إذا كان تاريخ مدينة طرابلس في المشرق العربي مرتبطاً بتاريخ قلعتها الناصع والمشرق، فالأحرى بنا ساعتئذ الوقوف على عمارتها العسكرية، وتلمس آثار الماضي من خلال شهادة الحجر الذي يدل على كل أثر، فالدكتور أسد رتم واحد من بين كبار المؤرخين الذين وقفوا على تاريخ بناء قلعة طرابلس الشامخة منذ فترة ظهورها كحصن قديم في رأس تلة شامخة فوق نهر أبوعليالذي يتدفق تحت أقدامها هادراً آتياً من وادي قاديشا المهيب. كما ذكرها الكثيرون من الكتاب والشعراء والأدباء القدماء، وكانت لهم فيها أحاديث شتى، تصف عمارتها وتتوقف عند أهم محطاتها التاريخية التي مرت بها، وتذكر بكثير من الحروب التي وقعت فيها وحولها، وقد زارها الشاعر العربي الكبير أبوالطيب المتنبي وتركها أثراً خالداً في شعره تقف عنده الأجيال خصوصاً حين قال:

أكارم، حسد الأرض السماء بهم

وقصّرت كل مصر عن طرابلس

كذلك ذكرها المؤرخ اللبناني جبرايل بن القلاعي اللحفدي خلال القرن الخامس عشر في كتاباته وفي زجلياته فأتى على ذكر قلعتها وقضية حرقها تماماً كما ذكرها النويري أحمد بن عبدالوهاب بن محمد بن عبدالدايم (ت: 1332م) وكان قد تولى نظارة الجيش في طرابلس فقال ما نصه وفي سنة سبعمائة ه فوضت نيابة طرابلس إلى الأمير سيف الدين أسند مركرجي المنصوري فاستمر بها إلى سنة تسع وسبعمائة ه وقد عمّر بعض القلعة، وأقام بها أبراجاً، وفي النقوش الكتابية على باب القلعة كتابة مآلها ان السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم الذي استولى على طرابلس، أمر بتجديد البرجين الشماليين اللذين يقعان بالقرب من الباب الكبير ويضيف النويري قائلاً وكل ذلك يؤكد أنه حدثت ترميمات واسعة في بناء القلعة، أما آثار الصليبيين فتدل عليها طريقتهم في نحت الاحجار التي بنيت بها القلعة، وذلك بنحت هذه الاحجار تارة إلى اليمين وتارة للشمال وينتهي النويري إلى القول إن قلعة طرابلس مزيج من آثار الصليبيين والمسلمين.

ومما لا شك فيه ان مدينة طرابلس كانت قد تعرضت لغزو صليبي أثناء الحروب الصليبية فاستولى الصليبيون على قلعتها بعد فترة حصار طويلة دامت زهاء تسع سنوات، امتدت من عام 1102م وهو تاريخ غزوها لأول مرة من قبل الكونت ريمون دوسان جيل صنجيل حيث بادرت إلى التحالف على جناح السرعة مع اتابك دمشق وصدت هجومه وحتى عام 1109م حين هاجمتها قوة أكبر بقيادة ابنه فأصبحت طرابلس مقر إمارة صليبية، حتى تم تحريرها نهائياً عام 1289م حين استولى السلطان المنصور قلاوون على المدينة، بعد حصار شديد لمدة شهرين. وفر المستوطنون الصليبيون منها، قبل وقت قصير على متن السفن، وأثناء احتلالهم مدينة طرابلس بنى الصليبيون بعض أجزاء من القلعة المعروفة اليوم، على آثار حصن عربي قديم، وقد استخدموا الحجارة الرملية الناعمة والأسلوب المعماري نفسه الذي عرف في أبنية حصن الاكراد وقلاع طرطوس وصيدا.

وهناك فرق في طريقة نحت الحجارة، إذ يوجد قسم منحوت منحرف لليمين أو لليسار، وقسم آخر عمودي من الأعلى إلى الأسفل، والنوع الأول من النحت هو غالباً للحجارة الضخمة، أما النوع الثاني فهو للحجارة الصغيرة. وحجارة القلعة جميعها من الحجر الطرابلسي الرملي، المعروف الذي بنيت به جميع دور طرابلس مما يدل على أن القائد الفرنجي صنجيل اقتطع الحجارة من المقالع الواقعة في محلة البحصاص القريبة من ميناء المدينة القديم.

تصميم دفاعي

وقلعة طرابلس، مستطيلة الشكل، متعددة الاضلاع يبلغ طولها من مدخلها الشمالي إلى أقصى طرفها الجنوبي نحو 136م، ومعظم عرضها لا يتجاوز السبعين متراً، وتتألف التحصينات الخارجية في القلعة من خندق عميق، وسلسلة ابراج وحجب، والخندق منحوت في الصخر عند طرفه الغربي، ومبني فوق الأرض عند طرفه الآخر، ويتجاوز طوله سبعين متراً وعرضه خمسة أمتار، أما عمقه فيتراوح بين مترين وثلاثة أمتار، والقلعة بمجموعها شبيهة بقلاع المسلمين القديمة، التي كانوا يحصنونها بخنادق عميقة، يحفرونها حولها، ويجعلون فوق الخندق جسراً نقالاً، حتى إذا جاءهم العدو تعذر عليه الدنو من جدران القلعة وحال دون تسلقهم إليها بسهولة.

