تزايدت في السنوات الأخيرة التلميحاتُ والإشاراتُ إلى قصيدة الهايكو اليابانية في الثقافة العربية، ولاحظتُ خلال تصفح بعض المواقع الأدبية على شبكة الانترنت أن هذه القصيدة بدأت تجتذب أعدادا متزايدة من القراء المعجبين والمتحمسين والمتسائلين، فمنهم من تدهشه لماحيتها البرقية ومنهم من يتحمس لغموضها غامر الايحاء، ومنهم من يتساءل عن مصدرها. وإلى جانب هؤلاء هناك من يقدم شيئا منها صادفه في كتاب أو صحيفة، وهناك من يحاول محاكاتها، من دون أن ننسى ملاحظة أن هناك من استهان بها وحسبها مجرد ترتيب كلمات تصف الطبيعة بلا غاية أو هدف.

في هذا المسار سأتخذ طريقي إلى قصيدة الهايكو ممثلة بأشهر شعرائها، أعني الياباني ماتسو باشو (1644-1694)، عبر شراحه الكثر مع القليل من تعليقاتي الشخصية وشيء من التنويروالإضاءة والتعريف، في محاولة لوضع هذه القصيدة في مناخاتها التي ولدت وترعرت فيها، وتقديم صورة تقريبية لما تعنيه بالنسبة للشعراء والنقاد اليابانيين.

صحيح أن العالم ، وعالم الغرب بخاصة، انتبه إلى هذه القصيدة منذ مطلع القرن العشرين، وتزايد احتفاء شعرائه بها، محاكاة ودراسة، وصحيح أن الوطن العربي عرف وإن على نطاق ضيق مايشبه الانتباه إليها أيضا، ترجمة ومحاكاة في وقت متأخر لايكاد يتجاوز ثمانينات القرن العشرين، إلا أن كل هذا الانتباه بشقيه لم تتردد له أمواج ملحوظة في أنهار الشعر العربي الجديد منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة، ولانجد بين أيدينا تراثا يعتد به مثلما حدث مع امواج الشعر العربي التي تموجت واضطربت تحت تأثير الشعر الغربي الذي تحول الى مرجعية شارحة ومفسرة لحركات تجديد الشعر العربي. لهذا السبب يكتسب هذا المسار بأسلوبه الذي نقترحه أهمية استثنائية. إنه عودة إلى الأصل من دون احتطاب بليل كما حدث مع بعض الذين تداولوا أمر قصيدة الهايكو وما سمعوه عنها كمن يتداول إشاعة أو خرافة.

الأهمية التاريخية لشاعر الهايكو الكبير، ماتسو باشو، أو شجرة الموز إذا ترجمنا اسمه حرفيا، واضحة وضوحا لالبس فيه، فقد أظهر، إلى مدى غير معروف من قبل أبدا، الممكنات الشعرية للشكل ذي السبعة عشر مقطعا. قبل زمنه، كانت القصيدة المسماة هايكاي لعبة متمدنة لتزجية الوقت أكثر مما كانت شعرا جادا، وكان مطلعها المسمى آنذاك هوكو والذي سينفصل عنها في ما بعد ويستقل تحت اسم الهايكو جزءا منها. واستطاع باشو بحساسيته الأدبية الحادة وسيطرته المتمكنة على اللغة استكشاف كل الممكنات الهاجعة في هذا الشكل الشعري. لقد كان مستكشفا جريئا كما يقول عنه ماكوتو ايدا، فقد استخدم الكلمات العامية واستعار من اللغة الصينية الكلاسيكية، وكتب هوكو بثمانية عشر أو تسعة عشر مقطعا أوأكثر. بل والأكثر أهمية انه سعى إلى جعل الهوكو تستجيب للتجربة الانسانية الفعلية، لما رأى وفكر وشعر بنزاهة وإخلاص نادرين. لم يرفض باشو رفضا تاما سمات الهايكاي الممراحة أبدا، ولكنه بين أن الهوكو كانت قادرة على أن تحتوي في شكلها الموجزعلى كل حالات الحياة الانسانية، العاطفي منها والشعوري. أو بكلمة مختصرة، لقد أبدع شعرا جادا جاء نتاج ما كان معروفا على نطاق واسع إنه لعبة مسلية.

ولكن أهمية باشو كشاعر تتفوق على أهميته التاريخية، لأن ما سكبه في شعره يمتلك جاذبية كونية ودائمة. وحاول القراء تفسير هذه الجاذبية بطرق مختلفة، إلا أنهم مالوا إلى الاتفاق على أن شعر باشو، منظورا إليه بكليته، يكشف عن جهد استغرقه طيلة حياته للعثور على معنى في الحياة.

