إن الحديث عن محاسبة النفس ليس امراً موسمياً ولا مؤقتاً وإنما يأخذ الصفة المستمرة الدائبة في كل زمان ومكان لان النفس منوطة باعمال واقوال الانسان بل بحركاته وسكناته حتى يرث الله الارض ومن عليها.
فعلى الانسان ان يرعى نفسه ويهذبها ويؤدبها ويكبحها، وان يحذر من اغراءاتها وأهوائها والله سبحانه وتعالى يقول: إن النفس لأمارة بالسوء، (سورة يوسف الآية: 53) والإنسان لا يتمكن من أن يضبط نفسه وأن يوجهها إلا بالمحاسبة والاستمرارية. فهلا حاسب أحدنا نفسه ليقيها من الخطايا والزلات؟ وهل حاسب نفسه ليحميها من المحرمات والموبقات؟ علما ان الذي يحاسب نفسه في حياته يخف حسابه يوم القيامة ويحسن منقلبه، ومن يهمل نفسه تدوم حسراته.
إن المحاسبة الني نقصدها، لا تكون في محكمة مدنية أو في محكمة جنائية ولا في محكمة عرفية ولا في محكمة عسكرية تعقد بين الفينة والأخرى وتحكم بقوانين ما أنزل الله بها من سلطان وانما المحاسبة في محكمة آلهية ربانية دائمة تحاكم الخلائق على جميع التصرفات والحركات بالعدل والقسطاس المستقيم ولا يظلم ربك أحدا (سورة الكهف الآية: 49) ولا تزر وازرة وزر أخرى (سورة الأنعام الآية 164) و(سورة الاسراء الآية 15) و(سورة فاطر الآية: 18) و(سورة الزمر الآية: 7)، ومحاسبة الانسان لنفسه هي التي تجنبه الاخطار والمحظورات وتكبح جماح النفس الامارة بالسوء وهي التي تضبط تصرفاته وتحميه من الانزلاق لقول رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الاماني. (رواه الترمذي عن الصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله عنه). ويعني (الكيّس) العاقل ، و(دان نفسه) حاسبها. ويقول الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في هذا الموضوع من مقت نفسه في ذات الله امنه الله من مقته. (رواه ابن أبي الدنيا في كتابه محاسبة النفس عن مولى لابي بكر). والمراد من هذا القول ان من جعل نفسه ملتزمة في حب الله وفي تطبيق احكامه فإن الله سبحانه وتعالى يحميه من عذابه. ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا (رواه أحمد في كتابه (الزهو) وأبو نعيم في كتابه (حلية الأولياء) عن (التابعي ثابت بن حجاج وسنده صحيح). وما من شك أن محاسبة النفس تشعر المسلم بمراقبة الله سبحانه وتعالى له، فيكون دائم الصلة بخالقه ملتزما بأوامره مجتنبا نواهيه.
حينئذ يحب المسلم أخاه المسلم ويتعاون معه ولا يعتدي عليه ولا يظلمه ولا يحقره. فالاسلام الذي يسعى لاصلاح المجتمع يسعى أيضا لاصلاح الفرد بتهذيب النفس وصقلها.
وينبغي على المسلم حين يحاسب نفسه ان يبحث عن عيوب نفسه ليعالجها على ضوء العقيدة الاسلامية والاحكام الشرعية وان يكبح من غرورها وغطرستها وطمعها وريائها ونفاقها، وذلك قبل ان يبحث عن عيوب غيره للحديث النبوي الشريف: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس رواه الديلمي عن الصحابي الجليل انس بن مالك رضي الله عنه، نقول ذلك لمن ينسون محاسبة انفسهم ولا يلتفتون الى عيوبهم وينصبون انفسهم نظراء على غيرهم.
النفاق الاجتماعي
وهناك اناس اعتادوا خداع انفسهم وذلك بأن يرتكبوا المحظورات والمنكرات خفية عن الناس دون الاهتمام برقابة الله رب العالمين لهم. وانهم ما داموا غير مكشوفين من قبل الناس بشكل علني فلا مانع لديهم من ارتكاب أي محظور وتعرف هذه التصرفات بالنفاق الاجتماعي بحيث يتظاهرون امام الاخرين بالاخلاص والامانة والاستقامة وهم في حقيقة امرهم خلاف ذلك. فهؤلاء لا يخشون الله في حين انهم يخشون الناس وينافقونهم ويتسترون على انفسهم ويتبعون أساليب الالتواء والانتهازية، والله سبحانه وتعالى يقول: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا انفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون، (سورة البقرة الايتان 9 و10).
خلاصة الأمر: إن مراقبة الله سبحانه وتعالى هي الأصل وما دام المسلم ملتزما صادقا أمينا مقتنعا بما يقوم وبما يعمل فلا يلتفت الى تعليقات الناس ولا الى مراقبتهم له فالمسلم الذي يخشى الله ويحاسب نفسه بشكل مستمر يكون متصفا بالايمان وبالجرأة والثقة بالنفس وحب الخير للآخرين وعليه فإن محاسبة النفس ركيزة من ركائز صلاح واصلاح الفرد والمجتمع على حد سواء. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس