كثيرا ما يشدنا لفظ اعتدنا سماعه من مذيع معين، أو حركة يكررها باستمرار لتصبح بذلك اللازمة الخاصة والتي ترتبط به لدرجة أنها تصبح دليل التعريف بدلا من اسمه. كثير من المذيعين يؤيدونها ويعتبرونها بصمتهم الخاصة، وآخرون يرونها دليل ضعف ومحاولة يائسة للبحث عن التميز في ساحة أصبحت تعج بالمذيعين والمذيعات، وبين هذا وذاك احترنا في مدى أهميتها للمذيع، ومدى قدرتها على التعبير عن ثقافته ومستواه الفكري، مما جعلنا نلتقي بعضهم ممن يمتلكون لازمات وممن يرون أنها لا تناسبهم، ليحدثونا بشكل موسع عن سبب تمسكهم بها أو رفضهم لها، كما التقينا بعض المتخصصين الذين وضحوا لنا الصورة في هذا التحقيق.

بدأت فكرة استخدام اللازمات عند المذيع راشد الخرجي حين كان يقدم برنامج دبي هذا الصباح على تلفزيون دبي، ليقترح عليه المعد نصر الدين عيساوي فكرة ابتكار شيء يرتبط بالبرنامج كإضافة لازمة معينة مثل إلك التي ارتبطت بالمذيع ميشال قزي على شاشة المستقبل، ليفكر أبوعمر بالموضوع حيث وجد أن اغلب المذيعين لا يقولون قبل الفاصل الإعلاني سوى كلمة فاصل ليشعر بضرورة قول شيء آخر يشجع المشاهدين على عدم تغيير القناة بمجرد دخول الفاصل الإعلاني، ليسأله نصر الدين عن الكلمة التي تقال بالإمارات حينما يريد أي شخص الذهاب والعودة مرة أخرى كما يحصل بالفاصل، ليرد عليه راشد الخرجي: نقول لا تخوزون وتعني ابقوا مكانكم ولا تتحركوا، ومنذ ذلك الحين بدأ استخدامها في برنامجه، وقد ارتبطت به ارتباطا وثيقا، وفي ذلك يقول: كنت حينما لا أقولها يسألني أعضاء فريق العمل لماذا لم تقل لا تخوزون؟، وبعد ذلك بستة أشهر تقريبا انتقلت إلى سما دبي لأقدم برنامج صباح الخير يا بلادي وفوجئت برسائل واتصالات المشاهدين الذين كانوا يتساءلون باستمرار عن سبب عدم ترديدي لكلمة لا تخوزون، لأشعر بأن هذا المصطلح ارتبط بي، وكثيرا ما أكون واقفا في طابور المطاعم بالمراكز التجارية، وأرى الكثير من الآباء يوقفون أبناءهم في الطابور قائلين لهم خلكم هنا ولا تخوزون، فيسعدني كثيرا انتشار هذا المصطلح، وفي موقف آخر كنت مع مجموعة من الأصدقاء في أحد المجالس، ليستأذن صاحب المجلس للحظات قائلا لا تخوزون فيسعدني انتشار المصطلح واستخدام الناس له في موقعه الصحيح، حتى أنهم كثيرا ما يطالبونني بحركة يدي المرافقة لهذا المصطلح. وعن قدرة المذيع على توصيل مصطلحات جديدة ومفيدة أو مصطلحات قديمة للجمهور يقول بو عمر: في برنامجي صباح الخير يابلادي أحرص على ذكر مصطلح بشكل يومي وأطلب آراء الناس فيه وتقديم معان وتفسيرات له، وأكون حذرا جدا في اختيار المصطلح حيث أن بعضها تحمل معاني سيئة في بعض اللهجات أو المناطق الأخرى، وهنا نهدف لتقديم الإعلام بروح دبي وهو الشعار الذي تتميز به مؤسسة دبي للإعلام، وأذكر الفنان عبد الله بالخير حين قدم برنامجا على قناة نجوم كان يزعجه أيضا أن أغلب المذيعين يكتفون بقول فاصل إعلاني، ليرى أنه من الأفضل قول شيء آخر أكثر تميزا فقال فاصل ونواصل، ورغم أنها كلمات بسيطة إلا أنها أكثر جاذبية بالنسبة للمشاهد، ليتبعه بعد ذلك الكثيرون ممن أصبحوا يرددونها من بعده، وأما بالنسبة للازمتي لا تخوزون فإن وجدت يوما مصطلحا أفضل منها فسأستخدمه. وعن اختيار المذيع للازمته ومدى تأثير ذلك على القناة التي يعمل بها يقول: القناة التي تحترم نفسها ولديها خطة مدروسة بعناية تحرص على أن تقدم مذيعين مميزين وعلى مستوى عال من الثقافة، يستطيعون توصيل رؤيتها والتعبير عنها بصورة جيدة، وهذا ما يجعل المصطلحات التي يختارونها مناسبة لها وتعبر عن مستواها بشكل جيد.

