هو قامة فكرية عربية كبيرة، من غير الممكن أن تبدأ حواراً معه، إلا وتصاب بالدهشة مما يقول. رغم تجاوزه السبعين لا يزال قادراً على إثارة الكثير من القضايا الفكرية والإشكالية.

مفكر جدلي، على جانب من الذكاء، يفخخ إجاباته بالعديد من الأسئلة، كأنها لازمة لحوار جديد. كتب في الفكر الديني، وتاريخية الفكر العربي الاسلامي ونزعة الأنسنة في الفكر العربي، وكتب في العلمنة والاسلام وغيرها الكثير من القضايا الفكرية الحيوية.

يثير حفيظة المثقفين حتى من يجلسون معه في الصف الأول من المفكرين العرب والفرنسيين. كتابه الأخير اللامفكر فيه تحدث عن محدودية العقل العربي في البحث العلمي وأرجع ذلك لأسباب لغوية. زار الإمارات مشاركاً في مؤتمر الهوية الوطنية الذي عقد في دبي مؤخراً، وبالمناسبة التقاه الخليج الثقافي وجال معه في عدد من المشكلات الفكرية ذات التماس مع عالمي الشرق والغرب:

أنت مهتم بتأسيس مشروع فكري يفتح أفقاً جديداً في الفكر الاسلامي وهو بالطبع مشروع كبير، ماذا تريد من وراء هذا المشروع؟

- أظن أني أريد أن أقنع الجمهور العربي الاسلامي، والجمهور الأوروبي، بأن ليس بيني وبين المواقف المعرفية في أوروبا مسافة كبيرة، أريد ان اقنع الجميع بضرورة ان يفتحوا مجالاً واسعاً لتجديد النظر في جميع ما يتعلق بتجديد الظاهرة الدينية، خاصة في فرنسا وما يسمونه العلمانية العربية وهذه ترجمة ضعيفة للمصطلح. ونحن يجب ان نكتب المفهوم الذي نحته الفرنسيون خلال تاريخهم الفكري وهو لايستيه. والعلمانية بالعربية، لا تؤدي ما يؤديه المفهوم الفرنسي، ونحن لا ندري، هل يقصدون بالعلمانية الدراسات العلمية، أو الشمولية أو غيرها.

إن اللغة العربية لا تزال عاجزة عن تفسير الكثير من المصطلحات، لأن الفكر العربي لم تسنح له فرصة اكتشاف او التمييز بين العلم الذي ينتجه العقل العلمي والمعرفة التي تفرضها النصوص الدينية. ما حدث في تاريخ الفكر الأوروبي، سيطرت عليه الخطابات المسيحية، وعندما اكتشفت الخطابات اللاتينية واليونانية في أوروبا، ساعد ذلك على اكتشاف خطاب حر من العبارات الخاصة بالخطاب الديني التوحيدي، فما الفرق بين تبليغ الخطاب الديني المسيحي وتبليغ الخطاب الديني الإسلامي القرآني؟

عيسى بن مريم (عليه السلام) خاطب أهل فلسطين وكانوا يهوداً وعرباً باللغة الآرامية، وهي سامية كالعربية والعبرية، وبعد ان اختفى نقل اصحابه ما قاله باللغة اليونانية الاناجيل التي تعتبر النصوص الدينية للكاثوليكية. أما لدى المسلمين، فما قاله النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالعربية، بقي بالعربية.

هل ما زلت راغباً في تحرير الفكر العربي، بعد كل هذا التشابك العقيدي والمفاهيمي في الساحة العربية والاسلامية؟

- ما دام ان جميع المجتمعات العربية تتجه سياسياً وثقافياً وعلمياً اتجاهات دينية، وهي في حقيقتها ايديولوجية اكثر منها دينية، فلا بد للباحث المفكر ان ينبه جميع المواطنين العرب الى انهم يكذبون على أنفسهم، ويكذبون على الآخرين، اذا تخلوا عن تفكيك جميع الخطابات الايديولوجية الجارية في مجتمعاتنا، ويلبسون تلك الخطابات باحالتها الى مصادر دينية.

