لماذا لوركا الآن؟

لماذا يمكن أن يكتب عنه بعد نحو 76 عاماً على مصرعه بيد عصابة فاشستية تعقبته في غرناطة وأسالت دمه على تراب أندلسي له رائحة الزيتون بعد حياة قصيرة في مثل عمر الفراشة .

38 عاماً فقط عاشها لوركا وكلها في قلب الشعر . ملأ زمانه ومكانه وأبعد من مكانه بصورته الأندلسية المشرقة، عاش من 1898 وحتى ،1936 سنوات قصيرة زمنياً ولكنها طويلة إبداعياً، سنوات ممتدة في الذاكرة وفي التاريخ، لماذا لوركا بعد أكثر من مئة عام على مولده؟ لماذا استعادة لوركا بعد شريط الزمن هذا المائل إلى لون الوردة ولون الدم؟

شاعر تجري في عروقه دماء عربية، يقول د . علي سعد في دراسة أنجزها في عام 1954 إن لوركا وضع مجموعة قصائد تحت عنوان ديوان تاماريت يقلد فيها صيغة الشعر العربي، وهنا لنتأمل كيف توغل لوركا في ذاكرتنا الثقافية العربية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي .

ها هو د . علي سعد يضع هذه الدراسة التي تمهد لمسرحيته عرس الدم بعد مقتله بنحو عشرين عاماً فقط ونقلت المسرحية إلى العربية بترجمة صافية .

وفي العام 1959 وضع ج .ل . جيلي دراسة أخرى حول لوركا وتمت ترجمتها إلى العربية بقلم الشاعر سعدي يوسف تحت عنوان الأغاني وما بعدها نشرت الطبعة الأولى منها في بيروت في دار ابن رشد عام ،1981 ثم أخذ شعر لوركا ينتشر في شرايين الثقافة العربية دماً حاراً متدفقاً .

مرة ثانية لماذا لوركا بعد سبعة عقود من الزمان شهدت البشرية خلالها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، ووقعت خلالها بلدان عربية وغير عربية تحت نظم استعمارية طاغية، ثم انطلقت خلال تلك السنوات ثورات سياسية كبرى في الوطن العربي وفي العالم . ثم تحررت بلدان كثيرة في العالم من نير الاستعمارات الطاغية، ثم ظهرت قوى دولية قطبية وتبع ذلك حروب باردة وحروب ساخنة، ثم ظهرت تكتلات سياسية واجتماعية وثقافية وفكرية ذات أيديولوجيات مختلفة موزعة بين الشرق والغرب، ثم تفككت دول وانهارت إمبراطوريات، ثم ظهرت إمبراطوريات أخرى لها نفوذ سياسي وثقافي واقتصادي قَسَّم العالم إلى معسكرين وأكثر، ثم قسَّم العالم إلى عالم أول وعالم ثالث بعد القفز على عوالم صغيرة منسية في خريطة العالم .

منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أي العقد الذي قتل فيه لوركا على خلفية سياسية لم ينته شلال الدم، ولم ينته القتل .

قتل الناس، وقتل الشعراء، وقتلت الأوطان .

لذلك كله أقول الآن: لماذا لوركا؟

قبل أن أجيب عن تساؤلات كهذه لا حاجة لأن أعرِّف بما هو مُعَرَّف ومعروف: فيديريكو غارسيا لوركا . من لا يرى النار في رأس الجبل إما أنه أعمى أو أنه لا حاجة به إلى حرارة الحطب، لوركا حطاب الشعر . حطاب البساتين والجبال، ولد بسرعة ومات بسرعة وكتب الشعر بسرعة، لذلك، ينبغي التعريف به أيضاً بسرعة لمن لا يرى النار في أعلى الجبل، ذلك الجبل الذي كان يصعده الغجر الأندلسيون الفقراء الذين أحبهم لوركا، لا لأنه غجري، بل لأنه كان يذهب دائماً إلى كل ما هو إنساني وجميل وهامشي لكي يوبَّخ القبح ويلعن الشر .

ببساطة أحيل القارئ والمستمع إلى كتاب مهم جداً، هو مرة ثانية كتاب عرس الدم يحلل فيه د . علي سعد آثار لوركا ويطابق فيه بين شعره وشخصيته وحياته .