لقد مر باشو، المولود في عائلة دون الطبقة الحاكمة مباشرة والذي أخفق مبكرا في محاولته الصعود اليها، بمرحلة شباب مثقلة بالشك الذاتي والقلق بل وحتى الخيبة. ومع ذلك، امتلك هو العائش في عصر تال على العصور الوسطى، ثقة عالية بإمكانية الانسان على أن يعتنق إنكار الذات. فسبر، في بحثه المكثف عن مخطط قابل للتطبيق، أعماق الطاوية وبوذية الزن. وفي نهاية المطاف وجد، أو اعتقد أنه وجد، ما التمسه في ما سماها فوجا أي طريقة حياة الفنان، وهي طريقة نسك مكرسة لسعي وراء حقيقة أبدية في الطبيعة. وكانت النزاهة التي تابع فيها ال فوجا نزاهة مؤثرة حقا. ولكن رغم هذا، من المهم ملاحظة أن الظنون والهواجس ظلت تساوره حول القوة المنجية والصادقة لهذه الطريقة، ولا يبدو أنه استطاع حتى آخر أيامه مزج الشعر بالإيمان مزجا كاملا.

مقاطع غير مكتملة

قصيدة الهايكو، وهذا هو الاسم الذي أصبحت تعرف به الهوكو في القرن التاسع عشر، والتي أصبحت تتكون من سبعة عشر مقطعا، تتطلب مشاركة فعالة من اولئك الذي يقرؤونها، لأن الشاعر يترك القصيدة غير مكتملة، أو هكذا تبدو، ومن المتوقع من كل قارئ أن يكملها بتفسير شخصي. ومن هنا من المفيد رؤية كيف قام آخرون بتفسير قصائد معينة. فلنبدأ إذن بهذه القصيدة:

عتمة البحر

نداء بطة بريّة

شاحب البياض

يقول الناقد هاندا إن هذا التركيب يمكن أن يكون بصيغة معتادة كما يلي:

عتمة البحر

شاحبة البياض

نداء بطة بريّة

ولكن باشو يتعمد إحداث قلب بين العبارة الثانية والثالثة. إنه يختار أن يستمر بسلاسة مع مقاطع السطر الثاني الخمسة لينتهي بقوة بسبعة مقاطع في السطر الثالث. وكانت النتيجة أن لغة القصيدة لم تتتابع فقط، بل وخلقت احساسا قويا بالاستقرار.

أما الناقد كومي يا فيرى أن ماهو صارخ في هذه القصيدة هو تلفظ السطرين الأخيرين حيث توصف ظاهرة سمعية بتعابير بصرية. وقد أنجز الرمزيون الفرنسيون الكثير بهذه الوسيلة، ولكن من الواضح أن باشو لم يتعلم هذه الطريقة منهم، بل منح الانطباع الذي شكله بوساطة حساسيته تعبيرا مباشرا وأمينا، وانتج قصيدة حية لاشيء مصطنعا فيها وغير طبيعي. ويتوسع ناقد آخر هو اواتا فيقول: إن البخار الأبيض الشاحب فوق البحر ونداء البطة البرية امتزجا في مدركات الشاعر الحسية. بالطبع، العين هي التي شاهدت البياض، والأذن هي التي سمعت الصوت، ولكنه شعر كما لو أن عينيه شاهدتا ما سمعته أذناه، وحول هذا الشعور العذب إلى قصيدة.

وينبه الناقد اوجاتا القارئ بأن عليه أن يدرك ان سطر نداء بطة بريّة يكثف مشاعر حنين وشجن الشاعر الجوال الذي ما زال يتجول بين الطرقات مع نهاية العام. وقد ركز شراح الشاعر السابقون على تعبير شاحب البياض وغفلوا عن هذه النقطة.

وأخيرا نجد لدى الناقد كونيشي استطرادا لافتا للنظر. يقول: أسلوب هذه القصيدة وصفي، وهو أسلوب غير موجود في قصائد الشاعر المبكرة. إنها تصف مشهدا وصفا موضوعيا من دون إدخال عاطفة من العواطف مثل السعادة أو الأسى، إلا أن هذا النهج لايجب أن يُخلط بمبدأ شاسي أي مبدأ الواقعية، الذي أصبح رائجا في أوائل القرن العشرين بعدما وفد بتأثير الواقعية الغربية، فهذا المبدأ لم يظهر في الأدب الغربي حتى القرن التاسع عشر. ومن الواضح أن باشو استمد هذا المبدأ من الراهب فوكوجاوا حين بدأ يدرس بوذية الزن، وكان رهبان هذه البوذية يجيدون وصف مشهد وصفا موضوعيا بكلمات قليلة، ويجسدون في هذا الوصف حقيقة كونية.

