من بين قصور ملكية تنتشر في طول البلاد وعرضها، يحتل قصر الجوهرة الكائن في حي القلعة بالقاهرة القديمة موقع الصدارة، ليس فقط بما يتميز به من فنون العمارة الإسلامية رائعة الجمال، وإنما لتاريخه العريق الذي يرتبط بأهم الفترات التي مرت على مصر في تاريخها الحديث، وهي تلك الفترة التي حكم فيها محمد علي باشا البلاد، وحقق خلالها نهضة صناعية كبرى، تحولت مصر خلالها إلى واحدة من القوى الكبرى في العالم.

ويحكي قصر الجوهرة للزائرين فصولا من تلك القصة التاريخية الشهيرة التي تخلص فيها الوالي الأشهر في تاريخ مصر الحديث، من قادة المماليك في مجزرة كبرى، لم يسلم منها سوى مملوك وحيد، من بين أربعمائة وسبعين من قادة المماليك، قضوا حتفهم رميا بالرصاص بعد مهرجان فخم دعاهم إليه الوالي في هذا القصر المنيف ليتخلص منهم دفعة واحدة، ويخلو له الجو لحكم البلاد على النحو الذي يريد.

قصة المذبحة

وتقول القصة التاريخية إن محمد علي دعا في ذلك اليوم كبار رجال دولته، وجميع الأمراء والبكوات والكشاف المماليك، إلى مهرجان حافل في قصره المنيف في القلعة، فلبى المماليك الدعوة واعتبروها دليلا على رضاه عنهم.

دخل البكوات المماليك على محمد علي فتلقاهم بالحفاوة، ودعاهم إلى تناول القهوة معه، وشكرهم على إجابتهم دعوته، وألمح إلى ما يناله من التكريم إذا ما ساروا معه في الموكب، وراح يتجاذب معهم أطراف الحديث، إمعاناً في إشعارهم بالأمن والود.

حان موعد تحرك الموكب، فنهض المماليك وبادلوا محمد علي التحية، وانضموا إلى الموكب، وكان يتقدم الركب مجموعة من الفرسان من بعدهم والي الشرطة ومحافظ المدينة، ثم كوكبة من الجنود الأرناؤوط ثم المماليك، وعلى إثرهم كبار المدعوين ورجال الدولة.

وتحرك الموكب ليغادر القلعة فسار في طريق ضيق نحو باب العزب، فلما اجتاز الباب طليعة الموكب ووالي الشرطة والمحافظ، أغلق الباب فجأة من الخارج في وجه المماليك، ومن ورائهم الجنود الأرناؤوط، وتحول الجنود بسرعة عن الطريق، فتسلقوا الصخور على الجانبين، وراحوا يمطرون المماليك بوابل من الرصاص.

أخذت المفاجأة المماليك وساد بينهم الهرج والفوضى وحاولوا الفرار، ولكن كانت بنادق الجنود تحصدهم في كل مكان، ومن نجا منهم من الرصاص ذبِح بوحشية.

سقط المماليك في تلك المذبحة صرعى مضرجين في دمائهم، ويقول المؤرخون: إن فناء القلعة امتلأ في ذلك اليوم البعيد بالجثث، ولم ينج من المماليك الأربعمائة والسبعين الذين دخلوا القلعة في صبيحة ذلك اليوم، إلا واحد يسمى أمين بك كان في مؤخرة الصفوف.

قاعات القصر

ويرجع تاريخ بناء قصر محمد علي باشا الشهير بقصر الجوهرة، إلى العام 1814 ميلادية، وقد حرص محمد علي عند بنائه على أن يكون في غاية الفخامة، فأوكل مهمة التصميم والإنشاءات إلى أمهر المهندسين المصريين، الذين برعوا في تزيين القصر بمختلف فنون الزخرفة العثمانية، سواء تلك المنحوتة على الخشب أو على ألواح الجص.

ويحفل قصر الجوهرة بالعديد من الألوان والرسوم والنقوش، وهو يضم العديد من القاعات الكبيرة، ربما كان من أشهرها قاعة الاستقبال وقاعة الساعات، والأخيرة تعد أجمل ما في القصر من قاعات.

