وها نحن نحاول إعادة قراء «الخليج» الكرام خلال هذا الشهر الفضيل إلى بعض حصاد الفكر الإسلامي من خلال ما نقدمه من عروض للكتب والدراسات والأبحاث الإسلامية المتميزة..فهيا بنا نقرأ..
علاقة الإسلام بالفنون دائماً محل نقاش وجدال بسبب الآراء والاجتهادات الفقهية التي تصدر عن البعض من دون تدقيق، وتحمل الإسلام مواقف ظالمة لا علاقة لها بتعاليمه وتوجيهاته ومنهجه في الحياة.
من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب: (الإسلام والفنون الجميلة) للمفكر الإسلامي د.محمد عمارة حيث يوضح العلاقة الصحيحة بين الإسلام والفنون ورعاية هذا الدين العظيم لكل الفنون الراقية التي تستهدف تهذيب مشاعر الإنسان والرقي بذوقه وتنمية قدراته الإبداعية، فالفن الهادف الراقي المهذب هو أحد أدوات الإسلام لبناء الإنسان المتوازن القوي القادر على البناء والتعمير.
تحدث د.عمارة في كتابه الموسوعي عن علاقة الإسلام بفنون السماع مثل الموسيقى والغناء، وعن علاقته بفنون التشكيل مثل الرسم والنحت والتصوير، وساق الأدلة والبراهين، التي تؤكد اهتمام الإسلام بكل الفنون ورعايته لها، وتحدث عن آراء المؤيدين والمعارضين، وانتهى إلى أن القول الفصل في هذا الشأن يرتبط بالقصد من وراء هذه الفنون، كما يرتبط بالأهداف التي يسعى إليها الفنان أيا كان مجال عمله وميدان إبداعه وكما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
ويؤكد المؤلف أن الإسلام في التعامل مع الفنون كلها له منهجه المستقل، فهو ليس يميناً ولا يساراً، لكنه منهج مستقل متكامل، ولا يجب تصنيفه تبعا للمصطلحات السياسية الحديثة.ولذلك يدعو المفكرين والمبدعين المسلمين إلى السعي الجاد لصياغة رؤية إسلامية حضارية متكاملة لكيفية توظيف الفنون والارتقاء بها لتحقق أهدافها في حياتنا، ووفق منظومتنا الدينية والفكرية والحضارية وبعيون عربية وإسلامية لا بعيون غربية أو أجنبية.
وهنا يلفت د.عمارة الانتباه إلى أن كل ما يصدره لنا الغرب من معارف وفنون ليس هو النموذج الأمثل للارتقاء بحياتنا، فالحضارة المادية لا توفر الأمن والسلام والطمأنينة للإنسان، والطريق إلى هذا الهدف الكبير لا يتحقق إلا بالإيمان: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب».
عقول منغلقة
ويشير د.عمارة في الكتاب إلى الجدل الدائم الذي يصاحب الحديث عن علاقة الإسلام بالفنون، سواء أكانت فنون سماع كالغناء والموسيقى أو فنون تشكيل مثل الرسم والنحت والتصوير، ليؤكد أن هذا الجدل العقيم لن يلقي الغبار على موقف الإسلام الحضاري من الفنون بكل أشكالها، فالإسلام مع الفن الراقي الهادف الذي يرقى بمشاعر الإنسان ويساعده على الاستمتاع بالحياة من دون ابتذال وينشر الجمال في الكون كله، وقد أخبرنا الرسول الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم بأن «الله جميل يحب الجمال».
يقول المؤلف: «هناك من يرفض الفنون جملة وتفصيلا، ومن بينهم من نزع صورته الشخصية من بطاقة الهوية، وقصة الطالب الذي ترك الدراسة وهجر التعليم بعد أن طلبت منه إدارة شؤون الطلاب صورة شخصية له توضع بسجله بالكلية التي يدرس بها ليست بغريبة على عقول تستمد ثقافتها الإسلامية من عقول منغلقة على رؤى ضيقة لا علاقة لها بالإسلام وشريعته الرحبة التي تيسر للإنسان حياة طيبة.
