تقول أميرة: إليك سيدتي قصتي أو أقول مأساتي . . أنا بنت من ضمن ثماني بنات لأب وأم، والدتي وهي كما أتذكرها في الماضي، قوية البنية، حادة الطباع، صلبة الرأي، قوية الشخصية، حيث أنها لا تسمح لأي إنسان بجانبها أن يكون له شخصية، أو رأي مخالف لرأيها، عالية الصوت، حتى ان أخواتها سموها فريد شوقي . أما والدي فهو رجل عادي مدخن، ليس له هم في الدنيا إلا بيته وبناته، ليس له رأي في البيت، وليس له قرار في أي شيء أيضاً .

أنا البنت التالية تكبرني أختي، وبعدي تأتي باقي الأخوات، أنعم الله علي ببعض الجمال الزائد عن أخواتي، وهذا الجمال كان في ما بعد نقمة عليّ . وجدت نفسي في بيت جدتي، أتربى هناك، فلم أتساءل لماذا لست في بيت أبي مع إخوتي؟ فكانت تحلو لي الإقامة في منزل جدتي . هي سيدة حنون، وتحبني كثيراً، كانت أحن إنسان قابلته في العالم، وكانت أول إنسان وآخر إنسان يحبني بهذه الطريقة . وأيضاً لم أتساءل: لماذا تحبني، وتعطف علي لهذه الدرجة! ولكن تبين لي أنها كانت تعوضني عن قسوة الآخرين معي . حان وقت المدرسة، وانتقلت إلى بيت أمي مع إخوتي . . أقيم معهم وأعيش عيشتهم . وجدت أن مع أخوتي المسألة عادية جداً: نعيش مثل أي أطفال في سننا . . نلهو ونلعب ونمرح معاً، ولكن لفت انتباهي أن والدتي تضربنا كثيراً ومن غير داع، وتنبهت أيضاً إلى أنها تحب أختي الكبرى كثيراً، وهذا لم يزعجني لأنني أنا أيضاً أحب أختي الكبيرة، ولكن ما أزعجني أنها تفرق في المعاملة، لا تعاملني بالحب والاهتمام نفسهما، عندما نذهب إلى السوق، أختي تختار ما يحلو لها، وأنا لا أختار، وأمي لا تسألني: ما الذي تريدينه؟ لا تهتم لما أريد أبداً، بل هي من تختار لي كل شيء . وتنبهت، وأنا كبيرة إلى أنها كانت تشتري لي دائماً أقل مما تشتري لأختي . . لماذا؟ لا أعرف . أما عن البيت كالأكل والشرب، فقد كانت هناك أصناف فقط لأختي الكبرى، وأنا لا يسألني احد ماذا تأكلين؟ أو حتى لا يشعرون أني معهم في البيت نفسه . أما أبي فهو يتجاهلني إلا من بعض الصفعات والإهانات، حتى اني أذكر أمراً لا ولن أنساه أبداً ما حييت، أني كنت أنادي أمي، وأقول لها: ماما . . ماما . . ماما . . . فأجابني بوجه عبوس مستنفر من صوتي: كلمة ماما تخرج من فمك مثل السم . . لا تقوليها وأنا موجود .

ظل معي إحساس أن أبي يكرهني كثيراً، أكذب نفسي أحياناً، وأحياناً أخرى أطاوعها في إحساسها . في ذلك اليوم ظللت أبكي . . ولكي لا يروني دخلت خزانة ثيابي، وقفلت عليّ بابها . وبكيت كثيراً كما لم يبك إنسان، فأنا لم أصنع شيئاً أو أغضبهم بشيء، فلماذا؟ لا أعرف . وفي الصف السادس شعرت بألم شديد من معاملة أمي وأبي لي، فكتبت شيئاً يعبر عن ذلك، وكانت أول مرة أمسك قلماً لأترجم به أحاسيسي . . فكتبت الآتي: أشعر أني لست ابنتهم، أشعر أنهم وجدوني في الشارع على باب جامع، أو هناك من وضعني عندهم أمانة، لا أشعر أنها أمي، ولا هو أبي، فوجدت أمي المذكرة التي كتبت فيها هذا الكلام، وقرأتها ونظرت إلي وقالت: ماهذا الذي كتبتيه؟ قلت لها إني أؤلف قصة، وأن الكلام ليس عليهم، أنكرت، نعم أنكرت . . فلم يكن عندي الشجاعة أن أواجه، أو أصرح . اتضح لي أني لست الوحيدة التي تلاحظ هذه المعاملة، فأخواتي يلاحظن، وجدتي، رحمها الله، تلاحظ، بل الجيران والأهل والأصحاب . . كل الناس، حتى انهم ناقشوا أمي لتغير ذلك، ولكنها لم تفعل لأنها لا تصغي لأحد إلا لنفسها .