أما دينا آل شرف، المذيعة بتلفزيون دبي، فتحب التغيير الدائم وعدم الالتزام بشيء معين، حتى أن طريقتها في التقديم تحاول تغييرها وتجديدها من وقت لآخر لأن التجديد ضروري بالنسبة للمذيع واستمراره على حسب رأيها، وترى أن اللازمات التي يستخدمها المذيعون ناتجة من رغبتهم في ارتباط أسمائهم بها، كما ترى أن اللازمة ما دامت تزيد من شعبية المذيع وتزيد من معرفة الناس به وتكون في نفس الوقت ذات جودة لغوية في محتواها فهي مفيدة، وتقول دينا: تكون للازمة أهميتها حين تعرف الناس على ألفاظ جديدة، أو تثير فضولهم لمعرفة معناها، وهنا يسهم المذيع في زيادة ثقافة الجمهور بطريقة جديدة وغير مباشرة، ولكن استخدام بعض المذيعات للازمات لا فائدة منها وبأسلوب يتعمدن فيه إظهار الدلع يضايقني ولا أؤيده أبدا. وتؤكد دينا أن اللازمة تعبر عن مستوى المذيع بشكل مباشر، فكثير من المذيعين يظهرون على الشاشة عكس ما هم عليه أصلا في الحقيقة، ويأتي اللفظ الذي يستخدمونه ليعبر بشكل مباشر عنهم حيث يخرج بطريقة مباشرة وبشكل عفوي لأنه يكون من اختيارهم أغلب الوقت. وترى دينا أنه لو اختار كل مذيع كلمة واحدة من الكلمات العربية الأصيلة والصحيحة والغنية، ووضعها في مكانها الصحيح فمن الممكن أن يستفيد المشاهدون من تعلم ألفاظ جديدة أو التعرف على معان كثيرة من الألفاظ القديمة، وإلى الآن فليس لدينا لازمة معينة مع أن برنامج المرأة الخليجية يعطيها مساحة كبيرة لذلك على حد قولها.

وترى صفية الشحي، مذيعة في تلفزيون سما دبي، أن بعض المذيعين يكونون غير موفقين في اختيار لازماتهم لتظهر بشكل سخيف ولا داعي له، وتؤكد أنه ليس من الضروري أن تعبر اللازمة عن ثقافة المذيع بقدر ما تعبر عن شخصيته، ومثال على ذلك الإعلامي راشد الخرجي فهو مذيع على درجة كبيرة من الثقافة إلا أن لازمته لا تخوزون بسيطة جدا، وذلك لأنه شخصية متواضعة وبسيطة في التعامل، وقد أحسن اختيار مكانها، وتضيف صفية: أما أنا فلن أرهق نفسي في البحث عن لازمة معينة، ولكن إن خرجت مني بعفوية وفي وقتها وفي مكانها المناسب فأهلا بها، وليس شرطا أن تكون اللازمة لفظية فقد تكون حركية يرتبط بها المذيع بذهن المشاهد، وتكون أحيانا أبلغ تعبيرا وأكثر تأثيرا.

وتؤكد صفية أن هناك اختبارات خاصة للمذيعين تقوم بها لجنة متخصصة قبل السماح لهم بالوقوف أمام الكاميرا، مما يعني أن المذيع أغلب الأوقات يكون ذا مستوى ثقافي جيد، وعن دور اللازمات في توصيل لغة الأجداد تقول: لا أعتقد أن كلمة واحدة من الممكن أن تؤدي هدف توصيل ثقافة أو لغة الأجداد للجمهور، وهناك لازمات كثيرة لا يقبلها الجمهور ويكون اختيارها غير موفق، بالإضافة إلى أن هناك بعض المذيعين تناسبهم اللازمات في حين أن البعض الآخر لا تتناسب معهم وأنا واحدة منهم.