على سبيل المثال نقرأ في هذا الكتاب شيئاً من وصية لوركا:

عندما أموت

ادفنوني مع قيثارتي

تحت الرمال

عندما أموت

بين البرتقال والنعنع

عندما أموت

ادفنوني إذا شئتم

في مهب الريح

أبوه مزارع، ومسقط رأسه في غرناطة، كان رساماً أيضاً، يقول عنه بابلو نيرودا إنه كان ومضة طبيعية، وطاقة في تحول دائم، وفرحاً وألقاً متوهجاً حناناً فوق طاقة الإنسان من كتاب عرس الدم .

شاعر عربي نسيناه في الأندلس وربما نسيناه في الشمال الإفريقي العربي، يقول د . علي سعد: يعتقد الكاتب الفرنسي لويس باور أن كتاب لوركا أغانٍ غجرية لم يكن سوى تكملة للأزجال المغربية التي كانت تغني في غرناطة في الحقبة التي جعل فيها العرب من الأندلس أجمل مملكة في إفريقيا على حد قوله .

هذه المعلومة قد تعزز جملتي التي قلتها قبل قليل: إن دماء عربية تجري في عروق لوركا . وكم علينا نحن العرب واجب البحث عن دمائنا العربية التي تجري في عروق الكثير من الكتّاب الإنسانيين الكبار في العالم .

قبل نحو خمسة عشر عاماً أجريت حواراً نشر في مجلة الشروق مع الروائي البرازيلي جورجي آمادو . كان الحوار بالهاتف وترجمته فورياً الصحافية سونيا امبروزيو، وعندما سألني من أين تتحدث ومن أنت قلت له أنا عربي وأتحدث من الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة فقال لي: تجري في عروقي دماء عربية، ونُشِرَ الحوار بهذا المانشيت وبهذا العنوان الذي أعتز به في حياتي المهنية .

هذه تفصيلة صغيرة فقط لكي أعود إلى دم لوركا العربي الذي ذهب في العام 1929 إلى الولايات المتحدة الأمريكية . هناك نفر من بلاد لا تشبه الأندلس .

حي هارلم في نيويورك بالنسبة إلى لوركا الأندلسي المزارع أو الفلاح لا يمكن أن يشبه غرناطة التي عاد إليها وقتل فيها .

أشواق لوركا كانت أكبر من حياته . يقول المتنبي:

وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

كان في أمريكا يريد الوصول إلى شعراء يتطابقون مع روحه الأندلسية الخضراء أو الزيتونية إن جازت العبارة، ولكن القتلة كانوا ينتظرونه على أحر من الثلج في غرناطة .

كتب المسرح بروح شعرية . لا يمكن مقارنة مسرح لوركا بمسرح الألماني برتولت بريخت أو مسرح العبث عن صموئيل بيكيت . مسرح لوركا امتداد آخر لشعره النقي مثل عين الصقر .

لم يكن لوركا منخرطاً في أي تنظيم سياسي أو حزبي أو طائفي أو حتى أيديولوجي، ولكن شعره وربما شخصيته ومزاجه الحار أزعج بلطجية وشبيحة النظام الفاشستي في إسبانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي، ولذلك قتل على يد قاتل من المؤكد أنه غبي ولا يعرف من قتل .

يقول ج .ل . جيلي في ختام مقدمة كتاب الأغني وما بعدها إن شخصه وفنه لا يمكن فصلهما عن بعضهما، وما قاله عن غونغوار، يقال عنه: غونغواد ينبغي ألا يقرأ . . ينبغي أن يحب .

مرة ثانية من غير اللائق تعريف المُعرَّف، ولذلك، وبعد هذه الومضات السريعة المهمة المكتوبة حول لوركا قبل عقود طويلة من الزمان أعود إلى تساؤلاتي الأولى .

لماذا لوركا الآن؟

ببساطة، لا نستعيده، بل، نتمثله .

نتقمصه قليلاً وننظر في أحوالنا العربية وغير العربية، وكم فيها من أعراس الدم، وكم في الأرض من طغيان قائم، وكم من طغيان يزول . كم شاعراً عربياً وغير عربي ولد في العشرينيات والثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين وكان مصيره مثل مصير لوركا . القتل في الليل والقتل في النهار . وغرناطة التي كانت أحب أرض البشر بالنسبة إلى لوركا لها ما يشبهها في الأرض التي ولد على ترابها شعراء بعدد السنابل في الحقول، السنابل التي لا تأكلها الديدان .