ويؤكد د.عمارة هنا أن الإسلام لم يحمل سلاح التحريم ليفرض على الإنسان حياة جافة كئيبة ، فالحياة الخالية من الجمال والإبداع لا يقبلها الإسلام أبدا ولا يسعى إليها، لكن الإسلام يسعى دائما إلى الرقي في التعامل مع مجالات الحياة كلها بحيث يستخدم الشيء فيما يفيد من دون ابتذال، ولذلك يحرص الإسلام على وضع الضوابط حتى لا يساء الاستخدام وينحرف التطبيق.
آيات الله الكونية
ويؤكد د.عمارة عدم وجود خصومة بين الإسلام والجمال. ويورد الآيات الكريمة التي تدعو الإنسان إلى النظر في آيات الله الكونية في السماء والأرض والكواكب والنجوم. ويدعو القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة إلى النظافة والزينة عند الذهاب إلى المساجد، وفي كل مكان يطرقه المسلم في داره وعمله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى قراءة القرآن وترتيله بصوت حسن جميل «زينوا القرآن بأصواتكم».
ويوضح المؤلف أن الإسلام لم يتخذ من التصوير موقفاً معادياً بإطلاق، حيث لا يوجد نص قرآني يحرم الصورة في الفن، كما لا يوجد نص في السنة يحرمها، ويتأرجح موقف الفقهاء منها بين القبول والكره. وما يروى عن الصورة من الحديث يحرم تعليق الصورة أي تقديسها وتشريفها لا استخدامها.
وهنا يوضح أن موقف القرآن الكريم من التصوير والتماثيل للأحياء ليس واحداً وليس عاماً وليس مطلقاً، فحيثما تكون سبيلاً للشرك بالله شركاً جلياً أو خفياً فهي حرام، والواجب تحطيمها، لأن معركة الإسلام الرئيسية كانت ضد الشرك، أي عبادة الأوثان، أما عندما تنتفي مظنة عبادتها وتعظيمها والشرك بواسطتها، فهي عندئذ من نعم الله تعالى التي يجب على الإنسان أن يقصد إليها، وأن يتخذ منها سبيلا لترقية حسه وتجميل حياته وتزكية القيم الطيبة وتخليدها. وتحطيم التماثيل لم يكن موقفا ثابتاً، بل معلل حسب رأي الإمام محمد عبده بسياق قرب العهد بالشرك، وحيث إنه لا خوف من العودة للشرك فإنه لا مجال للتحريم.
الاسم الحسن
ومن بين مظاهر الجمال في حياة الناس، والتي اهتم بها الإسلام ويشير إليها المؤلف إلزام الأبوين باختيار اسم حسن لطفلهما، فالاسم الجميل ينشر الجمال والإحساس الراقي في المجتمع، وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حول حب الناس للزينة في الملبس والمظهر وقال له: «إنه يحب أن يكون ثوبه نظيفاً ونعله جديداً»، فقال له: «إن الله جميل يحب الجمال».
يقول ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن.
ومن يتأمل هذا السلوك يدرك أن التفاؤل ثمرة لرؤية إيجابيات الواقع وجماليات المستقبل، أما التطير فهو رؤية القبح والشؤم.
وبالنسبة للاسم الحسن، فإنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ في استشعار آثار الجمال إلى الحد الذي جعله يلمحها في الأسماء فهو يدرك أثر العنوان في الدلالة على المضمون والموضوع.
جماليات السماع
ويضرب المؤلف عدداً من الأمثلة التي وقعت في زمن البعثة حول إباحة فنون السماع كالغناء، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان، بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه فدخل أبو بكر فانتهرني. وقال مزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله فقال دعهما فلما غفل (أبو بكر) غمزتهما فخرجتا.
وتروي عائشة رضي الله عنها أيضا الحديث الذي تضمن موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن تشاهد ما كان يُقدم من الأحباش من ألعاب وأغنيات.
