إلى الجنوب من بحيرة حمص في زاوية تتألف من نهر العاصي الذي يجري في اتجاه الشمال ونهر فرعي يرفده ويصب فيه من الجنوب الغربي، تقع قرية (تل النبي مند) أو ما تُعرف تاريخياً بقادش، وهو المكان الذي جرت فيه أكبر معركة في التاريخ القديم بين أقوى قوتين في ذلك العصر هما الحيثيون والفراعنة.
وقادش بلدة كنعانية فينيقية كانت مبنية من الطوب ويحيط بها سور له عدة أبواب ورد اسمها في المصادر الحيثية بلفظة (KINZA) ووردت في أرشيف قطنا باسم (كي ايدشي) وورد اسمها مرارا في النصوص القديمة خاصة في وثائق معركة قادش ما بين (خاتوسي) ملك الحيثيين و(رمسيس) الثاني فرعون مصر عام 1272 قبل الميلاد.
غير أن قادش غابت عن مسرح التاريخ خلال النصف الأول من الألف الأولى قبل الميلاد وغاب معها اسمها من المصادر التاريخية ثم عادت في العصر الروماني حيث أُطلق عليها اسم (لاوديسيا ادليبانوم) أي اللاذقية المحاذية لجبل لبنان وأيضا (لاوديسيا سكابيوزا) ولم تظهر أية صعوبة في التحقق من أن (لاوديسيا سكابيوزا) هي(تل النبي مند) وذلك إثر اكتشاف خمسة ألواح طينية منقوش على إحداها رسالة موجهة إلى (ايتاغاما) حاكم (قادش) المعروف في أرشيف (تل العمارنة) ووثائق أخرى تشير إلى ازدهار هذه المملكة بسبب وقوعها على طرق الجيوش والقوافل التجارية بين (أميسا- حمص) و(هيليو بوليس- بعلبك) عن طريق (ماوريكو بولس- جوسيه الخراب).
أول من تعّرف على موقع (قادش) القديمة المعروفة في المصادر المصرية هو عالم الآثار الأمريكي (تومبسون) وذلك في العام 1840 وقد اعتمد في شرح فرضيته على المشهد الطوبوغرافي المصور بشكل لوحة تذكارية يخلد انتصار (رمسيس) الثاني على الحيثيين بقيادة (خاتوسيل) ذلك الانتصار الذي لولاه- كما يقول الباحث في شؤون التاريخ (كينيث كيتشين)- ما ذُكر اسم رمسيس في التاريخ.
وأول بعثة تنقيب في تل النبي مند (قادش) كانت البعثة الأثرية الفرنسية، وكان ذلك خلال عامي 1921 1922. وكان من نتائج حفرياتها التعرف على أن الموقع يضم سويات سكنية يعود أبكرها زمنياً إلى الألف الثاني قبل الميلاد وقد اصطدم المنقب آنذاك بجدارين دفاعيين للمدينة دعا أحدهما بالجدار الهلينستي، ودعا الثاني بالجدار العموري، وكان من أهم المكتشفات اللوحة التذكارية للفرعون (سيتي الأول) وهي مرتبطة حتما بحملة هذا الفرعون على سوريا حوالي عام 1317 قبل الميلاد.
وبدءا من عام 1975 قامت بعثة أثرية بريطانية برئاسة (بيتر بار) بأعمال التنقيب المنهجي في هذا الموقع وبإشراف المديرية العام للآثار والمتاحف وقد أيدت نتائج أعمالها صحة أن يكون تل (النبي مند) هو نفسه موقع قادش، وان قادش كانت خلال عصور البرونز الحديثة من أقوى ممالك المدن السورية، وقد استهدفت مواسم التنقيب في هذا التل إلقاء الضوء على التاريخ القديم لوسط سوريا.
وجرت بعد ذلك حفريات عديدة في موقع (قادش) ومنها حفريات البعثة الوطنية في صيف العام 1980 واستطاعت من خلالها العثور على 71 قبرا استخرجت منها جرار فخارية وعملات من العصر الروماني وقوارير وحناجير زجاجية وأدوات برونزية وحلي إضافة إلى تماثيل مرمرية وأوان زجاجية وكسر فخارية وتماثيل برونزية لأرباب سورية قديمة ترتدي أثوابها الطويلة وعلى رأسها قلنسوات وبيسراها صولجانات وأغلب هذه الكنوز الأثرية موجود في أجنحة متحف حمص.
ترجع أصول الحيثيين إلى آسيا الوسطى التي جاؤوا منها وانتشروا ما بين حلب والفرات وحمص والخليل كما يقول الباحث. د عماد الدين الموصلي في كتابه (ربوع محافظة حمص بين الماضي والحاضر والمستقبل) واستقرت جماعة من الحيثيين في حمص إلى جانب (الروثان) بعد يئس الآخرون من طردهم وتصاهر الفريقان واندمجا نسبيا، وشكّل الحيثيون خلال الألف الثاني قبل الميلاد دولة قوية شملت أزمير وأنقرة وقرقميش وقادش وجبيل وضّيق الحيثيون شيئا فشيئا على العمالقة والأموريين وأجبروهم على النزوح التدريجي إلى جنوبي سوريا، ومنذ ذلك الحين أخذت مملكة حمص تعاني من صراع الحيثيين مع المصريين فقاد ملك حمص الحملة المتجهة إلى مرج بن عامر (مجدو) لرد فرعون مصر المتجه بجيوشه إلى سوريا وكان تحت لواء ملك حمص في هذه المعركة ملوك سوريا الجنوبية وكنعانيو فلسطين، تمكن فيها (تحتمس) من كسب المعركة ومحاصرة بلدة مجدو بمن فيها وفّر ملك حمص ناجياً بنفسه تاركاً أسرته وأسر زملائه أسرى لدى فرعون مصر، وقد قدّرت غنائم المصريين في هذه المعركة ب 942 عربة و2238 حصانا و200 حلة حربية وقضيب ملك حمص وصولجانه وخيمته الملكية وتمثاله المصنوع من الأبنوس المطّعم بالياقوت، ولكن المعركة الأبرز بين الحيثيين والفراعنة كانت في مملكة (قادش). وقد ذكرت لوحات (تل العمارنة) الكثير من محاولات الفرعون المصري (تحتمس الثالث) لاحتلال قادش مرات عديدة وارتداده عنها دون دخولها أو محاصرتها، ولكن في عام حكمه الثالث والثلاثين وخلال حملته الشهيرة على بلاد الشام والتي وصل فيها إلى (كركميش) على نهر (الفرات) هاجم(قادش) وحاصرها واستطاع دخولها في أكبر معركة في التاريخ القديم.