هذا ما أدركه أركون في وطنه الجزائر منذ استقلال هذا الوطن، لأنه في صغره، عاش تجربة التصارع بين اللغات، وبين الثقافات التي تحملها هذه اللغات لأني نشأت في الجزائر عندما كانت مستعمرة تحت الحكم الفرنسي، وانتشار الثقافة الفرنسية، بينما الثقافة العربية واللغة كانتا منفصلتين عما نمارسه اليوم كتاريخ للفكر الاسلامي الناطق باللغة العربية، وهذا ما دفعني الى ان أختار هذا الميدان في الدراسات العربية والاسلامية، لأوضح لنفسي ولوطني المشاكل الصعبة المرتبطة بالوضع التاريخي، ليس في الجزائر فقط، ولكن في الساحة العربية، الساحة التاريخية والثقافية والدينية العربية، وانطلقت في دراسة وتعلّم اللغة العربية، لأني نشأت في منطقة القبائل، حيث اللغة الجارية الأمازيغية وهي لغة ثالثة في الجزائر والمغرب.

والأمازيغية، تستعمل كلغة تواصل يومي بين الناس، وهي لغة لم تكتب وهذه النقطة مهمة جداً لفهم التصارع بين الثقافات المكتوبة والثقافات غير المكتوبة، وهناك علم خاص يعتني بهذا التصارع بين اللغات والثقافات هو علم الانثروبولوجيا، لأنه العلم الذي يفتح أمامنا نافذة لفهم الانسان وفهم المجتمعات، وهذا الذي اصفه في الجزائر، في حقيقته وضع عام للوضع البشري وأيضاً للمجتمعات منذ ظهورها على سطح الأرض.

هذا منطلقي أمام الثقافات وأمام الخطابات الدينية جميعها، بما في ذلك الخطاب الاسلامي، وسأستمر في هذا المشروع، لأني لا أزال آمل ان يستفيد العالم الاسلامي من الطروحات التي أقترحها، وأنا هنا أتوجه الى وزراء التعليم والبحث العلمي لأننا لا نزال بعيدين عن المستوى اللازم من البحوث العلمية الخاصة بالانسان والمجتمع.

اذا لم نتعرف الى تاريخ مجتمعاتنا، ولم نحلل انثروبولوجياً، سنبقى نعيش على جهل مؤسسي، تؤسسه الدولة، اذ هي لا تعتني بتكوين الباحثين، واذا كان الباحثون قليلين وغير مكونين فلن نجد أساتذة مؤهلين لتبليغ النتائج والاكتشافات التي يقدمها الباحثون للأجيال الطالعة.

فضاء تاريخي جديد

برأيك، هل قلصت العولمة من مساحة الاشتباك بين الشرق والغرب؟

- العولمة، مرحلة تاريخية جديدة في تاريخ المراحل المتتابعة في تاريخ المجتمعات الانسانية، وهذه المرحلة جاءت بعد مرحلة الحداثة في أوروبا، لأن الحداثة هي التي أتت بثورات علمية متتابعة من القرن السابع عشر الى يومنا هذا، وهي التي أبدعت الأنظمة السياسية الديمقراطية في الفضاء التاريخي الأوروبي (فقط)، لأن الثورات العلمية من فيزيائية وكيميائية وجيولوجية وعلوم حياة حدثت في أوروبا، هي لم تحدث في الصين أو الهند أو افريقيا، او الساحة العربية والاسلامية.

هذا ما جعل المجتمعات الأوروبية تسبق الثقافات الأخرى، والمجتمعات الأخرى في ممارسة الحقوق والدساتير التي تعتمدها لإنعاش هذه السياسات، بينما كانت المجتمعات الاسلامية خاصة تعاني من أزمة سياسية، لا سيما بعد انهيار النظام الخلافي في القرن الثالث عشر (تحديداً في العام 1258).

وبالعودة الى سؤالك عن العولمة، ما الذي أتت به من جديد بالنسبة لكل المراحل السابقة؟

هذا سؤال شرحه يطول، لأن المجتمعات حتى الأوروبية منها، لم تتعود الطرح التاريخي للمشاكل التي نواجهها في هذه المرحلة العولمية.

