بالطبع لا يمكن أن يكون لهذه المسارب الضحلة، حتى وإن وجدتْ حماساً لدى بعض الناس، أفقٌ أبعدَ مما ترسمه لها استراتيجياتُ الكتل الكبرى التي تتلاعب بأصحابِ هذه المسارب وأحلامهم، ولكن في مواجهة هذا العبث، سواء اتخذ اسم قومية لطائفة دينية أو قبيلة أو عِرْقٍ أو مذهب، نجد أن الرنين القومي العربي أو بقاياه، رغم وعوده بآفاقٍ أوسع وهويةٍ كبرى تجمع الهويات الصغرى في كلّ أكبر، لم يجد بعد بنيته الفكرية والعملية الواضحة، بل ولم يبتعد كثيراً عن ضلالاتٍ ألمّت به منذ قرن تقريباً حين تسربتْ إليه في النصف الأول من القرن الماضي أفكارُ القومية الألمانية والإيطالية، فابتنى لنفسه أساساً مدمراً، ربط الهوية القومية بعرق مفترض، وهكذا، كما ربطت الفكرة الألمانية بين القومية وعرق جرماني نقي، وكما ربطت الفاشستية الإيطالية بين القومية وعرق روماني نقي، لجأ دعاة القومية العربية الأوائل إلى ربط هويتنا بعرق عربي نقي أيضاً، وبعضهم ربطها بعرق سوري نقي، أو عرق فرعوني نقي .

ولم يكن الأمر أمرَ تسرّبٍ في جانب واحد، سياسي مثلا، بل كان تسرباً عاماً يجد من يراجع تلك العقود أنه امتدّ إلى حقولِ الثقافة بعامة، في الفن والشعر والتحليل الاجتماعي والتاريخي، كل ذلك بالطبع نشأ عن استيراد المثقفين العرب آنذاك متأخرين للنظريات العنصرية المزدهرة في القرن التاسع عشر الأوروبي، عصر الاندفاع لاستعمار العالم، فظهرت لدينا نظريات الأعراق، العرق السامي، والعرق الآري ،والعرق الزنجي، والعرق الهندو أوروبي، والعرق المتفوق، والعرق المنحط . . وما إلى ذلك من سخافات، كأداة تفسير في حقول اللغة والتاريخ والحضارة والآثار، وكل الإنسانيات تقريبا .

لم يكن لدينا في تلك الأزمان عقول ناقدة تستطيع التمييز بين نظريات موظفة لخدمة مصالح استعمار واستعباد الشعوب، ونظريات علمية خالصة، بل وجدنا من يتبنى النظريات العنصرية في الوقت الذي يتوهم أنه يتحرر من أصحابها، بل ووجدنا من يدعو إلى تحرير بلده وتسليم مقدراته الاقتصادية لدولة غربية مثل فرنسا أو إنجلترا!

كان العصرُ عصرَ التلقي والانبهار، عصر تعلم جدول الضرب بالأرقام اللاتينية، وعصر استنساخ ذاكرة الآخر الغربي بكل أخطائها وأوهامها .

***

هذه الضلالاتُ التي تسرّبتْ إلى الفكر العربي في زمن الاشتباك مع المستعمر، عسكرياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً، لم تسمح لهذا الفكر أن يقيم هويته العربية الجامعة على الأساس الواقعي السليم بعيدا عن أخيولات مدرسي اللغة العربية، والقادمين من أجواء الرومانسية الغربية، والمندهشين أمام سهولة تفسير كل شيء بوصفة الأعراق بدءاً من اختلاف الأذواق ووصولا إلى اختلاف السياسات والفنون وأنماط المعمار . وأعني بالأساس السليم تحديدا الهوية القائمة على مفاهيم قانونية وسياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية، أي الأساس الذي يتجاوز الأعراق والمذاهب والطوائف وكل رابطة ضيقة، إلى كل جامع لا يعود فيه لمصطلح الأقلية والأكثرية معنى، لأن كل جزء يجد في هذه المفاهيم كلية جديدة، كلية لا تمحوه ولا يمحوها، بل ترتفع به إلى مستوى أعلى، أي إلى هوية أكبر هي أكبر من مجموع أجزائها، وهي غير مجموع أجزائها أيضاً . إنها هوية منبثقة غير محدّدة مسبقاً في خرافة عن الأعراق عتيقة، وغير محددة مسبقاً في خرافة عن النقاء أكثر عتقاً .

هويتنا العربية إذاً، القائمة على هذا الأساس، تعني ما يجمع أبناء وطن واحد، السياسة والاقتصاد والثقافة والجغرافيا، لا أي ضلالة من ضلالات العنصريين الذين هجروا ضلالاتهم وأصروا ويصرون اليوم على تسويقها بيننا، لأنه في ظل ضلالات من النوع الذي وصفته، يصبح من طبائع الأمور أن تسعى كل جماعة عرقية أو مذهبية أو طائفية أو قبلية في الوطن العربي الجامع إلى اختراع هوية قومية خاصة بها، وأن تجد تشجيعاً وتصفيقاً من بلدان هي ذاتها تجاوزت ألعاب الصغار هذه، وأقامت هوياتها على أساس قانوني وسياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي، ولكنها تنكرها على شعبنا العربي، وهو شعب يمتلك من مقومات الهوية الجامعة أكثر مما تمتلك هذه البلدان القريبة العهد بالمدنية .