ويتكون التخطيط المعماري لقصر الجوهرة من عدة كتل رئيسية، تتألف من طَبقتين تبدأ بالمدخل الرئيسي، الذي تقع أمامه مظلة محمولة على أعمدة رخامية، وعلى يسار هذا المدخل تطل مشاهد أبنية أخرى تسودها البساطة وتتصل بديوان الكتخدا، أو سراي العدل التي أنشأها محمد علي باشا للنظر في المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها.

ويعد ديوان الخاصة إحدى أشهر القاعات الموجودة في قصر الجوهرة، وهو عبارة عن حجرة مستطيلة توجد في نهاية المدخل من الناحية الشمالية الشرقية، وكانت مخصصة فيما مضى، لموظفي القصر، ويجاور غرفة الديوان مباشرة عدد من المباني الصغيرة التي خصصت هي الأخرى لمناوبات الحراسة.

وتتكون الوحدات التي خصصَت للسكن في قصر الجوهرة، من جناح الاستقبال الرئيسي، أو ما كان يعرف حينذاك باسم الكوشك وكان هذا الجناح مخصصا لاستقبالات محمد علي باشا، وهو يضم إيوانا ملحقا به إلى جانب قاعتين فرعيتين، وتعد قاعة عرض الفرمانات أو قاعة العرش، أكبر حجرات القصر وأكثرها فخامة، وهي تشرف على ميدان القلعة، ما يعني أن الزائر يستطيع من خلالها أن يرى القاهرة وأهرامات الجيزة في منظر شديد الجمال والروعة، ولا تضاهي تلك القاعة فخامة سوى قاعتي الالبستر وقاعة الساعات، إضافة إلى الحمام الذي عرف باسم حمام الألبستر، والذي يتميز بقطعه المصنوعة من الرخام الخالص.

ويعلو الطابق الثاني للقصر جناح الاستقبال، فيما تلتف وحداته الرئيسية حول الفناء، لتؤدي في النهاية إلى سراي الضيافة، ويتميز الطابق الثاني للقصر باستخدام النقوش والزخارف المذهبة في تزيين جدرانه وأسقفه، وتضيف الأشكال النباتية والزهريات والرسوم والستائر المنفذة على طراز الباروك والروكوكو جمالا إضافيا وسحرا خاصا على تلك الجدران.

واستقبل محمد علي باشا في قصر الجوهرة كبار زواره من الأجانب، واستمر القصر مقرا للاستقبالات الرسمية حتى عصر الخديوي إسماعيل، وقد استقبل الأخير فيه السلطان عبدالعزيز خان الذي زار مصر في العام 1862 ميلادية، وأقام فيه لمدة سبعة أيام.

خطة الترميم

وتعرض القصر لأكثر من حريق كان آخرها عام ،1972 قبل أن تقوم هيئة الآثار بوضع خطة لإعادة القصر إلى ما كان عليه، وتضمنت خطة الترميم التي نفذت على مرحلتين تجديد وترميم الأجزاء الصالحة للزيارة، مع إضافة عدة قاعات إلى المبنى الملاصق للقصر من الجهة الشرقية، وبخاصة الجناح الذي كان يستخدم للاستضافة في عهد محمد علي، وهو الجناح الذي ظل مغلقا منذ العام 1952 وحتى نهايات العام 1983.

وتضمنت خطة الترميم مئات من التحف الموجودة في القصر، ومن بينها فازات وساعات أثرية نادرة، وعدد من النرجيلات التي كان يستخدمها محمد علي، إلى جانب الأطباق والكاسات وكرسي العرش وملحقاته وبعض الأسلحة والتحف المعدنية والزجاجية والشمعدانات، وقد قامت وزارة الثقافة ضمن خطة الترميم بتصنيع عشرات من التماثيل بالحجم الطبيعي، والملابس التاريخية لمحمد علي باشا ومجموعة من حاشيته وجنوده، في ديوراما رائعة تمثل مجلس الحكم في ذلك العصر، بعد تحويل المبنى الملحق بالقصر إلى متحف يطلق عليه حاليا متحف قصر الضيافة، حيث يستطيع الزائر إليه مشاهدة العديد من التحف والصور واللوحات الزيتية، وقطع الأثاث التي تحكي تاريخ أسرة محمد علي باشا، بدءا بعصره نزولا إلى عصر آخر ملوك الأسرة العلوية الملك فاروق.