لوركا صورة أولية لشاعر جميل وجهاً وجهةً ولغةً وموقفاً وحيوية وحياة .

حياة في أقل من أربعين عاماً، كان خلالها يغني، فقط يغني، استعار الأغاني الشعبية الأندلسية التي كان يكتبها أو يقولها شعراء ريفيون أندلسيون وغَذَّى بها شعره، هذا الطائر الأيقوني القليل الريش، ولكن الأكثر قدرة على الطيران، ثم أخذ عنه شعراء عرب في ما بعد .

أخذ من روحه محمود درويش، درويش الكبير استعار من لوركا، عبدالوهاب البياتي أخذ منه القليل من الحلوى . نزار قباني كان يجلس إلى مكتبه في بيروت ويُفَكِّر كيف يحول دم الثور في المبارزة إلى لغة إنسانية . نيرودا بكى عليه، شعراء من العرب ومن الغرب ومن الشرق ومن الغرب، من الشمال ومن الجنوب عقدوا معه صلة قربى، وكانوا يأملون أن لو عاش شاعر مثله إلى أكثر من ذلك، لكي يتناولوا خبزته مع حبة زيتون .

لماذا قتلته عصابة إرهابية، وهو الجميل مثل وجه الشمس، هو الذي لم يكن يحمل مسدساً ولا يقود رهطاً من القتلة المغفلين، هذا التساؤل لا يمكن الإجابة عنه إلا من خلال شعره .

لوركا في الواقع الشعري وفي الواقع المتعلق بالذاكرة الثقافية الإنسانية يمثل نموذجاً صريحاً يؤشر ببساطة إلى الشاعر الذي هو ضحية الجهل والطغيان والعماء السياسي والأدبي والأخلاقي الذي يعم الأزمنة والأمكنة والسياسات والثقافات في كل أنحاء العالم .

كان يمكن لذلك الرجل الذي أطلق الرصاص على لوركا في ذلك الفجر الأندلسي الأخضر أن يسأله عن اسمه فقط . لكن لو أردت أن أنهي هذه المادة على نحو افتراضي لوضعت هذه الحوارية الصغيرة:

* ما اسمك؟

- فيديريكو غاريسا لوركا .

* كم عمرك؟

- ستة وثلاثون عاماً .

* أين ولدت؟

- في الخامس من حزيران في قرية فوينتيفا كيروس .

* أين تقع هذه القرية؟

- بالقرب من غرناطة .

* ماذا يعمل والدك؟

- يعمل مزارعاً .

* لماذا تكتب شعراً كثيراً عن الغجر؟

- لأنني أحب الألوان الجميلة في ثيابهم .

* لماذا يبدو شعرك غنائياً كأنه يخرج من بوق مصنوع من المحار؟

- فقط أحب الأصوات .

* لك قصيدة اسمها الزوجة الخائنة تقول فيها:

وأخذتها إلى النهر

أحسب أنها عذراء

لكن كانت امرأة متزوجة

- في الشعر تشتغل المخيلة، وأنا لوركا خيالي أكبر مني .

* وأكبر ممن؟

- أكبر منك وأكبر من سيدك .

* أنا السيد هنا، لأن معي مسدسي هذا .

- وأنا معي قصيدتي .

وهنا . . يضحك لوركا .

قراءة لوركا بطريقة افتراضية أو على نحو واقعي تماماً، أي الذهاب إليه في عقر داره بعد سبعين عاماً أو بعد سبعين شاعراً ولدوا بعده يشكل في نهاية الأمر حضوراً للشعر في حد ذاته، وحضوراً آخر للشاعر أيضاً .

بكلمة ثانية، الآن لوركا، نعم .

