هذه حوارات متوهمة أدرتها مع المرحوم الكاتب الإسلامي الكبير أنور الجندي الذي يعتبر من كبار مفكري وكتاب المسلمين في العصر الحديث، وقد كان رحمه الله واقفاً على ثغر من ثغور الإسلام، يدرأ عنه اتهامات وشبهات المبطلين، وقد ترك آلاف الصفحات في كتب نشرت ثم أهملت بعد موته، لا لشيء إلا لعدم وجود من يتبنى فكره النظيف ودفاعه المتقن المخلص عن الإسلام، وهذا ما جعلني أحاول تقديم شيء من فكر هذا الرجل، عن طريق حوار اصطنعته معه، اعتمدت فيه على كتبه، وأكثرها مصور عن نسخه الأصلية لعدم توفرها هذه الأيام، وقد عرضت فيه بعضاً من أفكاره بصدد موضوعات خطيرة تمس الإسلام والمسلمين فكراً ووجوداً، ومما لا شك فيه أنه لا يمكن لهذه العينات أن تختزل فكر الرجل بقدر ما كان قصدي الإشارة إلى مسائل ذات أهمية خاصة عند كل مسلم، وفيها بيان لشبهات حيكت ضد الإسلام والفكر الإسلامي، والإجابة المتقنة المفندة للشبهة، وهي إجابة الجندي رحمه الله، وفيها شرح الصدر وجلاء الأمر .

يقول المرحوم أنور الجندي متحدثاً عن حياته: كانت حياة هادئة ناعمة لولا أن واجهها التحدي فحولها إلى حياة ذات أغوار، أمران أساسيان هما اللذان شكلا هذه الحياة، وأدخلا إليها الالتزام والخطر، والعمل على تجاوز الأحداث .

أولهما: ذلك الكتاب الذي أصدره خمسة من المستشرقين حول الإسلام والذي قص فيه رائدهم (هاملتون جب) تلك القضية الخطيرة، قضية ذلك العمل الذي مضى سنوات حتى وصل إلى المرحلة التي يمكن أن تستعلن فيه الخطة التي قام بها الاستشراق من أجل (احتواء الإسلام) ليكون ديناً عباديّاً منحصراً في الصلاة والعقائد، منفصلاً تماماً عن قضايا المجتمع والسياسة والاقتصاد، وهو ما قدمه المستشرقون الخمسة للأقطار الإسلامية من المغرب إلى إندونيسيا، وما هو الحد الذي وصل إليه العمل؟ وما الخطة التي ستحقق إتمام هذه (المؤامرة/ الجريمة) . (هذه الدراسة أطلق عليها بعد ترجمتها إلى العربية: وجهة الإسلام) .

ثانياً: كان موضوعاً لكاتب مسلم أعرفه تحت عنوان: (كيف صححت إسلامي؟) فقد كشف لي عن أن الإسلام ليس ديناً عباديّاً؛ وإنما هو منهج حياة ونظام مجتمع كامل، والعقيدة والعبادة جزء منه ولكنهما ليستا كله . وقد تبين لي أن مفهوم الدين عند أغلب المسلمين هو هذا المفهوم القاصر الذي عمل النفوذ الغربي والاستشراق والتبشير على إذاعته ونشره، في محاولة لقصر الإسلام على الصلاة والمسجد، وفصل كل قضايا الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية عنه، وهكذا عرفت الدعوة الإسلامية على حقيقتها، وتكشفت لي الأطروحة الخطيرة التي عمل النفوذ الغربي على ترويجها والتي بدأت منذ نهاية الحروب الصليبية، عندما دعا القديس لويس إلى ما يسمى (حرب الكلمة)، وذلك بتزييف مفهوم الإسلام، وتحويله إلى دين لاهوتي مشابه لبعض الأديان المحرفة والبشرية .

وقد كتب الشيخ يوسف القرضاوي بعد وفاة الجندي عام 2002: علمت بالأمس القريب فقط أن الكاتب الإسلامي المرموق الأستاذ أنور الجندي قد وافاه الأجل المحتوم، وانتقل إلى جوار ربه، منذ يوم الاثنين 28 يناير/ كانون الثاني 2002م، بلّغني ذلك أحد إخواني، فقلت: يا سبحان الله، يموت مثل هذا الكاتب الكبير، المعروف بغزارة الإنتاج، وبالتفرغ الكامل للكتابة والعلم، والذي سخّر قلمه لخدمة الإسلام وثقافته وحضارته، ودعوته وأمته أكثر من نصف قرن، ولا يعرف موته إلا بعد عدة أيام، لا تكتب عنه صحيفة، ولا تتحدث عنه إذاعة، ولا يعرف به تلفاز . كأن الرجل لم يخلف وراءه ثروة طائلة من الكتب والموسوعات، في مختلف آفاق الثقافة العربية والإسلامية . وقد كان عضواً عاملاً بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، ومن أوائل الأعضاء في نقابة الصحافيين، وقد حصل على جائزة الدولة التقديرية سنة 1960م . لو كان أنور الجندي مطرباً أو ممثلاً، لامتلأت أنهار الصحف بالحديث عنه، والتنويه بشأنه، والثناء على منجزاته الفنية .

رحم الله الجندي وجزاه بما هو أهل له .