في هذه الشروح إشارة أو تلميح إلى ما يمكن أن يسمى تراسل الحواس، أي التنافذ بين مجالات الحواس سواء كانت سمعية أو بصرية أو حسية، وهذا التنافذ يكسب اللغة وظيفة غير معتادة تكون معها قادرة على القبض على أشد لوينات المشاعر رهافة. لقد انزاح تركيب السطور عن المعيار المعتاد كما أشار هاندا فتحول إلى تركيب ذي دلالة مختلفة عن الدلالة المألوفة. ويبدو أن السبب حدسي قبل أن يكون فكرة ذهنية، فهنا ليس مجرد تحويل السمعي الى بصري، بل إقامة مسافة توتر قائمة على تضاد بين العتمة والبياض وبينهما النداء، نداء البطة البرية، المتحرك الذي يصل بين الاثنين، بين المعتم البعيد والبياض القريب. وقد اقتضت الحالة النفسية هذا التركيب كحدس شعري، فارتسمت العتمة للوهلة الاولى ثم النداء القادم من بعيد ممتدا مثل امتداد البياض ومتلامحا مثله.

هو الربيع

تل بلا اسم

في الضباب الخفيف

هذه القصيدة، مع أنها تبدو واضحة، كما يقول الناقد اوتسوبو، إلا أن وضوحها من النوع النادر.

أما أرضيتها، فيرجعها الناقد اوجاتا إلى تقليد كلاسيكي، حيث دأبت أجيال من الشعراء على تبين قدوم الربيع حين ترى الضباب معلقا فوق الجبل.

ولكن الناقد ياماموتو يلتفت إلى صوت كلمات القصيدة الناعم، فيرى أن هذه الكلمات تحثنا على رؤية بصرية، على رؤية الخطوط الخارجية المرهفة لتلك التلال في مقاطعة ياماتو.

بين الفكري والحسي

أن نشعر بفكرة كما نشعر بشذى وردة،هذا تعبير للانجليزي ت. س. اليوت في وصفه لما أطلقنا عليه تراسل الحواس. هو لم يستخدم هذا المصطلح، ولكن من الواضح ان انبثاق هذا التمازج بين الفكري والحسي هو نتاج تكامل في الحساسية. لنقرأ هذه القصيدة :

وأنا أتقدم على طريق الجبل

تمس شغاف قلبي بطريقة ما

بنفسجة بريّة

يقول الناقد ميسيتسو إن الشاعر قال هنا ماشعر به بالضبط، ولذا جاءت القصيدة واضحة. أما الناقد كيون فيرى أنها تصف وصفا حيويا عاطفة الشاعر الذي شعر بحنان بالغ تجاه الزهرة، وكاد أن يتحدث اليها.

وهنا رأي آخر، فالقصيدة كما يرى الناقد روهان، أبعد ماتكون عن كونها قصيدة عميقة لأن الشاعر يشخصن في السطر الأوسط البنفسجة، والزهرة ما كان لها أن تبدو بالغة الجاذبية لو كانت وردة جبلية أو فاوانيا. ما فتن الشاعر هو أنها كانت تتفتح تفتحا غير واضح وسط العشب على امتداد طريق جبلي.

الناقد هاندا يمسك بسر هذه الشخصنة المشار اليها: إن سطرها الافتتاحي يوحي بأن الشاعر سار مسافة طويلة على طول الطريق الجبلي، وفي مثل هذه الوضعية، من الطبيعي أن يشعر بانجذاب كبير تجاه بنفسجة متفتحة. لقد حدق فيها مركزا تفكيره فرأى الزهرة تتفتح هناك ببراءة. وبدا لعيني الشاعر أنها تمتلك شعورا مماثلا لشعوره. إنه لايستطيع شرح لماذا بدت هكذا، ولكنه فكر أنها فعلت هذا، أي شعرت بشعور يماثل شعوره. والسطر الأوسط يشير إلى هذه الحقيقة.

ويضيف الناقد نيجوشي بعدا آخر بقوله: إن بنفسجة ترفع رأسها بين أعشاب الغابة لاتعدو كونها ذرة ضئيلة في مجموع الوجود، ومع ذلك فإن الشمس، مركز كوننا، تدور حولها. لقد منح باشو هذا الاحترام ذاته لكل الظواهر الطبيعية بغض النظر عن حجمها، صغيرة كانت أو كبيرة.