وتتألف سلسلة الأبراج في القلعة من 25 برجاً، برجان منها جددهما السلطان سليمان العثماني سنة 1521ه ولا يتجاوز كل منهما خمسة أمتار ارتفاعاً، وفي أعلاها نوافذ للمدافع وعدد وافر من الشرفات الحربية، وفي جنوبها وغربها سبعة أبراج عليها كلها عشرة طيقان قواعد للمدافع وسماكتها سبعة أمتار، وبين أبراجها الشرقية برج مستدير سمكه تسعة عشر متراً، والأبراج الشرقية تمتاز عن الجنوبية ببعض الشرفات الحربية في أعاليها.

وللقلعة بابان صغيران اولهما في أول البرج الثاني عشر، والآخر في قاعدة البرج الثاني والعشرين، بالإضافة إلى بابها الكبير في البرج الأول.

أما تحصينات القلعة الداخلية فمؤلفة من البرج الشمالي الكبير الذي هو من بناء الصليبيين وهو مربع الشكل طول ضلعه الشرقية 14 متراً، ومعد لثلاثة مدافع فقط، وتتألف التحصينات الداخلية أيضاً من البرج السابع والعشرين، ومناعتها تبدو من ارتفاع أسوارها وأبراجها المتراوح بين خمسة أمتار وتسعة عشر متراً.

ويبلغ سمك الأسوار مترين ونصف المتر، وتبدو مناعتها أيضاً من طريقة بنائها المحكمة الصنع، أما الحجارة فهي مرصوفة إلى بعضها بعضاً، وجدرانها مشبعة بالمونة.

وتظهر قوتها أيضاً من فسحتها وسعة قشلاتها وغرفها العديدة وهذا يدل على استعدادها الوافي للمقاومة لأي كان من اعدائها، كما يدل على قوة ثباتها في زمن الحصار، وفيها صهريج كبير في البرج السابع، واثنان آخران بجوار البرج الكبير، الذي توجد على مقربة منه ناعورة، كانت تستعمل لرفع نصيب القلعة من مياه نهر أبوعلي الذي يتدفق تحت أقدامها.

ويقول المتقدمون في السن في طرابلس إن طريق القلعة كانت تزيدها مناعة في أيام الحصار والقلاقل ، فهذه الطريق كانت تصل بيت متسلم المدينة بباب القلعة الكبير، وذلك بواسطة سرداب وأقبية محصنة، ودور عالية ضخمة متلاصقة بعضها بعضاً. ومن غريب ما يروى في الحكايات الشعبية عن القلعة انه كانت هناك أفعى هائلة تمد رأسها من أعلى القلعة بشكل قنطرة لتشرب من مياه نهر أبو علي الذي يمر بجوارها.

فالقلعة كما هو معروف تطل من جهة الشرق على سرير نهر قاديشا العميق الذي يعرف في جزئه الأخير اليوم باسم نهر ابوعلي أما الأجزاء السفلية من الأسوار الجاثمة فوق سفح صخري شديد الانحدار، فهي تتألف من بناء صليبي أقيم فوق آثار حصن إسلامي قديم. وفي داخل القلعة آثار مسجد بناه بنو عمار خلال فترة حكمهم لطرابلس، في عصر الدولة الفاطمية. ناهيك عن الأجزاء العلوية من القلعة والتي تعود بمعظمها إلى الأزمنة العربية المختلفة وصولاً إلى العصر العثماني.

وهناك نقوش كثيرة على القلعة، أقدمها النقش الكبير الذي هو في البرج الشمالي الكبير، فوق مدخله الشمالي، وهو محفور في الرخام الأبيض، ويرجع عهد هذه الكتابة إلى سنة 1345م زمن السلطان شعبان، ابن السلطان الناصر محمد بن السلطان المنصور وقلاوون، وفيه بسم الله الرحمن الرحيم. ولما كان بتاريخ العاشر من شعبان المكرم سنة ست وأربعين وسبعمائة للهجرة الشريفة النبوية برز أمر السلطان الأعظم المالك الملك الكامل سيف الدنيا والدين شعبان بن السلطان الشهيد الملك الناصر محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور قلاوون، مازالت مراسمه نافذة في الآفاق هاطلة سحب سمائها بالإغداق، من يسامح جميع الجيوش الإسلامية والأمراء والمماليك السلطانية والجند بالحلقات.. الخ ويظهر من هذا النقش أن الملك شعبان سامح الجند بما كانوا يجنونه من اقطاعها للارتزاق.

والكتابة الثانية منقوشة فوق باب القلعة الكبير ومدخلها الرسمي محفورة على الرخام الأبيض، ويرجع عهدها إلى السلطان سليمان القانوني (1520 1566) ونصها بسم الله الرحمن الرحيم، رسم بالأمر الشريف السلطاني الملكي المظفري، السلطان سليمان شاه ابن السلطان سليم شاه، مازالت أوامره الشريفة مطاعة بالأمراء، بأن يجدد هذا البرج المبارك حصناً منيعاً على الدوام، وكان الفراغ من عمارته في شهر شعبان المبارك سنة سبع وعشرين وتسعمائة.

أما الكتابة الثالثة فهي نقش آخر يعني مصطفى آغا بربر، يشير إلى تجديد جامع القلعة في سنة ،1216 وذلك في جانب البرج الشمالي ونقش تاريخ بنائه أو تجديده بشعر منقوش فوق المحراب، جاء فيه:

أدخل مقاماً نيراً

ومسجداً محترماً

أحياه بعد دراسة

وبربراً لقد نما

الشهم أعني مصطفى

أغا سليل الكرما

طوبى له نال به

أرخت أجراً أعظما