وترى المذيعة ريهام بسيوني، أن اللازمة حين تكون في موقعها الصحيح وتضيف للمذيع وتزيد من شعبيته، فإنها تكون في صالحه، وهناك مذيعون لا يزالون يرتبطون بذاكرتها منذ الطفولة مثل مذيع برنامج حروف الذي كان يردد باستمرار راحت عليك يا صاحبي، وعن اللازمات الخاصة بها تقول ريهام: لازمتي ليست شيئاً معيناً فهي لازمات طبيعية، حيث أستخدم كثيرا للوصل بين الجمل والعبارات إذا، أو فاصل ونواصل قبل الفواصل، كما أعتبر أن السلام عليكم أصبحت لازمة خاصة بي حيث أتجنب قول آلو. وترى ريهام أن البرنامج يحدد اللازمة الخاصة به، حيث أنها في برنامج شباب دوت كوم كانت تردد لازمة معينة وهي علشان العمر يطول خليك شباب على طول، وفي برنامج حظك حلو الخاص بالأبراج كانت لازمتها إن كنت حوت، جدي أو دلو، مع سما دبي حظك حلو. علماً أن اللازمات تناسب المذيع الشاب أكثر من الفتاة بحسب رأي ريهام لأن المذيعة عادة تتميز أكثر من الشاب الذي يضطر للبحث عن لازمة في محاولة منه للبحث عن شيء يميزه، وترى أن استخدام منى الشاذلي للازمتها في الحقيقة استخدام مناسب حيث أصبح الناس يعرفونها بها.

غرازييلا كامل، مقدمة برنامج أنت أجمل بتلفزيون دبي، ترى أن اللازمة عبارة عن علامة تجارية ترتبط بالمذيع ارتباطا مباشرا، ولكنها تفقد المذيع الكثير حين تصبح محور حديثه لينتظر اللحظة التي يقولها فيها، وهنا تتحول إلى كلمة تخفي وراءها ضعفا يعاني منه المذيع، وتؤكد أن هناك ألفاظاً كثيرة أصيلة وغنية بمحتواها وهي متوفرة في جميع اللغات واللهجات فلو تمسك بها كل شخص سيؤدي ذلك إلى تكوين موسوعة كبيرة من الألفاظ المميزة التي تؤدي إلى القوة اللغوية. وعن اللازمات تقول غرازييلا: ليس بالضرورة أن تكون اللازمة لفظية فهناك لازمات حركية تعبر بشكل أبلغ عما يريد المذيع توصيله، وقد اشتهر نيشان بوضع كوعه على الطاولة وإسناد خده على يده حتى أصبحت هذه الحركة غير المقصودة تلازمه ليعرف بها، وعن اللازمات الخاصة بها تقول: في بداياتي كنت أستخدم أوكي كثيرا، ولكنني خففت منها، كما كنت أستخدم عبارة إذا صح التعبير لأحاول تجنبها بعد ذلك نظرا لأن البرنامج الذي كنت أقدمه شبابي واعتبر البعض أن هذه العبارة ثقيلة نوعا ما. وترى غرازييلا أن اللازمة الجيدة لا تحتاج لوقت وجهد في البحث عنها فهي تصدر من المذيع بشكل طبيعي وعفوي وفي موقعها الصحيح.

لم تنتبه ميسون عزام، مذيعة أخبار على تلفزيون العربية، للازمتها إلا بعد أن لفتت صديقتها نظرها إليها، حيث كانت تترك مسافة بين كلمة مشاهدينا.. ابقوا معنا لتستمر على ترديدها بنفس الطريقة بعدما انتبهت لها، وترى ميسون أن اللازمة تعتبر توقيع المذيع أو بصمته أو علامته الخاصة به والتي تميزه عن غيره، وأن أغلب اللازمات التي سمعتها لحد الآن موفقة حيث لم تنزعج من إحداها. وعن اختيار اللازمات تقول ميسون: أنا لست ضد أي مصطلح جديد يعمل على تسهيل اللغة العربية أو الإضافة إليها أو تحديثها، فلغتنا العربية رغم جمالها تعد صعبة مقارنة باللغات الأخرى، وعادة ما تكون اللازمة طبيعية فتصدر بشكل عفوي من المذيع وهذا ما يجعلها مميزة. وتؤكد ميسون أن البرامج تعطي مساحة أكبر للازمات مقارنة بالأخبار التي تكون عادة باللغة العربية الفصحى المنتقاة بعناية بحيث يفهمها جميع المشاهدين على اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم وأفكارهم.