ويتوجه ناقد آخر إلى القارئ، فيرى ايبارا أنه يمكنه الشعور بالطريقة التي يفعم فيها تدريجيا جمالُ شيء من الأشياء، صغير ومرهف وسط محيط هادئ، قلب مشاهد بنوع من الحنان.

ويقارن الناقد ياماموتو بين قصيدة باشو هذه وأخرى للشاعر بوسون الأقدم منه. وهذه هي قصيدة بوسون:

بالنسبة للناس

الذين ينخلون العظام، كم تبدو غالية

بنفسجة بريّة

يقول: تعبر هذه القصيدة عما يوحي به باشو بغموض في سطر تمس شغاف قلبي بطريقة ما.

إن بوسون بتقديمه لصورة تظهر التباين بين الناس الذين يجمعون عظام الأعزاء من المحرقة وبين البنفسجة، يعزز ويعمق هذا التباين، بل ويضيف حتى دعابة من دعابات الهايكاي إلى جمال بنفسجة غالية. وفي هذا دليل كاف على أن للهايكو المعاصرة جذراً في زمن بوسون. ولكن حساسية باشو جعلته يقول أشياء مثل اين هي الروعة في قول كل شيء؟ ولايجب أن تنطق الهوكو بكل شيء. في شعر باشو، ما يبقى غير معبر عنه يسنده شيء كامن خلفه. وفقدان هذا الشيء ينتج عنه في النهاية انعدام تكامل في الحساسية كما يمكن أن يلاحظ في قصيدة بوسون الرومانسية. أما حساسية باشو فقد مكنته من الاحساس بالفكر مباشرة كما هو الاحساس بشذى الوردة على حد تعبير ت. س. اليوت، وساعدت القصيدة أيضا على عدم الوقوع في الميوعة العاطفية.

إضاءة

نضع يدنا هنا على أداتين من أدوات التحليل النقدي، الغموض الموحي وتكامل الحساسية. فحين يلجأ الشاعر إلى الغموض الموحي، أي عدم قول كل شيء، مع الابقاء على ما يسند هذا الشيء الغائب، إنما يعبر عن قيمة عليا من قيم النظرة الجمالية اليابانية التي ترى الجمال في بدايات التفتح وأواخر الذبول لا في الاكتمال الذي لا روعة فيه. وفي هذا تعبير عن نزعتين، الاولى إعطاء المشاهد أو القارئ نصيبه من المشاركة، والثاني البقاء على الحافة المنذرة بكل الاحتمالات. في الاولى لايقف المشاهد أو القارئ موقف المتلقي السلبي، بل موقف المشارك الفعال، وفي الثانية انفتاح دائم على ما يأتي. ولم يعرف العالم إلا حديثا التنظير لما سمي بالنص المفتوح، أي ذلك النص غير المكتمل إلا بالحد الأدنى الضروري من العناصر في انتظار قراء فعالين يأخذون نصيبهم في قراءة النص وأدائه من زواياهم الشخصية. أما تكامل الحساسية، فأفضل ما يعبر عنه هو استشهاد الناقد ياماموتو بمقولة من مقولات اليوت، ولكن هناك ما يعبر عن هذا بشكل أكثر وضوحا، في إشارة هذا الناقد الإنجليزي إلى وحدة تجربة الشاعر، فالشاعر لايجرب الأشياء منفصلة وعلى شكل شظايا، بل يوحد بين كل ما يجربه على اختلافه، سماعا وبصرا وتفكيرا في كلية واحدة. أو هو بتعبير آخر، يفتح الطريق أمام حواسه الحسية والفكرية لتتراسل بلا حدود.

حين يقال عن شاعر إنه كبير، قد يتبادر إلى الذهن أنه أصبح فوق النقد، إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لجمهرة النقاد اليابانيين، فالنزاهة مطلوبة من الشاعر والناقد على حد سواء. ومن هنا لم تمنع مكانة باشو الشعرية والتاريخية بعض النقاد من رفض بعض قصائده، إما بوصفها من الدرجة الثانية أو انها ترتكب جريمة أسوأ من الانتحال، كما في هذه القصيدة:

شجرة صنوبر

كاراساكي، ضبابها أرقّ

من براعم الكرز المزهرة

فماذا يرى فيها النقاد؟

نبدأ بالناقد كيوراي الذي رأى فيها الكثير من الفكر التأملي. ويضيف إن الهوكو ذات الفكر التأملي ستكون قصيدة من الدرجة الثانية. قال باشو، كل الشروحات، بما فيها شروحات كيكايو وشروحاتك، عقلنات. لقد كتبت هذه القصيدة لمجرد انني فكرت أن شجرة الصنوبر الضبابية تبدو أكثر جمالا من البراعم المزهرة.

