في بداية عام جديد تخرج القصيدة إلى وهجها المتجدد، يظهر الشعر كعلامة رائدة متقدمة تعطي دلالة أكبر في معنى الحياة والإنسان، وسؤال الشعر ضرورة في كل زمان ومكان، وإذا كان الشعر هو لغة اللغة، فإن هذه اللغة لها من يدوزنها ويرفع من مستواها، ولا تستقيم إلا بطرفيها (الشاعر والشاعرة )، ويثور السؤال: هل يصنف الشعر إلى (نسائي وذكوري)؟، وهل حققت المرأة الشاعرة حضورها في مساحة التجربة الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة؟.
الشاعرة هدى النعماني، واحدة من المبدعات الرائدات اللواتي أسسن لإبداع خاص تأثر به الجيل الذي تلاها وما بعد هذا الجيل، تقرأ في سؤال الشعر وما حققته المرأة في هذا المجال، وتقول: «سؤال الشعر، في مطلع العام الجديد يشبه سؤال الحياة بما تمثل، إنه سؤال وجواب، وهو مفتوح على وعي الحياة والشعر والقصيدة، وهو حوار بسؤال الشعر برمته».
وتضيف النعماني: اللغة هي أداة تعبير لا يمكن الخروج من دائرتها، لا بد منها في حياة الإنسان، إنها حاجة وأكثر من ذلك، ضرورة وفعل ملزم لتفسير المفسر، وحين تكون اللغة هي كل النشاط الذي يولد حركة الحياة، فلا بد من الوقوف في صفها وتلقي مدلولاتها المتوالية، أقول اللغة وأقصد مخزونها الذي لا ينضب، كالنبع الذي يتزود بأشياء الطبيعة والحياة، مثل كائنات الطبيعة التي تتغذى بالشمس، وإذا كانت اللغة هي الوعي الأول الذي يربط الحياة بأصولها، فإنني أقول: هناك وعي مسبق، يسبق اللغة ويفسرها ويحيلها إلى التفسير الأصح، ويتوالى الشاعر والشاعرة على هذا التفسير، وتفسير هذا الوعي الذي يسبق وعي اللغة، هو نبض سحري مفاجئ يسبق كل همسة ريح، إنه الشعر الذي تصوغه الشعرية القائمة في النفس البشرية.
وتتابع النعماني أقول بل أجزم: الشعر هو لغة اللغة، وهو الناطق الأول باسم اللغة، وهو مفسرها الأقدر، والدلائل كثيرة ووافرة في إسناد هذا الوعي، يكفي أن تلمع صورة المعنى والدلالة حين يضمها الشعر أو القصيدة حتى يصاب المتلقي، متلقي الصورة الإبداعية بوعي مكثف ومفتوح على جمال الشكل والإحساس والتلاقي. بعد هذا الوصف التعبيري الشعري، تؤكد النعماني بقولها «لا يوجد شعر ذكوري وشعر أنثوي، هناك إبداع يكتبه الإنسان، والإنسان رجل وامرأة، وإذا حاولنا مناقشة الفكرة في المكان العربي واللبناني، قد نجد تسميات من هذا القبيل، لكنها تبقى تسمية بلا مضمون مقنع، وكل ما قيل عن سيطرة الذكورية الشعرية هو كلام لا يستند إلى وعي وحقيقة، ولا داعي لذكر ما حققته المرأة الشاعرة منذ قرون على مستوى القصيدة واللغة والإبداع برمته، يكفي أن نقرأ التاريخ الأدبي والثقافي العربي حتى نرى أن المرأة الشاعرة والكاتبة الأديبة هي عنوان الأمل الإبداعي الذي كان واستمر وما زال على منوال التطور والتحول».
الشاعرة ماجدة داغر تقول: قد تكون القصيدة هي الحدث الذي يسبق حدوثه، وحقاً هي كذلك، وليس مبالغة القول بالقصيدة أولاً، كأن نقول،إنها ما يجيش في الغيب والسراب والهواء المتخفي، فالقصيدة هي نشاط يسبق الوعي ويقدم له مستلزمات الولادة والتكامل، ونقول ما هو أكثر في تفوق نبض القصيدة قي جسد الحياة، وأن يكون لها القدرة على تفعيل هذا النبض حتى حدوده القصوى والمرهفة جداً، والقصيدة هي من تحمل وهج الشعر وناره الشاملة، وأن يكون للقصيدة تلك القدرة على تأجيج الوعي من خلال النشاط الشعري في مناخ الوعي العام، فإن في الأمر ما هو أكثر، كأن نقول: بالشعر نصل إلى اليقين الهادئ الذي يريح النفس والروح تماماً، هكذا هو الشعر، يرمي ظلاله قبل أن يظهر في المسافة.
وبناء عليه تقول داغر: المرأة الشاعرة هي الوعي الشعري البليغ، كما الشاعر هو الوعي نفسه، فلا داعي، ولا يجوز الفصل بين صنف المصدر الشعري، وفي واقعنا العربي واللبناني نجد أننا على تماس مباشر مع الخطأ القاتل والقائل بذكورية الشعر، باختصار وبثقة كبيرة، وبوعي معرفي أقول: الشعر، تاريخياً، هو واحد لا يتجزأ، مصدره الرجل والمرأة، وباقي التفاسير هي أفعال دخيلة على الشعر نفسه.
