حوار: أشجان محمود

الشيخ محمد بن علي بن راشد النعيمي، رئيس دوائر العدل في عجمان من الشخصيات المتميزة في مجال العمل التطوعي، ولد في أسرة تتميز بحب الخير والعطاء، فكان والده يهرع لنجدة أي فقير أو مريض، فنشأ وسط هذه البيئة السخية التي تؤثر الغير على نفسها، ويدرك جيداً أن الله جعله عوناً لهؤلاء المحتاجين . ويرى أن عمل الخير ليس جديداً على الإمارات بصفة عامة، حيث دعم أواصره المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وأرساها من بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وكُرِّم مؤخراً بحصوله على جائزة الشارقة للعمل التطوعي، التقيناه لنعرف جهوده في هذا المجال، وشخصيته وطموحه عن قرب .

* حصلتم على جائزة الشارقة للعمل التطوعي، فكيف تقيمون هذا التقدير؟
- تمنح الجائزة سنوياً للأشخاص الذين يبذلون جهداً في أعمال تطوعية تنهض بالمجتمع، وهذا العام تم منحي الجائزة وكرّمني صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة عن مجمل أعمالي التطوعية التي تساعد على النهوض بالمجتمع الإماراتي، وفزت بهذه الجائزة أيضاً منذ ثلاث سنوات عن عملي في مؤسسة منار الإيمان، وهو من دون شك تقدير كبير منهم، أشكرهم عليه .

* كيف بدأت مسيرة العمل التطوعي؟
- عام 1990 في صلاة الجمعة، وكان الواعظ الديني السوري حبيب الكاظم، رحمه الله، يخطب في المصلين، وأعلن عن وجود بعض الأرامل والأيتام، ويريد مساعدة أهل الخير لهم، وبعد انتهاء الصلاة اصطحبته معي لمجلس البيت وتحدثنا في أمورهم، واتفقنا على الذهاب في اليوم الذي يليه لصاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، وبالفعل رحب بنا ومنحنا قطعة أرض، وقمنا بتأسيس مركز دعم الفقراء والمحتاجين والأرامل وهو مركز الإحسان الخيري، وبعدها توالت جهودنا في هذا الشأن، وقمت أيضاً بإنشاء مؤسسة منار الإيمان التعليمية، التي بدأت من الثمانينات كحلقة تحفيظ القرآن الكريم في أحد المساجد، وكانت تهدف إلى تعليم المحرومين من الأيتام والفقراء مجاناً .

* وكيف استطعتم تطوير هذا العمل للنهوض بالمجتمع الإماراتي؟
- بالنسبة لجمعية الإحسان الخيرية، نُفذ عدد من المشاريع وصلت خلال العام الماضي فقط إلى 16 مشروعاً متنوعاً وموزعاً على كفالة الأيتام والأسر والمساعدات الطبية والمالية والغذائية الشهرية، إضافة إلى المشاريع الرمضانية، وحج البدل، ومشروع الأضاحي وعيدية وكسوة العيد للأيتام وتوزيع الحقائب المدرسية، وحملة "رمضان أمان" الذي نفذته الجمعية للعام الثاني على التوالي، وتبنت الجمعية من خلال مجمعها الطبي مشروعين في غاية الأهمية هما مشروع الكشف وعلاج مرض السكري، وتم علاج أكثر من 300 حالة في العام الماضي فقط، واكتشاف وعلاج حالات التهاب الكبد الفيروسي، وتوفير الدواء ل 700 حالة في ،2013 وتهدف مؤسسة منار الإيمان التعليمية إلى تعليم الطلاب المحرومين من الأيتام والفقراء بالمجان، حيث توفر تعليماً مجانياً شاملاً من الروضة إلى الثانوية، وتحفيظ القرآن الكريم وتجويده، وتقديم رعاية دراسية مجانية تشمل الكتب والقرطاسية والمواصلات، وخدمات طبية شاملة في المدرسة ومع المستشفيات المتخصصة للحالات المستعصية، والسعي إلى تعليم الطلاب والطالبات المتميزين الخريجين في جامعات الدولة، وتخدم المؤسسة 3100 طالب وطالبة من 36 جنسية عربية وإسلامية وأجنبية من الطلاب والطالبات، وحصل عدد كبير منهم على مراكز متقدمة في الثانوية العامة .

* ما طموحك المستقبلي في العمل التطوعي؟
- نقوم حالياً بدراسة مشروع إنشاء معاهد فنية للطلاب الفقراء الذين يجدون صعوبة في استكمال تعليمهم الجامعي بسبب ارتفاع تكاليفه، فيتعلمون بعض الحرف الضرورية التي تؤهلهم لقطاع العمل مثل الكهرباء والسباكة وبعض الحرف اليدوية الأخرى، وحصلنا على الأرض من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، لكن مازال المشروع تحت الدراسة، وبالتعاون مع جامعة الشارقة تم الاتفاق على إنشاء مستشفى خيري في عجمان، ومركز لغسل الكلى يقدم خدماته مجاناً، نظراً لزيادة أعداد المرضى، وارتفاع تكاليف العلاج .