ولكن الناقد شيكي من القرن التاسع عشر كان أكثر قسوة على هذه القصيدة:

تلمح هذه القصيدة وفقا لأحد المفسرين إلى قصيدة من النوع المسمى واكا للامبراطور جوتابا ( 1180-1239):

عند كاراساكي

خضرة شجرة الصنوبر

ضبابية أيضا

تضاهي البراعم المزهرة

فجرا في يوم ربيعي

ومن الواضح أن قصيدة باشو مبنية على قصيدة الامبراطور، ولكن هذا البناء جاء بالغ البؤس في هذا النموذج إلى درجة أنه جريمة أسوأ من الانتحال. بالطبع علينا أن نقرأ القصيدة من دون الرجوع إلى تلك الواكا، ولكن حتى في هذه الحالة فإن ثانوية القصيدة لانزاع فيها، ويجب نسيان قصيدة من هذا النوع حفاظا على سمعة باشو.

هناك موقف آخر من هذه القصيدة نفسها يتناقض مع كل ما يبدو أنه تحامل متأخرين :

يقول سانجا، هذه قصيدة تفوق الوصف. ويتوسع شوسون هكذا:

لا تشير كلمة ضبابها إلى عتمة مساء ربيعي حين تبدو هيئة الأشياء غير واضحة المعالم. ورغم أن الشعراء منذ الأزمنة القديمة تغنوا عادة ببراعم أزهار الكرز المزهرة إلا أن أحدا منهم لايصف شجرة الصنوبر بكونها ضبابية. امام مشهد البحيرة، حيث شجرة الصنوبر وأزهار الكرز ضبابية على حد سواء، نظر باشو بانتباه واكتشف جمالا جديدا في الضباب الذي يغطي شجرة الصنوبر. الوقت في ذلك اليوم مختلف عليه، ولكنني واثق أن الوقت كان ليلا.

تعليق

فكرة اكتشاف الجمال في الموجودات هنا هي الأكثر لفتا للنظر في حديث شوسون، لأن العادة الشعرية الرديئة الجارية في مختلف الفنون هي اقتراح فكرة عن الجمال والجميل لا اكتشافه. وسنرى في القصيدة التالية كيف أن جدة الإدراك هي الطريق إلى الكشف عن الجمال غير الملحوظ في الطبيعة والحياة. مرة أخرى تعود هنا مسألة الموروث في اتكاء باشو على قصيدة الامبراطور القديمة، ولكن بعد أن أطل بأدواته على مشهد جديد. وأعتقد على عكس ما قاله الناقد الأخير، فإن الوقت لم يكن ليلا، بل كان باشو ينظر إلى المشهد وهو يتلامح في مياه بحيرة كاراساكي مساء.

فراشة لاغير

ترفرف

في حقل من شمس وظلال

يقول الناقد شوكا تسودو أن الشاعر في هذه القصيدة يود أن يشكر اولئك الذين احتفوا به، مقارنا نفسه بفراشة ترفرف فوق الحقل تحت ضوء الشمس. وقد عانى، بتجواله بين الحقول والتلال طيلة حياته، من البرد القارس ما تعانيه فراشة في اوائل الربيع، ولكنه بفضل عطف الناس من حوله هاهو الان يمتع نفسه مثل فراشة في حقل مشمس.

اما الناقد هوري فيذهب الى مستوى آخر حين يقول: في هذه القصيدة نوع من حلم يقظة مع صورة فراشة مرفرفة تعيدنا إلى حلم تشوانغ تزو.

طرقات جديدة

لدينا ما يسمى بالاصالة، بمعنى الصدور عن موروث. ولكن حين يكون الموروث أرضية، أي تقليدا كلاسيكيا بتعبير اوجاتا، فإنه يتجاوز مجرد الصدور عن موروث أو محاكاته. الشاعر هنا يأخذ مرور الزمن في اعتباره في الوقت الذي يرتبط فيه بالصورة الكاملة للموروث الشعري، ولكن مع أخذه في طرقات جديدة والاطلالة به على مشهد جديد. باشو هنا كما أرى لايمسك بنافذة التقاليد الكلاسيكية ليطل منها على المشهد نفسه الذي كانت تطل عليه، بل يستخدم النافذة نفسها ولكن ليطل على مشاهد جديدة. هذا أمر منطقي وطبيعي، لأنه متحرك في الزمن. كلما فكر بالماضي فكر بمرور الزمن. لايكاد ينسى هذا لحظة واحدة. وهذا هو الفرق بين المجدّد الحي الذي يمتلك تراثا وبين المحنط التراثي الذي لايشعر بمرور الزمن.