تضم كابينة الطيار، أسراراً وخفاياً قد تودي بحياة من خلفها إذا أذيعت عبر مكبرات الصوت، وكما يقولون: كل سر جاوز الاثنين ذاع، فالطيار ومساعده يمتلكون قدرات خاصة بحكم الدراسة، جعلتهم أكثر قدرة على تقدير الأمور، لاسيما تلك التي تثير قلق الركاب، فتارة يخفون، وتارة يزينون، وتارة يقولون الحقائق، والحكم في ذلك خبرتهم ومعرفتهم بسلوك المسافرين جواً، ولأنها خفايا، فلا غير الطيار قادراً على الحديث عنها . لذا أباح مجموعة من الطيارين لمجلة ديجيت الأمريكية، عن المواقف الصعبة التي يخفونها عن الركاب .

يرى كابتن طيار جيم تيلمون المتقاعد من خطوط فوينكس الأمريكية أن بعض الأمور لا يمكن تعريف الركاب بها إما لبساطتها، أو لأنها ترتبط بظواهر جوية، والتحفظ بها داخل المقصورة أمر مهم للحفاظ على هدوء كابينة الركاب .

وعن تأخر الإقلاع أشار إلى أن حاجة الطاقم للأكل أحد أسباب تأخير الرحلات الجوية، وهذا سبب منطقي في نظر الطاقم، لكنه لا يشكل سوى الاستهتار بالنسبة إلى الركاب . كما أن من أسرار الطاقم حدوث أعطال في المحركات، لذلك لا يمكن أن يسمع الركاب يوماً الطيار يخبرهم عطل أحد المحركات، أو يعتذر لهم عن التأخير في المطعم .

وتجبر بعض المطارات الطيارين على الإقلاع في الوقت المحدد لتفادي تداخل المواعيد مع طائرات أخرى، حيث يظن البعض أن الطيار أقلع وتركهم في الصالة، وهم في طريقهم للطائرة، كل ذلك لأنهم اعتادوا على مطارات لا توجد بها حركة طيران عالية، ولا يشكل وقت الإقلاع والهبوط عاملاً مهماً في حركة الطيران .

وهناك لوائح جوية يتفادى الطيارون تطبيقها لعدم أهميتها كما يرى كابتن طيران جاك ستيفن من الخطوط الأمريكية، والذي قال: لإدارة الطيران الاتحادية نظم وقوانين يرى الطيارون أنها ليست بالضرورية، مثل الطيران بسرعة 643 كيلومتراً في الساعة عند ارتفاع 39 ألف قدم، وهي الوضعية التي يسمح للركاب فيها بالحركة، في حين تصل أعلى سرعة على الأسفلت إلى 16 كيلومتراً ولا يسمح فيها بالحركة بل وتعدّ غير آمنة .

ومثلما يتجاوزون بعض اللوائح، فإنهم على جانب آخر يعانون تقصير إدارات بعض المطارات في توفير البنية المناسبة لعمليتي الهبوط والإقلاع بالطرائق الآمنة، ففي كثير من الأحيان يجد الطيار نفسه أمام امتحان حقيقي، لاسيما إذا كانت الطائرة عند أقصى حمولة سواء كانت بالركاب أم البضائع، وفي هذا الجانب يقول الكابتن جوي ديون صاحب شركة فلاي ويذ جوي الأمريكية: في كثير من الرحلات يمتعض الركاب لأن الهبوط لم يكون سلساً ويرهنون ذلك بقلة خبرة الطيار، متناسين أن ما في الأرض يحدد طبيعتي الهبوط والإقلاع .

ويصور الناس الطيار أنه الشخص الذي يعرف جميع مطارات العالم أو على الأقل الرئيسة منها، وهذا ما لا تضعه الإدارات عند وضع جدول الرحلات وتحديد الطاقم لأن أهم الدلائل مبرمجة سابقاً في الطائرة، فضلاً عن توفير هذه الخدمة عبر أبراج المراقبة، ولكن ما يعانيه الطيارون في كل المطارات الدولية هو السؤال عن شيء ما وهم داخل الصالات، ولا يمكن لأحد أن يتخيل يوماً أن يجيب عن سؤال يقدمه له طيار بزيه الرسمي .

ويضيف جوي: كثيراً ما يحتاج الطيار لمن يدله لاتجاهات ومخارج الصالات وإن كان في طريقه للإقلاع، وهو ما يجعله يواجه صعوبات بغية الوصول إلى المخرج الصحيح، وزى الطيار الرسمي لا يعني أنه يعرف كل مخارج المطارات ومداخلها، بل لا يمكن أن يحفظ في ذاكرته كل هذه المعلومات المتشابهة .

ويتبادل المسافرون المعلومات في ما بينهم عن حالات الطقس في مكان الإقلاع ومطار الهبوط، متناسين أن ما في الأرض لا علاقة له بالأجواء العليا، إذ من الصعوبة بمكان ربط مناخ المدن بالطبقة العليا من الغلاف الجوي .

ويقول ستيفن: في إحدى رحلاتي أعلنت للمسافرين تأجيل موعد الإقلاع بسبب سوء الطقس، لم يستكينوا للقرار، وأشاروا للمضيفة إلى أن الأجواء مستقرة في مطار الهبوط، ولا داعي للتأخير، ما استدعى خروجي من المقصورة وشرح الوضع حتى أحافظ على هدوء المقصورة .

