسد وهذا مرفوض على الإطلاق .
كيف تنظر إلى الحديث عن محاولات تجديد الثقافة القومية؟
جمال عبد الناصر كان موعداً فذاً مع التاريخ أشك في تكراره وبعدما اجتمعت القوى الداخلية والخارجية على إجهاض مشروعه الوطني، وعقب أفول الناصرية ضربت الحركة القومية في الصميم ولم تستطع تجديد نفسها حتى الآن، وإن كانت هناك محاولات عند القائمين على المؤتمر القومي العربي وفق اجتهادات تحيط بجمهرة المثقفين غالبا وأرجو اختراقها الأوضاع البائسة لكن عدم نجاح المحاولات لا يعني اندثار الفكر القومي .
وسط انهيار القيم وتفشي المفاهيم المغلوطة والمخلوطة من أين يبدأ الخلاص؟ وكيف ينطلق الإصلاح؟
أعتقد أن البدء يجب أن يكون بإشاعة إستراتيجيات معرفية وأخلاقية حقيقية فمعرفتنا ضئيلة جداً في كل القطاعات سواء الإبستيمولوجية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو السياسية أو العالمية، ولا أقصد هنا فريق النخبة الذي يدور حول نفسه بل عامة الناس الذين توجههم معرفة خرافية مستقاة من الفضائيات والجماعات المتطرفة، وهي مصادر تنشر ثقافة غير حقيقية ولا علمية وبالتالي أصبح مستوى الفرد العربي متدنياً ولم يعد يستطيع تقويم الأمور والحكم على قادته ومفكريه وصناع القرار .
الحديث عن إعادة تشكيل الذات يرجعني إلى خلافي مع صديقي الراحل المفكر محمد عابد الجابري حول تركيزه على نقد العقل واعتبار المسألة كلها كامنة في العقل العقلاني، قبل انتباهه إلى ما كتبته أنا عن أهمية المسألة الأخلاقية فهناك عقل عقلاني وآخر وجداني يتحكم في القيم والرغبات والنزعات وما إلى ذلك، ونحن لدينا فوضى في القيم ونفتقد تصوراً محكماً لها وكل يتصرف على شاكلته، ومعاملاتنا اليومية دليل واضح بحيث نستطيع أن نتكلم اليوم عن نسبية أخلاقية فقط .
على الدولة أن تتدخل من خلال نشر ثقافة اجتماعية وفق قواعد للسلوك في الفضاء العام وهذه عملية ضخمة مرتبطة بالتربية وما دونها، نحن متجهون إلى مجتمعات الغاب ومؤخرا كنت في مؤتمر حول هذا الموضوع في بيروت واقترحت وضع معجم للقيم النظرية والعملية والمهنية يمكن تعميمها والالتزام بها طوعيا بذريعة أن الحقيقة والخير والمصلحة تتطلب ذلك وهذا مرتبط بترسيخ الثقافة المعرفية ابتداء .
حذرت سابقا من الليبرالية الجديدة فما الخطر الأكبر اليوم؟
أحذر من القنوات الفضائية ومن الموجات المتلاطمة والمتدافعة بعنف وشراسة على صعيد الصورة والكلمة والأفلام السينمائية والبرامج الثقافية والترفيهية والفن الهابط، وتصدير التحرر المنحل أو التعصب المتزمت وهذا هو الخطر المقبل ومن واقع متابعتي أغلبية المغنين والمغنيات على الفضائيات العريبة وغيرها أشعر بصدمة كبيرة لما أشاهد وأسمع .
خلصت في إصدارك الأخير خارج السرب إلى ضرورة إعادة قراءة وتأويل النصوص الدينية بعيدا عن الإطار الحرفي المادي وهذه الرؤية لم تحمل جديدا في جانب، وتعميمها يقود إلى الاختراق في جانب آخر وفق فريقين مختلفين من المفكرين فما ردك؟
بكل تأكيد التأويل ليس جديدا وآيات قرآنية ذكرته صراحة والتيار الإسلامي العقلي انطلاقا من المعتزلة أخذ بذلك ولم أسع إلى طرح اختراع جديد لكن أردت برهان حاجتنا إلى التأويل من أجل حماية الدين الإسلامي من نزاعات حداثية تقدّمه بصورة طاردة، وركزت في دراستي على تجارب أربع كاتبات مسلمات يعشن في الخارج وسط إغراءات الحرية ويدفعن صوب رفضهن النصوص القرآنية بوصفها أمعنت في قهر حقوق النساء وهذا غير صحيح حيث أشرت في المقابل إلى نسويات يؤكدن ارتكاز نصوص القرآن الكريم على المساواة والمحافظة على حقوق المرأة وذلك وفق معانٍ تتجلى عند إعادة القراءة والتأويل وليس هناك خرق طالما طابقنا القصدية الأساسية للمضمون، وإلا نشأت تيارات تروّج أفكارا مغلوطة حال الإبقاء على القراءة الحرفية وتعميمها وهذا من شأنه التأثير بصورة كارثية في الإسلام في عصر الانفتاح والعولمة .
