يشكل متحف أرض اللبان إطلالة شاملة على عُمان بمختلف مناطقها عبر الأزمنة، ويتكون من قاعتين، حيث تقدم قاعة التاريخ موجزاً لتاريخ السلطنة من خلال الشواهد الحضارية والأثرية للتراث العُماني، وتقدم القاعة البحرية نماذج مصغرة للسفن التقليدية وموجزاً لعلاقة العُمانيين بالبحر، ويوفر المتحف للزائرين والباحثين فرصة للتعرف إلى عُمان عبر تاريخها الطويل وتراثها البحري.

قاعة التاريخ تحتوي على أقسام تاريخية عن عمان التي تتميز بتنوع تضاريسها الجغرافية، والتي جذبت إليها الهجرات السكانية عبر التاريخ، كما يمثل موقعها منطقة تماس حضاري أسهمت فيه مع شعوب أخرى في صياغة الأحداث التاريخية المهمة التي شهدتها المنطقة.

وتنوعت مراكز الاستيطان في أرجاء مختلفة من السلطنة منذ البدايات الأولى للحضارة الإنسانية المتمثلة بحضارة الصيد على السواحل، وحضارة إنسان العصر الحجري، ومع استقرار الإنسان وإتقانه الزراعة وتربية الحيوان والإنتاج البدائي لسد حاجاته من الغزل والنسيج والأواني الفخارية والأدوات المعدنية، ثم انتشار صناعة استخراج النحاس، وممارسة التجارة مع بلاد الجوار، وبلاد الرافدين، والهند، والصين حيث قامت حضارة متعددة السمات، كما تدل الشواهد والآثار في مختلف مناطق عُمان.

وظلت ظفار - أرض اللبان- طوال العصور الماضية مصدراً رئيساً لإنتاج وتصدير أفضل وأجود أنواع اللبان، وأطلق على هذه الأرض مسميات عديدة مثل: أرض عاد، وبلاد بونت، وبلاد الشحر.

كما أن الاعتقاد السائد بأن الأحقاف التي ذكرها القرآن الكريم هي الأرض التي تقع فيها ظفار التي عرفها الفراعنة والفينيقيون والإغريق والرومان والفرس والهنود والصينيون ونعتوها بمسميات مختلفة وأقاموا معها علاقات تجارية ووصفوا ساحلها بشاطئ اللبان والبخور، وكان الإغريق يسمون ساحلها عُمانا.

وقبل أهل عُمان الإسلام طواعية بعد أن وصلهم مبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص، لذا خلّد الرسول ذكراهم بدعائه - رحم الله أهل الغبيراء - أي أهل عُمان- آمنوا بي ولم يروني.

وتروي المحطات التاريخية المختارة في قاعة التاريخ جوانب مختلفة من التاريخ العُماني ونماذج من الأحداث والوقائع التي كانت عُمان مسرحاً لها أو كان العُمانيون طرفاً فيها، فبحلول القرن الثامن عشر بسطت عُمان سيطرتها على أنحاء مختلفة من ضفتي الخليج وبحر العرب والساحل الشرقي لإفريقيا لتؤسس بذلك حضورها القوي في المحيط الهندي. وأصبحت مسقط من أهم الموانئ العالمية بفضل مهارة أبنائها التجارية والبحرية، ومع تزايد الأطماع الخارجية بدأت مرحلة التراجع والانقسام تخيم على عُمان لفترة طويلة إلى حين قيام النهضة المعاصرة عام 1970.

فبعد عزلة امتدت طويلاً كان لعُمان موعد جديد مع التاريخ عندما قاد جلالة السلطان المعظم قابوس بن سعيد عام 1970 النهضة العُمانية المعاصرة التي تمكنت من تحقيق نقلة نوعية شملت كافة جوانب الحياة.

وكان من نتائج التنمية الشاملة إقامة دولة المؤسسات وسلطة القوانين وإقامة علاقات مع كل الدول على أسس الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية للدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وحسن الجوار، والتعايش السلمي، وتبادل المصالح.

