قال سبحانه وتعالى: الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (البقرة:14)

السؤال: ما المقصود بحروف الهجاء (الم) في صدر سورة البقرة؟

الجواب: معناها أن هذا القرآن المُنَزل على محمد صلى الله عليه وسلم من جنس حروف كلام العرب الذين بلغوا الغاية في الفصاحة والبلاغة والبيان، ومع ذلك فإنهم عجزوا عن الإتيان بسورة من مثل ذلك الكتاب المبين، لأنه كلام رب العالمين .

فالغرض تبكيت المشركين لعجزهم عن الإتيان ولو بأقل سورة من القرآن الكريم، ودفعهم إلى إعادة النظر والتأمل في ذلك الكتاب .

السؤال: لماذا أشير إلى الكتاب أي القرآن الكريم بأداة الإشارة للبعيد؟

الجواب: للإشارة إلى بُعد منزلته، وعلو مرتبته، لأنه كلام رب العالمين .

السؤال: ما دلالة التعريف بأل في قوله (ذلك الكتاب)؟

الجواب: التعريف في (الكتاب) للجنس، وجملة (ذلك الكتاب) أفادت القصر لتعريف الطرفين اسم الإشارة (ذلك) و(الكتاب) فالقصر ادعائي وعليه يكون (الم) مبتدأ، و(ذلك) مبتدأ ثان، و(الكتاب) خبره، والجملة (ذلك الكتاب) خبر المبتدأ الأول .

ومعنى القصر: أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل وكأن ما عداه من الكتب لا يُعتد بها لعدم كمالها وأن هذا الكتاب القرآن الكريم هو المستحق دون سواه أن يسمى كتاباً لإعجازه وكماله، كما تقول: هو العَالِم، أي هو الجامع لصفات العلماء وجميل خصالهم، وكأنك لا ترى غيره يستحق أن ينال هذا اللقب . وهذا معنى القصر الادعائي القائم على المبالغة . والله أعلم بمراده .

لا ريب فيه

السؤال: كيف قيل: لا ريب فيه على سبيل الاستغراق العموم وقد ارتاب فيه كثير من الضالين والمشركين بدليل قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (البقرة:23)

الجواب: إنه نزل ارتياب هؤلاء الضالين المنكرين المعارضين منزلة العدم وعدم الاعتداد به، وكأنه لم يوجد أصلاً، لكونه مما لا ينبغي أن يكون لوجود ما يدل على نقضه ونفيه، لأن في دلائل كمال الكتاب المبين وإعجازه ما لو تأملوه لزال ريبهم، ويمكن أن يكون المعنى: أنه ليس في القرآن الكريم ما يوجب الريبة في أنه من عند الله تعالى، فلا يوجد في القرآن كلام يناقض بعضه بعضاً، أو يخالف الحقيقة .

وتأويل المعنى على هذا الوجه فيه تعريض بكتب أهل الكتاب التي تعرضت للتحريف والتبديل على أيدي هؤلاء . والله أعلم بمراده .

السؤال: لماذا لم يتكفل الله تعالى بحفظ كتبه السماوية من التحريف والتبديل كما تكفل بحفظ القرآن الكريم كما قال سبحانه: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر:9)؟

الجواب: لأن هذه الكتب أدت غرضها من الهداية والإرشاد والتشريع في زمانها، وهذا كان المقصود من إنزالها، أما القرآن فإنه كتاب خالد إلى يوم الدين، لأن الله تعالى أنزله ليكون خاتماً لكل الكتب السماوية السابقة عليه، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أُنزل عليه ذلك الكتاب عالمية صالحة لكل زمان ومكان، وكذلك القرآن الكريم، ولذا تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم دون بقية الكتب السماوية . والله أعلم بمراده .

السؤال: لماذا لم يقدم المسند الجار والمجرور في قوله تعالى: لا ريب فيه على غرار قوله تعالى: لا فيها غول وهم عنها ينزفون (الصافات:47)

الجواب: لو قُدم المسند الظرف (فيه) لأفاد الاختصاص، ولدل على أن كتاباً غير القرآن فيه الريب، وهذا والله أعلم غير مراد، وقدم المسند في قوله لا فيها غول لأن المقصود تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، وتخصيصها بأنها لا تسلب عقول شاربيها كما تسلبها خمور الدنيا . والله أعلم بمراده .

السؤال: لماذا أخبر عن المتقين بصيغ المضارع في قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون؟

الجواب: للدلالة على تجدد إيمانهم وإقامتهم الصلاة، وإنفاقهم، واستمرارهم على ذلك . والله أعلم .