* حدثنا عن نشأتك .
- كأي طفل نشأت مع والدي الشيخ علي بن راشد النعيمي، وكان مجلس البيت مفتوحاً لكل الناس، والوضع الاقتصادي بسيط، وكان ذلك في ستينات القرن الماضي، وكان والدي لا يبخل بمساعدة أي شخص من المحتاجين والفقراء، فتعلمت منه العطف والإحسان، وأتذكر جيداً وقتها أن عجمان كانت بلدة صغيرة وأهلها بسطاء، ولم يكن لديهم سيارات كما هو الوضع الآن، ودائماً ما تحدث حالات طارئة مثل ولادة أو حالة مرضية ويتطلب الأمر إسعافها ونقلها إلى المستشفى في الشارقة أو دبي، فأجد أبي يهرع بسيارته لنجدة المحتاجين ومد يد العون ومساعدتهم، فنمى ذلك في غريزة حب الخير والمجتمع من حولنا .
والمجتمع الإماراتي في الأساس مجتمع خير، ودائماً سباقون لنجدة أي بلد في العالم، وتقديم يد المساعدة له، وأرسى دعائم ذلك المغفور له، الشيخ زايد، رحمه الله، ومن بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله .

* كيف كانت مسيرتك في مراحل التعليم المختلفة؟
- التحقت بالمدارس في ستينات القرن الماضي، وكانت وقتها تحت إدارة التعليم الكويتي، والمعلم كانت له قدوة وهيبة، ويحتل الصدارة في جميع المجالس احتراماً وتقديراً له، وكنا عندما نراه تسري رعشة في أجسادنا، وكانت بالفعل الوزارة للتربية قبل التعليم، فتأسسنا على القيم التربوية واحترام المعلم، وكان للدين دور كبير في نشأتنا، والمجتمع وقتها يتميز بالبساطة ويسوده الحب والتعاون بين جميع أفراده، وحصلت على تعليمي الابتدائي والمتوسط في عجمان ثم انتقلت إلى الشارقة وبالتحديد مدرسة العروبة للحصول على الثانوية العامة .
وأتذكر أنني كنت بعد انتهاء يومي الدراسي أذهب للتدريب في معهد الطيران بالشارقة، وكنت أهوي قيادة الطائرات، وفي إحدى المرات كانت الرياح قوية وحدث خلل في الطائرة فوقعت في منطقة المقابر، وامتنع أصحابي في ذلك الوقت عن ركوب الطائرات، ولكن هذه الحادثة لم تزدني إلا إصراراً على تعلم الطيران، وبعد انتهاء الثانوية العامة التحقت بالقوات المسلحة وتم ابتعاثي لمدة ثلاث سنوات إلى باكستان وبعدها تخرجت طياراً حربياً مقاتلاً على طائرة "ميراج" .

* وهل مازلت تجيد الطيران؟
- الطائرات في الماضي كانت صغيرة، ودائماً يراودني شغف وحنين إلى قيادتها، ولكني انشغلت بعملي في المحكمة، واستقطع العمل الخيري أيضاً جزءاً كبيراً من وقتي، فلم أعد أمارسها .

* وكيف انتقلت إلى محكمة عجمان؟
- بناء على رغبة جدي الشيخ راشد النعيمي حاكم عجمان السابق، الذي آثر أن أكون بجانبه في عجمان، ولذلك قدم طلباً للمسؤولين بالقوات المسلحة لنقلي من العمل العسكري، ومنذ ذلك الحين أتولى رئاسة دوائر العدل في محكمة عجمان .

* خلال سنوات عملك في المحكمة، هل تجد أن نوعية القضايا تغيرت عن ذي قبل؟
- تغيرت بسبب النهضة التي تعيشها الإمارات، وازدهار التجارة فيها، ما أدى إلى أن تكون أكثر القضايا حقوقية، تتعلق بالأموال والشيكات بين طرفي النزاع، أو بأمور خاصة بالعمالة، وهناك أيضاً قضايا شرعية مثل الطلاق والرؤية والحضانة، والتي ازدادت في المجتمع بسبب غلاء المعيشة وعدم تنازل كل من الزوج والزوجة عن بعض حقوقه من أجل الأبناء، وفي كل القضايا هناك لجنة حل المنازعات تحاول الفصل بين طرفي النزاع والصلح بينهما قبل أن تصل القضايا إلى المحكمة، وتعد القضايا المتعلقة بالجرائم الجنائية أقلها .

* ما الهوايات التي تحرص على ممارستها؟
- الاسكواش، وأحرص على ممارستها بشكل منتظم، وأحب صيد الحيوانات، ولذلك أسافر مرة أو مرتين في العام إلى جنوب إفريقيا، وأهوى صيد الأسود والغزلان، كان والدي رحمه الله يحب صيد الصقور، لكنني أختلف عنه، فأجد متعة كبيرة في صيد الحيوانات، وخلال أسفاري أحرص على اصطحاب الأبناء معي، ولا أحب السفر من دونهم، وهم أيضاً ينتظرون هذه الرحلة كل عام .

* ما الصفات التي حرصت على غرسها في أبنائك؟
- لدي من الأبناء خمسة، ابنة واحدة هي مريم ودرست هندسة الديكور، وراشد خريج إدارة أعمال من جامعة بوسطن الأمريكية، وعبد العزيز وعلي في الكلية وعبد الله أصغرهم في المرحلة الإعدادية، ولدي حفيد واحد من راشد، أعتقد أن أهم شيء سعيت إلى غرسه فيهم هو العقيدة والإيمان، ثم حب الطبيعة، وهم يمارسون الرياضات المختلفة، ويحبون الصيد والبحر، وربيتهم من خلال توجيه النصح والإرشاد لهم، ولم استخدم أسلوب الضغط عليهم، وتركت لهم حرية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم .

* ما أكثر الكتب التي تحب قراءتها؟
- أحب القراءة في التاريخ الإسلامي، ولذلك فأنا حريص على اقتناء أي مراجع خاصة بذلك، ولدينا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة أسوة حسنة، وقراءة هذه الكتب تجعلنا نتعظ في أمور حياتنا، وتكشف أيضاً عن عظمة ديننا الإسلامي .