ويرى الدكتور أحمد البطاينة، خبير إعلامي، أنه ليس هناك ضرر من استخدام اللازمات من حيث المبدأ ولكن الأمر يعتمد في كثير من الأحيان على كيفية استخدامها، وقد تعمل أحيانا في صالح المذيع حيث يتم تداولها بين الجمهور الذي يعرف معناها وتقترن بالمذيع، ولكن إذا تم استخدامها بكثرة وبطريقة عشوائية فقد لا يكون لها مردود إيجابي على المذيع، وخاصة لدى الجمهور الذي لا يعرف معنى هذه الكلمات. ويؤكد البطاينة أنه ليس من الضرورة أن تكون هذه اللازمات مؤشرا لمدى ثقافة المذيع ومستواه الفكري حيث لا يمكن التعرف على مدى عمق ثقافة المذيع وأفكاره لمجرد استخدامه لبعض الكلمات، بل يمكن التعرف على ذلك من خلال أدائه العام، بالإضافة إلى أنه ليس من الضرورة أن تستخدم هذه الألفاظ لتعليم الجمهور مصطلحات جديدة حيث أنها قد لا تكون مستخدمة إلا لدى جمهور محدد، وحتى حين يتم استخدامها فقد يكون الجمهور المستهدف يعرف مسبقا هذه الكلمات وإلا لما استخدمها المذيع، كما أن مثل هذه الكلمات بطابعها محلي ومستمدة من البيئة المحلية.

وأكدت الدكتورة ثريا البدوي، أستاذ مساعد بكلية الاتصال قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الشارقة، أن اللازمة تعد من العيوب الخطيرة في الجانب المهني، فليس من المفروض أن يرتبط المذيع بلازمة معينة لفظية كانت أو حركية، إلا إذا لم يكن قادراً على استحضار بعض المصطلحات الأخرى الأكثر تعبيرا وبلاغة، أو يكون قد فقد تركيزه فيلجأ إليها كي تنقذه من موقف غير متوقع، وربما يكون قد نشأ عليها من الصغر ولم يعالج منها. وتضيف: تقبل الجمهور للازمة المذيع تكون على حسب تقبلهم له هو شخصيا، فإن كان الجمهور يتقبل المذيع فسيتقبل لازمته، والعكس صحيح، فالمعيار هو تقبل الجمهور لما يشاهدونه أو يسمعونه، كما أن اللازمة قد تشعر المشاهد بالملل أو أنها قد تفهم بشكل خاطئ، ومثال ذلك بعض السياسيين الذين يلوحون بأيديهم فيفهم البعض كلامهم على أنه تهديد. وعن اعتبار اللازمة كمؤشر على ثقافة المذيع ومستواه الفكري تقول الدكتورة ثريا: استخدام اللازمة مقرون بمستوى المذيع الثقافي الذي كلما ارتفع، قل استخدامه للازمات، ما يعني أن كثرة استخدام اللازمة دليل ضعف لدى المذيع، ولا أرى أن المذيع بإمكانه استخدام ألفاظ من التراث القديم كلازمة ليوصل للمشاهدين لغة الأجداد لأن اللازمة لا تقوم بهذا الغرض، وإن كان هدف المذيع توصيل الألفاظ القديمة فعليه شرحها بالتفصيل وتوضيح معناها، وعدم الاكتفاء بترديد اللفظ فقط، كما أن أهم مهارة يجب على المذيع أن يكتسبها هي استخدام لغة بسيطة تخاطب الجمهور العام، فمستوياته مختلفة ومتباينة ورسالة الإعلام موجهة للجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية، وهذا ما يجب مراعاته كي تنجح رسالة المذيع وتصل للجميع.