تبحث ضمن كتاب في الخلاص النهائي عن فعل تضافري بين الإسلام والعلمانية والليبرالية، أليس تنظيراً يصعب تطبيقه؟
لكل نظام من الثلاثة نواة قاعدية قائمة في الإسلام على العدل والرحمة، وفي العلمانية على العقلانية، وفي الليبرالية على الحرية وهنا يمكن تحقيق فعل تضافري لكن المشكلة أن المنتسبين لكل نظام يخونون النواة القاعدية حين يتعلق الأمر بإقامة الدولة وإدارة الحكم وتصبح القضية السياسية الأساس وتتم تنحية الطرف الثاني، وإذا عدنا للمبادئ الأساسية يمكن الجمع بين العدالة والرحمة والعقلانية والحرية التكافلية .
ينقض مفكرون فعل الحرية والديمقراطية في الفكر الإسلامي بما يجعل العدالة والرحمة قاصرة على حد رأيهم فما طرحك؟
الشورى نوع من الديمقراطية من خلال مشاورة العلماء أو الجماعة أو فريق معين وهي تحتوي على مجلس الأمة آنيا أما الخلاف يقع بين رأيين حول أن الشورى ملزمة أو للاسترشاد فقط وأنا مع أنها ملزمة، ولا يجوز لرجل الدولة إهمال رأي مجلس الشورى طالما عاد إليه ومن هنا يستقيم إنفاذ العدالة والرحمة والمساواة وكل القيم النبيلة .
هل أنت مع تداول السلطة بين الإسلاميين والليبراليين والعلمانيين؟
إذا أنفذنا سياسات إستراتيجية معرفية واسعة وأصبحنا أمام مجتمعات تملك حدا أدنى من الثقافات وقادرة على اختيار ممثليها بقدر الإمكان، أعتقد أي اتجاه له الحق في أن يحكم شريطة التزامه بما يرتكز عليه أساساً .
هل صحيح أنك وصفت جميع الحركات الأيديولوجية ب الاستبدادية؟
نعم جميعها استبدادية سواء كانت ثورية أو غير ثورية وأقصد هنا الأيديلوجيات الأحادية التي تقصي سواها وكل التي نعرفها كذلك .
كيف تنظر إلى مشروعات نهضوية تزعم شموليتها لانتشالنا من الأوضاع المتردية؟
لا تروق لي على الإطلاق خصوصا في زعمها خرق حاضر سيئ وإعادة بناء المجتمع بصورة شمولية وكلها طوباوية لم يستمع لها أحد؟
إفراطنا في الأمل مع حلول الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطأ منا أم خديعة منه؟
أفرطنا في التفاؤل لأننا مازلنا مسكونين بعقلية الزعيم والرئيس العادل المستبد ولا أعرف كيف أفرغنا أوباما من نظام أمريكي سياسي اقتصادي متحكم تستشري فيه الصهيونية، والخطأ أولا في تقويمنا لأن جميع من أنجبه وسينجبه النظام الأمريكي من رؤساء نسخ متكررة مع فرق في الدرجة وليس النوع حيث نموذج بوش العدواني البغيض، وأوباما الذي يحاول أن يكون وديعاً في تمرير كل ما خطط له النظام سلفا .
كيف تجد اتجاه بعض الكتاب إلى انتقاد الإسلام حد التعريض، بدل محاولة صد هجمات يمينية متطرفة ضده؟
غاياتهم الأساسية غوايات استفزازية متعلقة بالمنافع الشخصية والشهرة والانتشار وهذا يفقدهم النزاهة ونتاجهم لا أخلاقي ومغرض ويعتمد التضليل، وفي المقابل الأعمال المعمقة المتعلقة بالظواهر الخارجية المعادية نادرة أو تأخذ شكل ردود فعل آنية وأنا الآن أنكب على فعل شيء حول كتاب خطير جداً عنوانه: أرسطو في دير سان ميشيل صدر قبل نحو عامين ولا تزال أصداؤه تتصاعد حيث ينكر صاحبه الفرنسي سيلفان غوغنهايم أي دور له قيمة للعرب في نشأة وتكوين الحضارة الغربية ويمعن في الإساءة في ما تصدى له أربعة باحثين فرنسيين مستعربين بدل تولينا نحن ذلك .