ويروى أن عائشة زفت امرأة على رجل من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو.
وأوضح د.عمارة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستمع للغناء المهذب ويبتهج به، ويؤيد ذلك أنه عندما دخل المدينة مهاجرا من مكة وجد أهلها في انتظاره فرحين بقدومه، وغنت بنات الأنصار الأغنية الشهيرة:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة
مرحبا يا خير داع
كما خرجت بنات بني النجار، وأنشدن مرحبات بقدومه صلى الله عليه وسلم:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
وفي إحدى الروايات أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هم بزجر الجواري عن هذا الغناء، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم «دعهم يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح».
عن أنس بن مالك قال، «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقدم عليكم غدا أقوام هم أرق قلوباً بالإسلام منكم، قال: فقدم الأشعريون قوم أبي موسى الأشعري فلما دفوا في المدينة قالوا:
غدا نلقى أحبة
محمدا وحزبه
أحاديث ضعيفة
وأشار المؤلف إلى مجموعة من الأحاديث التي تحرم الغناء ومنها حديث: «الغناء ينبت النفاق في القلب». وحديث معاوية الذي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تسع، منهن الغناء. ويؤكد أنها أحاديث ضعيفة بشهادة الإمام ابن حزم الأندلسي 384( 456 ه) والذهبي صاحب «ميزان الاعتدال»، وابن حجر العسقلاني صاحب «لسان الميزان».
وتناول د.عمارة رأي حجة الإسلام الغزالي في هذه القضية في كتابه إحياء علوم الدين، (كتاب آداب السماع) حيث يقول: «الأصوات الجميلة من حنجرة الإنسان، أو من الآلات التي يصنعها لتعزف الأصوات الجميلة، إنما هي محاكاة الصنعة الإنسانية للخلقة الإلهية، التي أودعها في الأصوات الجميلة للطيور وما شابهها.فالأصل في الأصوات حناجر الحيوانات.وإنما وضعت المزامير على أصوات الحناجر، وهو تشبيه للصنعة بالخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها فمن تعلم الصناع، وبه قصدوا الاقتداء فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة، فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة، ولا بين جماد وحيوان، فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة عن سائر الأجسام باختيار الآدمي، كالذي يخرج من حلقه والطبل والدف وغيره».
التعبير بالصور
وتناول المؤلف موقف الإسلام من الصور، وأكد أن القرآن الكريم لم يتخذ موقفاً معادياً بشكل مطلق من التصوير للأحياء، بل أناط الأمر بالمقاصد والغايات والنتائج والثمرات، فإذا كانت الصور والتماثيل وسائل شرك بالله كانت مرفوضة ومحرمة، أما إذا كانت لمجرد الزينة والجمال، وإبراز براعة الإنسان وتنمية الحس الجمالي وتخليد القيم والمآثر الطيبة تصبح من الأمور المباحة.
ويقول: إن سور القرآن امتلأت بما نسميه في الدراسات الأدبية والفنية بالتعبير بالصور، أي رسم الصور الحسية للتعبير عن المعاني والأفكار، ففي القرآن الكريم نحن أمام لوحات تعبّر عما فيه بالصور المرئية والمحسوسة.
واختتم كتابه بالإشارة إلى موقف الشيخ محمد عبده في هذا الميدان وإعلانه مباركة الإسلام للفنون الجميلة، حيث تحدث الأستاذ الإمام رحمه الله عن دورها النافع المفيد في تسجيل معالم الحياة وحفظها، وفي ترقية الأذواق والحواس والاقتراب بالإنسان من صفات الكمال.
ولم يكتف الشيخ المستنير بذلك، بل زار الأستاذ الإمام المتاحف ومواطن الآثار في جزيرة صقلية سنة 1903، وكان يرسل إلى مجلة «المنار» فصولا يحكي فيها مشاهداته في رحلته، وفي هذه الفصول كتب عن الفنون ورأي الإسلام في الصور والتصوير والرسم والنحت.