كبرت ما بين ضرب، وإسالة الدماء . فانا أتذكر أن أمي أتت من خارج البيت مرة، ووجدت ابن عمي معنا بالبيت، فضربتنا كلنا، ولكن أنا فقط التي أخذت النصيب الأكبر من الضرب إذ أحدثت جرحاً في رأسي، وتألمت لألمي أختي الكبرى وواجهت أمي . . بل عنفتها . كانت أختي الكبرى تذهب إلى كل مكان، وأنا لا . . حبيسة داخل المنزل مع أمي . . فقط إذا خرجت أمي أخرج معها، تركت أختي الكبرى تجول الأماكن والمصايف، وتذهب أنى شاء لها . . وأنا لو طلبت لا مجيب لطلبي . . حتى الأصدقاء، لا أصادق أحداً، أما أختي الكبرى فلها الحق أن تصادق بنات، وأولاد . . لماذا؟ لا أعلم . حتى أن أمي كانت تتباهى بأنها تحب أختي أكثر مني، كنا عند جيراننا ذات يوم، وكانت أمي تتحدث مع جيرانها عن الجمال، فقالوا لها اني أجمل بناتها، فنظرت أمي إلي نظرة غريبة، وقالت: نعم، أميرة أحلى من أختها الكبرى، ولكني أحب أختها أكثر منها بكثير، فشعرت بالخجل أمام الناس، وهي لم تهتم لمشاعري . كبرت وبقيت على هذا المنوال راضية أم مستسلمة، لا أعرف . كلما فعلت شيئاً ينتقضوه ويسفهونه، ويقولون لي اني لا أفهم ولا أعرف شيئاً، ويتهمونني بالفشل دائماً . أنا لا أقول سيدتي اني كنت ملاكاً . لا . . أنا مثل أية طفلة بكل مراحل عمرها، بل كنت كثيرة الحركة، وشقية جداً أحب أن ألعب، وأرقص، وأغني، وأكسر الأشياء، ولكني كنت طفلة طبيعية، وردة فعلهم تجاهي هي التي لم تكن طبيعية . كبرت، ودخلت الثانوية، وكنت بالسنة الأولى فيها، وبدأ سن المراهقة، كنت في مدرسة مشتركة، بمعنى أن الشباب والشابات معاً في المدرسة نفسها . أحببت زميلاً لي، وكان يكبرني بسنتين، فكتبت فيه شيئاً مثل الخطاب . ووضعته في حقيبة المدرسة ثم نمت . . وحين صحوت في موعد ذهابي إلى المدرسة وجدت أمي تصفعني صفعة شديدة، وتقول لي: اذهبي لتنامي فلن تذهبي إلى المدرسة أبداً هذا قراري .

استغثت بالجيران، والناس، والأحباب: تريد أن تحرمني تعليمي، تريد أن تحرمني من آخر شيء أتنفس فيه الحرية، إلى أن هداني الله إلى صديقتها . . ولكن كيف أذهب إليها وهي لاتسمح لي بالخروج؟ وإذا خرجت تقفل الباب بالمفتاح من الخارج لتحبسني وأخوتي في البيت؟ فماذا أفعل؟ كنا نسكن الدور الثاني، فساعدتني جارة لي على أن انزل من الشرفة، وأزور صديقتها لتتكلم معها علها تغير قرارها وتسمح لي بالعودة إلى المدرسة . . نزلت متسلقة من الشرفة، وأخذت أركض في الشارع مسرعة لكي أتمكن من الرجوع قبلها إلى البيت، كلمت صديقتها، وعدت راكضة مسرعة إلى جارتي لكي أصعد المنزل متسلقة أيضاً، وتسلقته، أتذكر يومها أني جُرحت في رجلي جرحاً ما يزال أثره موجوداً إلى الآن، جاءت أمي، وبعد ساعة جاءت صديقتها وتكلمت معها، وقالت لها اني لن أفعل أي شيء يغضبها مرة أخرى، فقالت: لن تذهب إلى المدرسة إلا إذا أحضرت مقصاً لأقص لها شعرها . وكان شعري غالياً جدا عندي، شعري كنت أحبه طويلاً، ولكن من أجل المدرسة رضيت . أختي قالت: لا! وخبأت كل ما يمكن أن يستخدم لقص شعري الذي كان أحلى ما في شكلي، ولما لم تعثر أمي على المقص نزلت إلى السوق واشترت مقصاً، وكان مشهداً عظيماً سيدتي مهما وصفته لك لن أفيه حقه .

