إعداد: محمد هاني عطوي

حين تقترب النجوم من مسافة قصيرة جداً من ثقب أسود، يمكن لقوة الجاذبية الناجمة عنه أن تمزقها وتتركها أشلاءً، وأثناء ذلك تتكون قوى مد وجزر تعمل على تمزيق النجم، فتندفع بعض بقاياه بسرعة هائلة في اتجاه معاكس للثقب الأسود، أما بقية الحطام فتسقط فيه. ويؤدي هذا الأمر إلى انفجار واضح يظهر على هيئة ترددات في الأشعة السينية تستغرق بضعة أعوام.

كان فريق من علماء الفلك في جامعة ميريلاند رصد هذا الحدث الفضائي الذي وقع في مجرة تبعد عن شمسنا 290 مليون سنة ضوئية على مدى أعوام، بالقرب من الثقب الأسود العملاق الواقع في وسط هذه المجرة المسماة: «PGC043234»، بواسطة التلسكوب «All-SkyAutomated Survey for Supernovae»، الذي يشار إليه اختصاراً ب«ASAS-SN»، والمخصص لدراسة السوبرنوفا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2014.

والتلسكوب العملاق «ASAS-SN» عبارة عن شبكة صغيرة من التلسكوبات المتوسطة إلى حد ما التي تتميز بكونها قادرة على رصد السماء كلها. وتبين لفريق البحث تشكل قوى مد وجزر، معروفة باسم «ASASSN-14li»، بالقرب من هذا الثقب الأسود الهائل.

وأجريت مزيد من الدراسات حول هذا الأمر باستخدام مرصد تشاندرا للأشعة السينية، وتلسكوب سويفت المخصص لأشعة غاما التابعين لوكالة ناسا وتلسكوب إكسبلورر XMMنيوتن، التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، وحصلوا منه على صورة أكثر وضوحاً عن طريق تحليل انبعاثات الأشعة السينية الناتجة عن قوى المد والجزر حول الثقب الأسود، ما قدم للعلماء صورة واضحة لهذه الظاهرة الفضائية.

واكتشف العلماء خلال ذلك، أن أغلبية الأشعة السينية تتشكل على حساب المادة الواقعة في المدار حول الثقب الأسود، وهو ما يعرف برياح النجوم التي تنقل الغاز. لكن تكون سرعتها غير كافية للخروج من منطقة جاذبية الثقب الأسود، ولذلك تدور هذه الرياح حول الثقب الأسود في مدار بيضاوي الشكل.
هذه النتائج تدعم بعض أحدث الأفكار المتعلقة بهيكلية وتطور الأحداث الناتجة عن قوى المد والجزر، التي تعمل على تمزيق النجم، حسب ما تقول الدراسة التي أجراها الباحث كولمان ميلر، أستاذ علم الفلك في جامعة ميريلاند ومدير معهد رابطة علوم الفضاء. ويقول ميلر: «في المستقبل، يمكن للاضطرابات الناتجة عن قوى المد والجزر، أن تساعدنا مع المختبرات في دراسة الآثار الناتجة عن هذه الجاذبية القصوى».
ويقول جون ميلر، أستاذ علم الفلك في جامعة ميتشيغن، والمشرف الرئيسي على الدراسة: «رأينا أدلة على وجود اضطرابات تحدثها قوى المد والجزر على مر السنين، وطورنا الكثير من الأفكار عما يجري بالفعل، بالقرب مما يسمى بأفق الحدث، أي حافة الثقب الأسود، وأعتقد أنها كانت أفضل فرصة بالنسبة لنا حتى الآن كي نفهم حقاً ما يحدث عندما يحول الثقب الأسود النجم إلى أشلاء».
وعادة بعد تدمير النجم بواسطة قوى المد والجزر، تنتزع القوى الجذبوية القوية للثقب الأسود معظم بقايا النجم. وتعمل قوى الاحتكاك على تسخين هذا الحطام الساقط، مولدة كميات هائلة من الأشعة السينية. ونتيجة لهذه الكمية الكبيرة من أشعة إكس، يحدث انخفاض في كمية الضوء مع تزايد هبوط المادة النجمية وراء أفق حدث الثقب الأسود، وهي حدود منطقة من الزمان والمكان حيث تصبح قوة الجاذبية فيها لا نهائية لدرجة أن الضوء لا يستطيع الإفلات منها إلى خارج الكون بل يسحب إلى داخل الثقب.
ومن المعروف أن الغازات المنطلقة من النجم تتجه غالباً إلى داخل الثقب الأسود، وتشكل قرصاً، لكن العملية التي تولد هذه الهياكل القرصية والمعروفة باسم أقراص التراكم، كانت ولا تزال لغزاً حير العلماء.
ومن خلال مراقبة «ASASSN-14li» تمكن فريق علماء الفلك من أن يشاهد تشكل قرص التراكم كما حدث بالفعل، وذلك من خلال النظر في ضوء أشعة إكس عبر أطوال موجية مختلفة، وتتبع كيفية تغير تلك الانبعاثات مع مرور الوقت.

ووجد الباحثون أن أكثر الأشعة السينية المنبعثة تنتج عن المادة القريبة جداً من الثقب الأسود، والواقع أن ألمع المواد تحتل أصغر مدار مستقر ممكن، لكن علماء الفلك يريدون أيضا معرفة ما يحدث للغاز الذي لا يتجاوز أفق الحدث، ويُقذف بدلاً من ذلك بعيداً عن الثقب الأسود.
ويقول الفلكي المشارك في الدراسة جيلي كاسترا، من معهد أبحاث الفضاء في هولندا: «الثقب الأسود يمزق النجم تمزيقاً، ويبدأ في ابتلاع المواد بسرعة كبيرة ولكن هذه ليست هي نهاية القصة، فالثقب الأسود لا يمكنه أن يسير دائماً وفق هذه الوتيرة، لذلك نجده يطرد بعض المواد نحو الخارج».
وتشير بيانات الأشعة السينية أيضاً إلى وجود رياح تتحرك بعيداً عن الثقب الأسود، ناقلة الغاز نحو الخارج. ومع ذلك، فإن هذه الرياح لا تتحرك بسرعة كافية تماماً للهروب من القوى الجذبوية للثقب الأسود. وثمة تفسير محتمل يتعلق بانخفاض سرعة الرياح يقول إن غاز النجم المضطرب يتبع مداراً بيضاوياً الشكل حول الثقب الأسود، ويتحرك بشكل أبطأ عندما يصل إلى أكبر مسافة من الثقب الأسود أي عند نهايات هذا المدار البيضاوي.
ويوضح الباحث المشارك في الدراسة سويفي جيزاري، وهو أستاذ مساعد في علم الفلك في جامعة ميتشيغن، قائلاً: «هذه النتيجة تسلط الضوء على أهمية رصد أطوال موجية متعددة. وعلى الرغم من أن الحدث اكتُشف بواسطة تلسكوب المسح الضوئي، فإن رصد الأشعة السينية كان مفتاحاً في تحديد درجة حرارة، ونصف قطر دائرة الانبعاثات والتقاط علامات دالة عن هذه التدفقات».
ويأمل الفلكيون اكتشاف المزيد من هذه الأحداث مثل «ASASSN-14li» ودراستها حتى يتمكنوا من مواصلة اختبار النماذج النظرية حول كيفية تأثير الثقوب السود في بيئتها القريبة، وتعلم المزيد عما تفعله تلك الثقوب بأي نجم أو غيره من الأجرام التي تتجول قريبة جداً منه.