ويتعامل ركاب الرحلات الجوية مع تعليمات الطيار بشيء من التهاون، في حين أن ما يقوله مبني على قواعد وأسس صنفت الكوارث الجوية إلى فئات، ووفرت له الطرائق التي يجب عليه إيصال المعلومة عبرها، وفي هذا الشأن يقول محقق حوادث الطيران وطيار سابق في ولاية لوس أنجلوس: عندما يضئ الطيار علامة ربط الأحزمة تعني الحيطة والحذر، ولكن عندما يتحدث مباشرة ويطلب الصمت لسماع ما سيقول فهذا يدل على أن الطائرة في اتجاهها لدخول منطقة إضراب جوي صعب . وتختلف الاضطرابات الجوية، وليست كلها ذات علاقة بالسحب والعواصف الثلجية، ففي بعض الأحيان تتعرض الطائرة لمطبات جوية لفترات طوال أثناء الرحلة قد تخلف مجموعة من الحالات الطبية في الطائرة .

ويقول محلل السلامة الجوية والطيار المتقاعد، جون نانس، من مدينة سياتل الأمريكية: هناك مطبات جوية متعلقة بالتيارات الصاعدة، والتي لا يمكن رصدها بالرادار ليلاً، هذه الظاهرة تأخذ الطائرة إلى أعلى عند الدخول في حزام هوائي أكثر سرعة داخل العاصفة، ثم تحررها وتسقط إلى الأسفل بطريقة جنونية تجعل الطيار يحرص على تنبيه الركاب بصورة متكررة إلى عدم فك الأحزمة والتقيد بالمقاعد .

ويضيف، معظم الناس يخافون المطبات الجوية، على الرغم من أنها ليست خطرة لأن كل الطائرات مصممة لمواجهتها، فهي لم تتسبب في أي من الحوادث الجوية، ويتفاداها الطيارون ليس لأنها تفصل أحد الأجنحة، وإنما تزعج الركاب فضلاً عن أن بعضهم يصابون بحالات من الرهاب من حركة الطائرة داخل المطب .

وعندما تستقر الطائرة في الجو، وتفك الأحزمة وبداية تقديم الخدمات، يستقر ذهن الركاب ولا يفكرون في السرعة والارتفاع، ويرفضون ربط الحزام حالما طلب منهم ذلك، في وقت يحافظون فيه على حزام أمان السيارات منذ بداية الرحلة حتى نهايتها .

ويضيف ستيفن، ربط حزام الأمان ضروري إذا طلب الطيار ذلك، لأن سرعة الطائرة قد تفوق 800 كيلومتر في الساعة ما يرفع كل جسم متحرك داخلها إلى الأعلى إذا ما تعرضت للهبوط المفاجئ أثناء مرورها بالمطبات الجوية .

3 جمل لا تأتي على لسان طيار

لا تخلو الرحلات الجوية من المواقف الحرجة التي يتعرض لها الطيار وهو داخل كابينته، منها ما يجب عليه أن يتحدث عنه مباشرة مع الركاب، ومنها ممنوع الحديث حوله، بل ويجب عليه بث حقائق مزيفة لهم، إذ لا يمكن للطيار أن يخبر ركاب الطائرة أن عطلاً أصاب أحد المحركات . فبدلاً من ذلك يقولون: يبدو أن أحد المحركات يعمل بأقل من المستوى المطلوب، وفي أغلب الحيان لا يتحدثون عن أي أمر متعلق بالمحركات .

ويقول جوي ديون: في مرات متكررة تهبط الطائرة بمحرك واحد من دون أن يوحي هبوطها بأن الثاني معطل، وحتى أثناء الطيران لا يكون واضحاً العطل إلا في قراءات الحاسوب التابع للطيار .

وحسب اللوائح الجوية، ليس من الضروري أن يخبر الطيار المسافرين بالعواصف التي يراها في شاشة الرادار إلا عندما تبدأ الطائرة في الاهتزاز، وهنا يبدأ في تعريف الأمر أنه مطب هوائي، بينما تتعرض الطائرة داخل العاصفة الرعدية أو الثلجية لمجموعة من الصواعق تصدها بالنظم المزودة به لهذا الغرض .

يضيف ديون: الصواعق لا تشكل مصدراً خطراً للطائرة لأنها مزودة بما يكفي لصد أكبر الصواعق والمشكلة الحقيقية أثناء مرورنا بالعواصف هي هلع الركاب داخل الكابينة فإن لم يحدث ذلك فلن تكون هناك مشكلة فيما يتعلق بالعواصف والمطبات، وليطمئن الركاب لابد من إخبارهم بجملة يبدو أننا نتجه إلى منطقة جوية ماطرة .

وعند تدني مستوى الرؤية يخاف من على متن الطائرة من تأخير الهبوط، إما لارتباطهم بمواعيد عمل أو خوف من نفاذ الوقود في حال تحويلهم إلى مطارات مجاورة .

لذا لابد من صرف نظر الركاب من خطورة تدني الرؤية التي تحدث بسبب الضباب الكثيف أو العواصف الترابية، لذلك يستعين الطيار بجملة، يبدو أن هناك ضباباً في المنطقة المحيطة .

وللطائرة أسرار وخفايا مرتبطة بصناعتها لا يدركها الركاب، على الرغم من أنها صممت خصيصاً لتوافر وسيلة معينة من وسائل الراحة لهم أثناء الطيران، ولم تكن ذات أهمية لتأتي ضمن لائحة المواصفات التي تنشرها الشركات المصنعة مع الإعلان عنها .