هدى للمتقين

السؤال: لِمَ وصف الله تعالى القرآن الكريم الكتاب بكونه هدى للمتقين في سورة البقرة فقال: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (البقرة:2)، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس في قوله تعالى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس (آل عمران:34)، فلماذا اختص كل موضع بوصفه؟

الجواب: وُصِف الكتاب والمراد به القرآن الكريم في آية البقرة بأنه (هدى للمتقين)، للإيماء إلى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأشير بالمتقين إلى حال المخصوصين به، وقيل في وصف التوراة والإنجيل هدى للناس، (ليشعر بحال أهل الكتابين، وفضل أهل الكتاب العزيز عليهم) والله أعلم .

السؤال: هل الوقف على (فيه) في قوله تعالى لا ريب فيه أفضل؟ أم الأفضل الوقف على (لا ريب)؟

الجواب: كلا الوقفين جائز، ولكن الوقف على (فيه) هو الأشهر والأولى، لأن المعنى على هذه القراءة يكون الكتاب نفسه هُدى . والمعنى على الوقف على (لا ريب) يكون الكتاب فيه هدى، ولا شك في أن المعنى الأول أقوى وأبلغ وأكمل في الدلالة على كمال الكتاب وهدايته، ويؤيد المعنى في الوقف على (فيه) تكرر الآيات الكريمة التي تصف القرآن الكريم أنه نور وهدى نحو قوله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (الإسراء:9)

السؤال: كيف جاء ترتيب فاتحة سورة البقرة الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين غاية في البلاغة والتناسق؟

الجواب: جاءت فاتحة السورة في أربع جمل ف(الم) بمثابة جملة في استقلالها فهي تشير إلى بعض حروف الهجاء مستقلة بنفسها، و(ذلك الكتاب) جملة، و(لا ريب فيه) جملة، و(هدى للمتقين) جملة، وقد جاء ترتيب تلك الجمل متآخياً ومتناسقاً أتم التناسق، بيان ذلك: أنه نبه بالأولى على القرآن الكريم المتحدى به، وأنه من جنس حروف الذين تحداهم وهم أرباب الفصاحة وفرسان البيان، وفي الافتتاح بتلك الحروف أيضاً حذف وإيماء إلى الغرض أي تحدي العرب بالقرآن بأدق وجه وألطفه .

وجاءت الجملة الثانية ذلك الكتاب لتشير إلى القرآن الكريم بأنه الكتاب الكامل فكان هذا تقريراً للتحدي مع ما دل عليه تعريف الكتاب من الفخامة، وتعريف الطرفين ذلك الكتاب من الاختصاص بأنه هو الكتاب الكامل لا غيره من الكتب الأخرى، ثم جاءت الجملة الثالثة لا ريب فيه لتنفي عن الكتاب الريبة بالكلية، وهذا ما دل عليه تقديم الريب في الظرف (فيه) .

ثم أخبر عن الكتاب بأنه (هدى للمتقين) فقرر بذلك كونه حقاً بحتاً، ويقيناً مطلقاً لا يحوم الشك حوله، مع ما دل عليه إيثار التعبير بالمصدر (هدى) على الوصف (هادٍ) وإيراده متكرراً من المبالغة والفخامة . والله أعلم .

مدح إلهي

السؤال: وُصِفَ القرآن بأنه هدى للمتقين فقط؟

والمتقون مهتدون، والمُهْتَدِي لا يُهتَدَى؟!

الجواب: إن الله تعالى ذكر المتقين مدحاً لهم، ليبيّن أنهم هم الذين اهتدوا به وفازوا بمنافعه، حيث قبلوه واتبعوه كما قال تعالى: إنما أنت منذر من يخشاها (النازعات:45) وقد أُرْسِل محمد صلى الله عليه وسلم منذراً لكل الناس، فخص في البقرة من اهتدى من هؤلاء الناس، ومن هم الذين انتفعوا بإنذاره صلى الله عليه وسلم أو المراد أنه ثبات لهم على الهدى وزيادة فيه، لأن الهدى باب واسع لا غاية له كالتقوى . والله أعلم .

السؤال: لماذا عُدي فعل الإيمان بالباء في قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أُنزل إليك (البقرة:4)؟

ولماذا جاء متعدياً باللام في أكثر من آية كريمة أخرى كما في قوله تعالى: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (يوسف:17)، وقوله تعالى: أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (المؤمنون:47) . فما العلة في اختلاف التعدية؟

الجواب: لم نجد في كلام المفسرين ما يشفي الغليل في الإجابة عن هذا السؤال، حيث ذهب الكثير منهم إلى القول بتضمين الإيمان معنى الانقياد أو الاستجابة، لذا صحت التعدية باللام، وأن الأصل تعدية الإيمان بالباء . كما أن المعاجم لا تكاد تفرق في الدلالة بين مجيء فعل الإيمان متعدياً بالباء، وبين مجيئه متعدياً باللام .

