أبوظبي - منّي بونعامه:
تعد منطقة "ليوا" معقل التاريخ وموطن الحضارة في إمارة أبوظبي، تفوح من شذى عبيرها الفواح رائحة الرطب والثمار اليانعة، والتراث الأصيل، مشكّلة بذلك لوحة تاريخية تتناغم فيها البيئة الصحراوية الرملية مع الواحات الغناء، وعلى أرضها شيّد الإنسان الإماراتي حصوناً وقلاعاً منيعةً تقيه نوائب الدهر، وتحميه من كل شر أو عدو متربص، كما تعتبر من أكبر الواحات في شبه الجزيرة العربية .
عرفت منطقة "ليوا" التي تقع في الطرف الشمالي من صحراء الربع الخالي في إمارة أبوظبي بواحاتها الجميلة، وقلاعها التاريخية العتيدة، ظهرت فيها قرى سكنية قبل القرن السادس عشر، وقام سكانها بزراعة التمور، لكن أهميتها كمركز تنسيق اقتصادي في المنطقة تراجعت بسبب تصاعد أهمية صناعة اللؤلؤ، وهجرة آل بو فلاح (أسرة آل نهيان) إلى أبوظبي خلال أوائل التسعينات من القرن الثامن عشر، كما ترتبط المنطقة تاريخياً ارتباطاً وثيقاً باتحاد قبائل بني ياس الذي شكّل الإطار الجامع لقبائل المنطقة التي انضوت تحت لوائه، وقد بنيت قلاع "ليوا" وحصونها بهدف تحصين المنطقة وتأمينها، وحماية مصادر المياه وتحديد أراضي الأسر المختلفة، وهي تصل خمسة عشر برجاً وقلعة متفرقة في الواحات، ومن هذه القلاع قلعة ظفير التي بناها بنو ياس، وموقب بناها الشيخ سلطان بن زايد، وقلعة الغريب، وقلعة الطرق، وقلعة خنور، التي بناها بنو ياس، وقلعة حويل التي بناها المناصير في الفترة 1883م-1890م، وقلعة قطوف بناها بنو ياس وقلعة نميل "نهيل" بناها آل بوفلاح . ومن القلاع المشهورة في "ليوا" أيضاً قلعة الميل، وقلعة العد التي بناها آل بومنذر عام 1905م وهي حالياً انقاض وقلعة الجبانة، إضافة إلى برج مارية الغربية بنيت بأمر من الشيخ حمدان بن زايد (1905-1915) وبرج المارية الغربي، وقلعة الهيلة التي لم يبق منها سوى برج أسطواني، وقلعة "مزارعة" في البطين وهي أقدم حصن في "ليوا" ولم يبق منه سوى الأنقاض، وقلعة "العد" بناها آل بومنذر قبل 50 عاماً .
قلعة الميل
"الميل" هي عبارة عن قلعة مربعة الشكل، لها مدخل رئيسي مؤدي إلى صحنها الذي تحيط به أربع غرف، منها اثنتان تقعان على جانبي المدخل ويمكن عبرهما الوصول إلى برجي القلعة، وتتكون الغرفة الثالثة من مدخل وشباك، بينما يطل مدخل الغرفة الرابعة على صحن القلعة .
يحيط بالقلعة سور ارتفاعه خمسة امتار تقريباً، ويوجد على يمين مدخلها الرئيسي درج يمكن الصعود عبره إلى سطح القلعة، وتوجد بها أشكال هرمية وفتحات دائرية، وهي معدة لأغراض حربية، للمراقبة وإطلاق سهام وذخائر لصد الأعداء .
إن الموقع الجغرافي لقلعة "الميل" وغيرها من قلاع ليوا، معقل التاريخ، جعل منها محوراً مركزياً سياسياً واقتصادياً، ولعبت أدوراً تاريخية مهمة منذ تشكّل اتحاد قبائل بني ياس إلى أن هاجر الفرع النهياني متجهاً إلى أبوظبي، وقد بنيت تلك القلاع والحصون باللبن أو الطوب، والطين وحجر الكلس، والجص لتغطية الجدران، بينما سقّفت بجذوع النخيل وسعفها . وتشي أعداد القلاع والحصون في المنطقة إلى الدور التاريخي الذي لعبته عبر الحقب والأزمان الغابرة، ذلك الدور الذي لم يقتصر فقط على تأمين وتحصين المنطقة داخلياً وخارجياً من أي خطر محدق، بل كانت دائماً رمزاً للتاريخ الذي يفوح من جنباتها، فقد كانت مركز السلطة ومنبر الاحتفالات والمناسبات الرسمية والدينية، كما استخدمت القلاع لإقامة الحدود .
ويحتفظ نمط البناء المعماري وطرزه المتنوعة، الذي يستوقف الناظر لهذه القلعة وغيرها من قلاع المنطقة، بالعمق التاريخي والحضاري، ويؤرخ لذاكرة المكان في أوضح صوره وأجمل تعبيراته، مختزناً عبق التاريخ وبريق الحضارة، المتناثر على جنبات الطرقات الماثل في نمط البناء والتطريز والزخرفة، التي ترمز كلها إلى تاريخ موغل في القدم تكيّف الإنسان معه على هذه الأرض وآنس فيه رشده، ووجد فيه مأواه وملاذه، فشيّد عليه صروحاً شامخةً ومعالم تاريخية خالدة لا يزال الإنسان الإماراتي يتنفس تاريخها العريق ويستعيد ذكراه الجميلة بما تحيل إليه من عمق وعراقة وجمال وإبداع .