القاعة البحرية

تحتوي القاعة البحرية على اقسام عن تراث عمان البحري وسيادة البحر عبر التاريخ، وعرف العُمانيون الملاحة منذ أقدم عصور التاريخ، وبرز نشاطهم البحري في ظل الازدهار التجاري لحضارتي بلاد الرافدين ووادي الأندوس، وصولاً إلى إقامة شبكة علاقات منتظمة لقرون طويلة مع الهند والصين والساحل الشرقي الإفريقي وبلاد حوض البحر المتوسط ثم المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. كما تظهر المحتويات مفردات البيئة البحرية، ومهارات عمليات الإبحار، ومفاصل تاريخية هامة عن علاقة عُمان بالبحر. وتقف نماذج السفن العُمانية التقليدية في هذه القاعة شاهداً قوياً على المهارة البحرية والإتقان في صناعة السفن، لخدمة الأغراض التجارية كافة في تلك العصور حتى العصر الحديث.

ويمثل الموقع الجغرافي أحد العوامل الهامة في ارتباط سكان عُمان بالبحر الذي شكل لسكانها ولايزال أحد مصادر العيش وسبيلاً إلى التواصل مع الآخرين وإقامة علاقات متنوعة مع شعوب العالم.

ومن خلال استخدام الأدوات البدائية في عملية الصيد، تكونت علاقة وجدانية بالبحر في كل أرجاء عُمان على طول شواطئها الممتدة لأكثر من 3165 كيلومتراً التي تجسّد التضاريس الجميلة والمتنوعة التي تتمتع بها عُمان والكم الهائل من الثروة السمكية المتوفرة في مختلف فصول السنة.

وترجع تقاليد ومهارات بناء السفن لدى العُمانيين إلى آلاف السنين وتطورت حسب حاجاتهم للتواصل مع حضارات الأمم القريبة والبعيدة، وذلك بفضل المواءمة بين ما وفرته البيئة العُمانية من الإمكانات، وما أمكن الحصول عليه من الخارج من المواد المستوردة من السند وبلاد الرافدين، الأمر الذي مكّن العُمانيين من بناء السفن الشراعية المتنوعة، ولايزال استخدامها قائماً في عدد من المناطق العُمانية.

القبطان الماهر

الملاحة الناجحة تتطلب مهارات متنوعة لأن القبطان الماهر لايدرس فقط مواقع ومسارات النجوم والشمس والقمر في السماء لتحديد موقعه؛ ولكنه يراقب علامات وأدلة أخرى، إن لون الماء قد يكون مؤشراً للعمق والكائنات البحرية تساعده على تحديد موقعه. أما السحاب الذي غالباً ما يتجمع فوق اليابسة قد يستدل به على جزيرة قريبة أو شاطئ في الأفق القريب. كما أن عمق اليابسة يرسل نسيماً يهتدي به البحار إليها. حتى تفاعل السفينة وحركتها في البحر وتجاوبها مع نوع معين من الأمواج قد تساعد القبطان في استقراء ماهو مقدم عليه. كان البحارة القدامى يحملون معهم طيوراً في سفنهم لتمكنهم عند إطلاقها من الاهتداء إلى اليابسة. لقد تطورت الوسائل والأدوات التي كانت تستخدم في الإبحار من وسائل بدائية كاستخدام العين المجردة وأصابع اليد مروراً بالكمال والإسطرلاب، وصولاً إلى الأجهزة الحديثة مثل الأقمار الصناعية وأجهزة الاتصالات المتنوعة.

اللبان والنحاس

كان اللبان ينقل من موانئ سمهرم والبليد وريسوت، بينما كان النحاس ينقل من ميناء صحار إلى موانئ الحضارات القديمة في وادي النيل ووادي الإندوس وبلاد الرافدين والصين، وكانت السفن كما تروي مقتنيات المتحف تعود بالذهب والتوابل والعاج والخشب والحرير، وهكذا شكلت تلك المواد مكونات للخطوط التجارية التي ربطت عُمان ببقية العالم. وإلى جانب العلاقات التجارية ارتبطت عُمان بعلاقات سياسية ودبلوماسية وأرسلت بعثات للصداقة والتعاون ووقعت معاهدات تنظم تلك العلاقات، وتشير بعض الوثائق الصينية إلى أن أول البحارة العرب يصلون إلى الصين كانوا من عُمان عام 750م كما أن أحمد بن نعُمان الكعبي كان أول مبعوث عربي يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1840م، كما أن السلطان سعيد بن تيمور كان أول حاكم عربي يزور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938م.