من جانبها تقول الشاعرة ليلى عساف «الحديث عن الشعر متعة، أقول متعة الكلام ومتعة الإحساس، فكيف يكون الشعر نفسه إذا ما لامس جمال الأشياء التي تغني الروح؟ ثم إن الشعر هو السؤال، وهو الجواب، وهو المدخل، وهو المخرج والعبور إلى الضروريات والاحتمالات القصوى في مباهج الحضور، وفي دهاليز الغياب، يكون الشعر صورة في المسافة أو في العين الشاخصة أو في الصوت وصداه، ويكون أكثر في كل هذه المسافات حين تنجدل الأفكار على بعضها وتتصل بمسافة أرحب، حينذاك يقوم الشعر بربط الصورة بالومضة بالمشهد بالإحساس، يرسم خريطة الحضور وخريطة الغياب، كعناقيد لتجهيز جمال الوعي على أكمل صورة ومعنى.
والشعر بحسب ما تؤكد عساف هو مرآة صافية كعين النسر في الفضاء وفي أعماق الأفق الذي يجوبه النسر. ليس للشعر ثبات عند حدود بعينها، ليس هو صورة جامدة، وتنتمي إلى المذكر فقط، وهي تؤكد أن الشعر مذكر ومؤنث، بقدر ما هو متحرك وناشط في المعنى، يثبت في وعي الإحساس ويتحرك ويطير ويحلق في مناخات اللغة مهما تمادت وتبدلت، ونحن نلحظ قدرة القصيدة على الحضور حتى خارج لغتها الأصل، ففي الترجمة، حين تترجم القصيدة، على سبيل المثال، من العربية إلى الفرنسية، نجد ذلك التواصل الخفي السحري الذي تلعبه القصيدة في تمتين الومضة الشعرية رغم مجاراة الخيانة اللغوية التي تبرز في الترجمة. وكل هذا النشاط ينفي الخصوصية المزعومة للذكورة الشعرية.
يقرأ الفرنسي، القصيدة العربية المترجمة إلى الفرنسية بمتعة، والعكس صحيح تماماً، ثمة علاقة وطيدة قائمة في ثنايا القصيدة كأنها لتوزيع أدوار التفسير بين اللغات التي تعبرها القصيدة داخل لغات العالم والوجود.
وتشير عساف إلى اللغة التي مهما تناوبت وتبدلت لا تمس الشعر بما يخفف من وطأة حضوره الثاقب، فكل اللغات الحية تجاوبت مع الشعر، إن في الترجمة وإن في الوعي المباشر لها، وهي ترى أن اللغة هي من سلالة الشعر وليس العكس أبداً، فهل هذا التحول وهذه القدرة الشعرية الخارقة محصورة بالذكور؟
وتضيف عساف: إن تصنيف الشعر وفرزه على أساس ذكوري ورد في تسميات عامة ابتغت قلب المعنى الأصيل للشعر، ولكن في واقع الأمر، تختلف الصورة عن الدلالة المزيفة القائلة بذكورية الشعر، ولا بد من قول ما هو واضح: في الشعر العربي القديم والحديث، ثمة ثنائية شعرية، وثمة شعر واحد، لا يستقيم إلا بالمذكر والمؤنث.
وتقول الشاعرة هالة نهرا «الشاعر والشاعرة يحضران بحضور الشعر، لأن الأخير حاضرٌ بحضور الإنسان منذ فجره، في هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن الشعر الذي يكتبه الرجل لا يخلو من الأنوثة بمعناها الواسع حين تعني العذوبة في التعبير والحال الشعرية، لكن المنابر والمناخ الذي يُبرز الشعراء يضع الرجال في الواجهة ويعطيهم مكانة مهمة أكثر من النساء، لا سيما أننا نعيش في مجتمعات لا تزال ذكورية إلى حد بعيد، ربما يحب الرجل أن يتفوق في الشعر لأن الإبداع بمثابة فعل ولادة لكي يجعل نفسه مساوياً للمرأة، لعل الأمر يشكل حاجةً نفسية سيكولوجية للرجل من حيث يعلم أو لا يعلم، ينسحب هذا السؤال الشيق على كل الميدان الثقافي والإبداعي في العالم العربي حيث يظهر نتاج الرجال أكثر من النساء رغم إسهامهن المضيء ومشاركتهن بنهوض هذا المجال.
الشعر حلقة من حلقات الحقل الإبداعي، وهو أسمى مراتب اللغة، للغة سواء كانت محكيةً أو أثراً مكتوباً أهمية خاصة في الحياة والطبيعة، في مستويات العيش وشروطه، تماماً مثل الهواء والماء والنار والتراب والخبز.
بالمعنى الهايدغري العميق فاللغة ليست مجرد أداة يملكها الإنسان إلى جانب غيرها من الأدوات، بل إنها ما يضمن إمكان الموجود وسط الوجود، فمَن يصادر حضور المرأة في الشعر وفي سواه مثلما يصادر حاضرنا جميعاً باسم التراث والمطلَق؟
تؤكد نهرا على تشعب الموضوع وارتهانه لكثير من الأبعاد والخلفيات، وتقول: «هو متعلقٌ أيضاً بالتحفيز الثقافي اجتماعياً، والاختلاف في تربية المرأة والرجل وتوجُه وتوجيه كلٍ منهما، وقدرات المرأة لا تقل عن قدرات الرجل على المستوى ذاته».
وتشير نهرا إلى أن طرْح مثل هذه الإشكالية هو في غاية الأهمية، لا سيما في مرحلة تعتبرها مرحلة «ما دون الانحطاط» حيث الهبوط على أكثر من صعيد وحيث يُفتقد أيضاً حضور الصوت النسائي شعرياً مع أنه موجود، وتؤكد أن هناك من يعمد إلى تغييب هذا الصوت وبروز شاعرات ركيكات وشعراء (رجال) دون المستوى في إطار بروبوغندا دعائية تعتمد مبدأ العلاقات العامة، وسيادة الشِلَل في الإعلام وخارجه، لكن كل ذلك مؤقت والشعر الحقيقي سينتصر في نهاية المطاف، سواء أكان مؤلفه رجلاً أم امرأة.