نحن نعيش العولمة، فقط كتجربة يومية، ولا نسأل عن السياق التاريخي الذي أدى الى هذه المرحلة. نحن لا ندرس التاريخ، والمجتمعات العربية بخاصة لم تكتب تاريخها، وهكذا تواجه مشاكل عديدة، لا يمكنها ان تدرك أبعادها، ولا يمكن ان تفهمها، أو تأتي بأجوبة صالحة وملائمة لها.

السؤال يمس قضية العنف في المجتمعات البشرية. عملت مدة 8 سنوات كعضو في رئاسة لجنة اليونيسكو لجائزة البحث عن السلم على مستوى العالم. اكتشفت من خلال المناقشات حول مفهوم السلم، انه مرتبط بمفهوم العنف، فلا يمكننا ان نأتي بحلول فعالة للوصول الى السلم، إذا لم نفهم أسباب وجود العنف في المجتمعات البشرية.

اسأل: من أين يجيء العنف الطاغي في المجتمعات البشرية؟

- إن الوصول للسلم أو الخروج من حالة العنف الى السلم يفرض على المجتمعات والدول ان تتبنى دراسة وتدريس انواع من العلوم الاجتماعية التي تعتني بظاهرة العنف في كل مجتمع، ولمواجهة هذه الظاهرة، وللاجابة عن السؤال أشير الى ضرورة دراسة وتدريس (علم الانثروبولوجيا) هذا العلم الذي قلت سابقا ان لا يزال غائباً عن برامجنا وبحوثنا العلمية، حتى في أوروبا نفسها.

نحن لا نزال، مع الأسف نعتمد تعاليم طقسية ايديولوجية وندعو الناس لكي يطيعوا هذه التعاليم لنخرج من دوامة العنف، لكننا لم نحلل بعد ولم نقرأ بعد، في الناحية التاريخية والانثروبولوجية، فالسلم موجود داخل الأمة الإسلامية، وداخل الأمة المسيحية، اليهودية، الهندوسية.. إلخ، وفي الوقت نفسه نقول ان كل دين يختص بفئة دون أخرى، هذا سبب من اسباب عديدة مما يفصل بين الأمم، لكن هذا التناقض لا يخص الاديان فقط، فالدول الحديثة التي فصلت بين الدين والدولة في أوروبا، أيضاً تدعو الى السلم داخل الدولة (الأمة)، مثل الأمة الفرنسية التي ذابت في حروب متتابعة مع الدولة الأم الألمانية. وكذلك الحروب التي قام بها نابليون بعد الثورة الفرنسية.

لذلك، أنا أقول بالانثروبولوجيا، والعنف مرتبط بأسباب أخرى وما زال هذا الأمر سارياً حتى بعد الثورات التنويرية في أوروبا، لا سيما ان العقل التنويري قد وعد الانسان باخراجه من عنف الحروب.

في ضوء ما اوضحته سابقاً، كيف ينظر محمد اركون الى مستقبل الثقافة العربية؟

- هذه العبارة، استخدمها المرحوم طه حسين في كتابه الشهير. مستقبل الثقافة في مصر الذي صدر في القاهرة عام 1938. فأين هو صوت طه حسين، بين الأصوات العربية المعاصرة اليوم، وماذا فعل العرب بالاسئلة التي طرحها حسين في كتابه؟

كتاب طه حسين يشكل نافذة للبحث عن امكانات يمكن تطبيقها في عالمنا المعاصر. وهو فتح في كتابه امام مصر بوابات الانتماء مع فضائها التاريخي المتوسطي.

في الساحة السياسية العربية، هناك محاولة أوروبية جديدة لفتح أفق نحو الاتحاد المتوسطي.

ارجع الى (لقاءات برشلونة 1995) تجد مثالاً في هذا السياق، هناك مفكرون غير طه حسين كتبوا ودعوا الى قراءة تاريخية لفضاء البحر المتوسط، وما حدث فيه من حروب عنيفة بين المسيحية والإسلام.