أليس لافتاً للنظر أن المهاجرين من عرب وأكراد وأمازيغ وأفارقة إلى أمريكا مثلاً، يرفعون في وجوهنا هويتهم الأمريكية الجامعة هناك، معتزين ومبتهجين، بينما تجدهم أكثر الناس نفوراً من الهوية العربية؟ فلماذا يمكن للإنسان أن يجد نفسه في هوية جامعة مثل الهوية الأمريكية، ولا يجدها في هوية جامعة مثل الهوية العربية؟ . . أليست أمريكا مجمعاً لأعراق وديانات وطوائف أيضاً، كما هو حال كل الأمم في العصور الحديثة؟

***

من المؤكد، ليس في عصرنا الراهن فقط، بل وفي كل العصور، أن الهويات الصغرى القائمة على أساس العرق أو المذهب أو الطائفة أو القبيلة أعجز من أن تتوصل إلى رسم استراتيجيات سياسية وثقافية واجتماعية قائمة على حقائق الجغرافيا السياسية والاقتصاد والثقافة والمجتمع الكبير، وأنها مجبرة بحكم هذا العجز البنيوي على البقاء أسيرة روابط ضيقة ذات مصالح خاصة لا ترقى إلى مستوى مواجهة التحديات العالمية، إنها ترسم برغبة شبيهة برغبات الأطفال ميداناً صغيراً لمعاركها في زاوية ضيقة من زوايا ملعب كبير لا سطوة فيه إلا لأصحاب الهويات الكبرى القادرين على أن يكونوا استراتيجيين فكراً وعملاً .

هنا، في هذا الملعب الذي يستحوذ عليه الكبار، نجد سر إصرار الغرب الاستعماري على تدمير الروابط القومية العربية الحقيقية، أي روابط السياسة والجغرافيا والاقتصاد والثقافة، بل والزعم على لسان مفكريه وجهابذته أن لا وجود لشعب عربي، بل هناك وجود لطوائف وأعراق ومذاهب وقبائل، ونجده في سبيل تأكيد هذه الأسطورة يلجأ إلى مختلف أنواع الأسلحة، بدءاً من الأساطيل العسكرية، مروراً بالهيمنة على وسائل الإعلام، ووصولاً إلى تلقين ببغاوات عرب بأبجدية اختفاء العرب من التاريخ في الماضي والحاضر على حد سواء .

ولعل أعجب ما في هذا السلوك الغربي أنه في الوقت الذي نجده يوحّد ما كان حتى الأمس القريب عصياً على التوحيد الاتحاد الأوروبي، يصاب بالهستيريا إن فكر العرب بتوحيد أسواقهم وسياساتهم وثقافتهم وحتى ألوان أعلامهم وأحذيتهم، هذه الهستيريا توقظنا على حقيقة أن الهويات الكبرى القائمة على حقائق لا على مقطوعات شعرية، القائمة على حقائق السياسة والاقتصاد والقانون والثقافة، هي التي تحرّرنا حقاً، وهي التي تخيف هؤلاء الذين يظنون أنهم سادة الكرة الأرضية أناساً وأرضاً، ويبدو لمن يراقب هذا السلوك الغربي، أن نظريات القرن التاسع عشر العنصرية التي استبطنت عقول الغرب، لا تزال هي كتابه المقدس، لسبب بسيط، هو أنها العنصر الموحد لشتات أممه ورأسماله المتوحش، والمحفز على ارتكاب كل أنواع الأعمال الهمجية والظهور بمظهر البريء أمام عدسات التصوير .

حين رفض أرجونا الهندي في ملحمة المهابهراتا قتل البشر، جاءه تبرير القتل من سائق عربته كرشنا فقدم له أطروحته المقنعة: أنت لا تقتل على وجه الحقيقة، فهؤلاء أشباح، وأما أرواحهم فخالدة عصية على القتل . . أنت حين تقتل إنما تقتل أشباحاً . . فتقدم وكن شجاعاً كأي بطل آري كما عهدتكَ .

أليست هذه هي ذاتها أطروحة قاتلي الملايين من دون أن يرف لهم جفن؟ . . أليست هذه هي أطروحة المنكرين على العرب حقهم أن يكونوا أمة واحدة كما هو حال كل الأمم، بل شراذم يسهل اصطيادها كما تصاد الأرانب؟ أليست هذه هي أطروحة مونتسكيو صاحب روح القوانين الذي لم يكن يصدق أن الله وضع روحاً في سكان إفريقيا، فحلل ذبحهم كما تذبح النعاج؟