جلست على الكرسي، وأحضرت المقص وجعلتني على الأرض بين رجليها، وأتذكر أنها كانت تقفل رجليها علي لأشعر بالألم، أوَ تعلمين سيدتي؟ أنا أشعر به الآن؟ ألمُ لَمْ يفارقني ولا لحظةً، وكان شعري طويلاً وأسود وناعماً ولامعاً، فأخذت تقصه وترميه في أحضاني، قصته كله، من جذوره، بينما أخواتي يرمقونني من بعيد، ويبكين . كان مشهداً مؤلماً جداً سيدتي، جعلت رأسي من دون شعر، حتى إنها لم تترك القليل لكي أبدو مثل الولد . . لا، لقد شوهت شكلي تماماً، قهرت قلبي على شعري! وهي تعرف كم أحبه، كسرت كبريائي، وإلى الأبد، عندما انتهت، قالت لي: الآن يمكنك الذهاب إلى المدرسة، أخذت شعري، لملموه لي أخوتي ووضعوه في كيس وأعطوني إياه، أخذته بأحضاني وأختي الكبرى ونمنا نبكي على المشهد العظيم . لملمت ما تبقى مني، ووضعت حجاباً على رأسي، وذهبت للمدرسة كنت أخاف لو ريح عبرت بجانبي أن يطير حجابي، ويظهر رأسي المشوه . بقيت متمسكة بحجابي في البيت، وفى المدرسة مدة طويلة، ومن يومها لم أخلعه .

في العام التالي، وأنا في الصف الدراسي الثاني الثانوي، تقدم لي زوجي الحالي، وكان يكبرني بعشر سنين، لم أكن أحبه . وكنت خائفة من أن أترك دراستي . وحاربت كثيراً، أنا وأختي الكبرى، فلم يكن لي سند يقف في وجه أمي إلا هي، وإن كانت جهودها دائماً تبوء بالفشل، حتى اني قلت لها: لن أتزوج . وكنت نائمة على فراشي . أتت، وجلست على صدري، وقالت لي: سأقتلك . وفعلاً كنت سأموت، فهي سمينة وضخمة، ولما جلست على صدري أحسست أني سأختنق . ولما عارضتُ بعثت لأخوتها الرجال، فجاء أكبرهم، وضربني، وقلت له: لن أتزوج . فضربني كثيراً، فأخذتني أختي وقالت لهم: أنتم قساة القلب، فضربوها أيضاً . وبعدما جاء أبي من عمله دخلتُ أستغيث به من أمي وإخوتها: يا أبي . . لا أريد . فقال لي: ماما تريد . ألم تتساءلي سيدتي لماذا لم أذكر أبي كثيراً في القصة؟ ببساطة، لأنه لم يكن له دور كبير بحياتي، فلم أجد ما أفعله، فاستسلمت للوضع وتزوجت بعد ما أنهيت الصف الثالث الثانوي . خرجت من كل هذا، سيدتي، ضعيفة الشخصية، مهتزة، خائفة دائماً، متعبة لا أقدر على أن أطرح رأيي، ولا أقول لا لشيء، أقبل الإهانة . . خرجت، اختصاراً لكل ذلك: بقايا إنسان، مثلما يأكل الطير الجيفة، فلا يتبقى منها شيء إلا القليل، ويكون عفناً أيضاً، هكذا كنت . وبدأت بهذا حياتي مع زوجي الذي بدوره أكمل مسيرة أمي .