وكل تلك التأويلات مصححة للمعنى، ولكنها لا ترقى إلى سماء بلاغة القرآن، لذا فإن ما تطمئن إليه نفسي هو أن في تعدية الإيمان بالباء دلالة على الثقة بالله تعالى وبما أنزله، والطمأنينة لشرعه والأنس به ودوام مصاحبته وعدم الانفكاك عن الإيمان وعن شرع الله تعالى، لمحنا هذا من الدلالة اللغوية لحرف الباء وما يشيعه من معنى الملابسة والمصاحبة والإلصاق .

وما يلفت النظر أن الإيمان لم يجئ متعدياً بالباء إلا في الإيمان بالله ورسله وكتبه . وفي تعدية الإيمان باللام دلالة على معنى الخضوع والانقياد للمُصَدق فيما دعا إليه، هذا ما نلمحه من دلالة اللام على الاختصاص . وقد جاء الإيمان متعدياً باللام في مقام التصديق من بشر لمثله، لذا لا يقال: آمن لله، وإنما آمن بالله . والله أعلم .

السؤال: جاء فعل الإنزال متعدياً بإلى في قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أُنزل إليك (البقرة:4)

وجاء أيضاً متعدياً ب(على) في سبعة وعشرين موضعاً، وبمثل تلك المواضع جاء متعدياً بحرف الانتهاء (إلى) وهذه ملحوظة عامة .

أما السر في تعدية (أنزل) ب(على) فإن فيه إشارة إلى التشريف وهذا في كل موضع كانت التعدية فيه ب(على) وبيان هذا أن (على) حرف استعلاء، والوحي يكون من جهة السماء من فوق، ومن خلال استقراء مواضع تعدي الإنزال ب(على) بدت ملامح التكريم والتشريف وفي أكثر المواضع التي ذكر فيها إنزال القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم عدي الإنزال ب(على)، حيث جاء حرف الاستعلاء منبئاً عن شرف المُنَزل، وسمو منزلة مَن أُنزل عليه، ومن الآيات الكريمة التي تلمح فيها هذا التشريف من خلال تعدي فعل الإنزال ب(على) قوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (البقرة:23)، وقوله: وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (النساء:113)

أما سر تعدي الإنزال ب(إلى) كما في آية البقرة، وغيرها من الآيات الكريمة فإنك تلمح التشديد في التبليغ والعمل المُنزل وتطبيقه والتمسك به وعدم التفريط فيه أو التخلي عنه، وهذا ما نستشفه من دلالة (إلى) على الانتهاء والوصول والنهاية . ومما جاء فيه الإنزال معدى بإلى ودالاً على هذا المعنى قوله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب الحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (النساء:105)، وقوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته (المائدة:67)، وقوله تعالى: كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (الأعراف:2) .

إننا نلحظ روح التكليف والتشديد على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بضرورة إبلاغ المنزل عليه وإنهائه إلى الناس في صورة واضحة لا غبش فيها ولا لبس، لأنها أمانة السماء فلا بد أن تسلم إلى أهلها في الأرض، والأمانة فيها من التشديد في الأداء ما فيها . وللقارئ الآن أن يستخلص معنا هذه النتيجة وهي: أن تعدي الإنزال ب(على) يوحي بالتشريف، وتعديه ب(إلى) يوحي بالتشديد في التبليغ . والله أعلم بمراده .

السؤال: لماذا أعيد الموصول في قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (البقرة:4)؟

الجواب: أعيد الموصول في الآية الكريمة، للإشعار بأن المذكورين فيها غير المذكورين في قوله سبحانه: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (البقرة:23)

فالمذكورون في الآيتين الثانية والثالثة المؤمنون بعد شرك وهم العرب من أهل مكة وغيرها .

أما الفريق الثاني في الآية الرابعة فالمراد بهم المؤمنون من أهل الكتاب الذين آمنوا بما أُنزل إليهم من الكتب السماوية قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم آمنوا به وبما جاء به بعد بعثته صلى الله عليه وسلم لذا أعيد الموصول واستخدم العطف في قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك للإشعار بتغاير الفريقين، وإن كانا هما معاً قسمين للمتقين .

عرفت إذن أن المراد بالمتقين في قوله (هدى للمتقين) المؤمنون من العرب، والمؤمنون من أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتب السماوية قبله، والله أعلم .

[email protected]