لوركا أو أولئك الشعراء الذين تربطهم صلة قربى به وبغيره أو بصورته وكينونته الإنسانية والنفسانية والمزاجية مثل المتنبي، البحتري، ديك الجن الحمصي، المعري، رامبو، عبدالوهاب البياتي، ابن الرومي، امرئ القيس، ناظم حكمت، أراغون، الجواهري، عبدالله البردوني، وغيرهم وغيرهم من شجرة العائلة الشعرية . نعم لتمثلهم واستعادتهم واقعياً أو ا فتراضياً، لماذا؟ لماذا فقط، لأن عرس الدم العالمي مازال يرفع صوت دفوفه وصولجاناته في هذه الأرض الصغيرة التي اسمها أرض البشر .

من تلك المرأة التي أرضعت لوركا وهو يرى النهار في الأندلس للمرة الأولى .

تلك المرأة التي عندما أعطته حليب الحياة، تماسك وكبر بسرعة وقال، وعندما قال لم يقاطعه أحد:

***

نصوص أخرى إلى لوركا من كتاب عرس الدم .

يقول د . علي سعد إن لوركا استمدها من الفن الشعبي ص 14 كتاب عرس الدم صادر عن دار الفارابي في بيروت في العام 1985 في طبعته الثالثة . وهذا الكتاب المهم صدرت طبعته الأولى عن دار الفارابي في العام ،1954 فإذا كان من الممكن أن يتأمل القارئ قليلاً في مثل هذه الكتب إذا كانت موجودة في مكتبته . . يمكن أن يقول لنفسه كيف أنني الآن أقرأ في كتاب منشور أو موضوع قبل أن أولد . فعلاً، الكتب تولد قبل البشر .

أهمية عرس الدم، والغريب أنه صدر في أوائل ثمانينيات القرن الماضي عن سلسلة ليست سلسلة شعرية وإنما صدر عن سلسلة المسرح العالمي . . إنه في العمق كتاب شعر أكثر منه كتاب مسرح، والكتاب كتاب ثقافة شعرية إذا أردت اعتباره ثقافة شعرية، ولذلك أقترح على القارئ هذا النموذج الذي يشير إلى الاقتراب الحميم بين لوركا وبين الفن الشعبي . . المصدر عرس الدم .

هنا النص منقولاً من الكتاب المشار إليه والذي يوضح كيف أن لوركا ابن ثقافة شعبية خالصة:

في الليل المطمئن

يغني الأطفال

يا جدولاً رقراقاً

يا ينبوعاً ريِّقاً

الأطفال:

ماذا يحتوي قلبك؟

الإلهي المتفتح في العيد

أنا:

جرس الموت الذي يدق

في قلب الضباب

الأطفال: يا جدولاً رقراقاً

يا ينبوعاً ريِّقاً

ماذا تحمل في يديك الربيعيتين

أنا: وردة من دم

وزنبقة .

***

هذه زيارة قصيرة إلى لوركا الذي لم يكن جباناً بما فيه الكفاية لكي يجعل من قتلته أبطالاً، وهذا بالضبط ما جعل قتلة الشاعر غير معروفي الاسم والنسب . لقطاء عابرون أطلقوا الرصاص فقط، فيما عاش لوركا في إسبانيا، بل أصبح اسمه أكبر من بلاده، وبعد ذلك أخذ الفلاحون في الأندلس يزرعون نوعاً من الزهور تسقط عليه في الفجر قطرات من الندى والدموع تشبه ذلك الماء الذي نبع من جبين الشاعر حتى إن قرية في إسبانيا اليوم اسمها: لوركا .

حقول الزيتون

أريد أن أنام نومة التفاح

أريد أن أهجر نوبة المقابر

أريد أن أنام نومة الطفل الذي

أراد أن يقطع قلبه

على البحار الهائجة .

***

يتفتح حقل الزيتون

ويغلق حقل الزيتون

كمروحة

فوق الحرج سماء غامقة

مطر أسود من نجمات باردة

في ضفة النهر

ترتجف العتمة والقصب

ويموج هواء داكن

أشجار الزيتون تضج بها الصرخات

سرب الطيور مأسورة

تشرع أذيالاً متطاولة

في الظل .

***

قرطبة بعيدة وحيدة

مهر أسود . . بدر

زيتون في خرجي

لكني . . حتى لو أني

أعرف هذا الدرب

فلن أبلغ قرطبتي

***

البنت الحلوة تجمع زيتوناً

والريح أمير الأبراج

يأخذ هذي الحلوة بالخصر

فرسان أربعة

مروا فوق جياد أندلسية