وكأني ميراث لهم يفعلون بي ما يحلو لهم، وما يشاؤون، وكأني ملكية خاصة كانت لأمي، وباعتها لزوجي، وكأني شاة مربوطة أخذت أمي بحبلها لتضعه في يد راع آخر .

أحمل الكثير الكثير من الذكريات المؤلمة، والأحزان وشجون النفس . . أتعبني هذا الحمل حتى انحنى ظهري . وأتعبت قلبي فأصبحت لا أرى أمامي . محنية أنا من ثقل بداخل نفسي وروحي، أرهقتني أحزاني المحمولة بقلبي، وعقلي، ومخيلتي . أريد إنزال هذه الحمولة . . ولكن كيف؟ لا أعرف، فقدت القدرة على الصفح . . لم يعد بقلبي مكان للغفران .

حاولت ترويض قلبي على الصفح لكي أرتاح . . أصفح لكي أتمكن من إنزال حمولتي، وأرى أمامي، تعبت من تقليب وجهي يميناً وشمالاً لأرى فقط أحزاني وذكرياتي الأليمة، لم يتبق في العمر أكثر مما مضى، أريد أن أعيش . اكتشفت أن ما يتعبني هو عدم إحساس من أساؤوا إلي بالذنب . لم يكلفوا خاطرهم حتى بتبرير ما فعلوه بي، أو الاعتذار عما بدر منهم، لم أطالب أنا بالغفران، وهم لم يطلبوا الاعتذار . عندما تكلمت معك أمس، وسردت لك جزءاً بسيطاً من قصتي، كان زوجي (وهو بطل هذه القصة) واقف بجانبي، وقرأ كل ما كتبتُ إليكِ ورأى دموعي منهمرة على وجنتي، فلم يكن له تعليق إلا ان يتباهى .

سألته: ألم يؤثر دمعي فيك؟ ألم يغضبك أني أحمل كل هذه الذكريات معي؟ ألم تشعر بالذنب؟ ألم تشعر بأنك تريد أن تعتذر؟ ألا تريد أن تبرر لي أياً من هذه التصرفات؟ فماذا أجابني؟ بكل برود سيدتي وراحة ضمير، قال: الأمر كله لا يعنيني، إن كنت غاضبة أو حزينة أو متأثرة، لا يهمني بشيء .

أرأيت؟ كيف أصفح؟ بالله عليك كيف أنسى؟ وهو مستمر في ما كان يفعله؟ ولا يكفيه ما أحمله من ذكريات مؤلمة، بل إنه يزيدها بعدم اعتذاره، وعدم اكتراثه لما أشعر، أشعر أن هذه الذكريات واقفة بيني وبين حياتي . أريد أن أنسى، ولكن لا أعرف كيف، إذا كان عندك حل سيدتي فإلي به، فأنا بأمس الحاجة إليه لكي أستطيع المضي في حياتي، وأتمكن من النظر إلى الأمام .

أنتَ قسوت، وجرحت، وصفعت، وسفكت دماً، وجرحت مشاعر لم تهتم لها يوماً، فعلت كل ذلك بقلب بارد وأعصاب هادئة ونفساً راضية . . بلا رحمة فعلت ذلك .

أو تعرف؟ لا أبالي، لم يعد يهمني، لقد نجحتَ في جعلي إنسانة بلا مشاعر، إنسانة عاجزة عن الصفح، لم أعد أهتم . . لقد نجحت في إجباري على كرهك . . ذبحتني بكلمات أحدّ من السكين، وأقسى من الشوك . . مزقني إلى أشلاء متناثرة، هشة، لا تقدر على مقاومة الحياة .

ولكني سأضع حداً لذلك، سأتمرد على حزني، ويأسي، وضعفي، فها أنا أقسم لك . . أقسم بالدمع الحزين الذي لطالما بلل وجنتي، أقسم لك بقمر الليل الذي شهد أحزاني وانكساراتي، وأخيراً أقسم لك بجنون شوقي لامتلاك أمري، ونيل حريتي، والنار التي بأحشائي . . بأنني سأخلع عني حزني وانكساري . . وأثبت أقدامي، وأنسى كل ما صار لي بزماني، وابدأ من جديد، بقلب جديد، وعمر جديد، وروح جديدة . . بل حتى لو أردت باسم جديد .

Mrim_r@yahoo .com