يحافظ المسن المواطن محمد بن علي بن تركي الشحي، من أبناء منطقة سيح الغب في رأس الخيمة، على مهنة أصيلة وطب شعبي متوارث، يتمثل في طريقة علاج تعود إلى عهود قديمة، هي العلاج بالكي، المعروف محليا بالوسم، وهي مهنة تواجه مخاطر الغياب من مشهد الحياة المعاصرة، والاندثار من ذاكرة الناس، لذلك تصارع من أجل البقاء بين خيارات الموجوعين .

تصنع أدوات الوسم من قبل الحدادين، وبعض ممتهني العلاج بالكي يصنعونها بأنفسهم، وهو نوعان رئيسيان، يحمل كل منهما اسم الأداة المستخدمة فيه، وهما: مطرق، ويترك أثرا طويلا بالمقارنة مغ غيره من أنواع الكي، ورزة أو نكتة، ويخلف أثرا يشبه النقطة . وتصنع أدوات الوسم خصيصا لعملية الكي، ومن بينها (المهبش)، أو الملقط، والجمر المعروف في اللهجة المحكية ب(السخام) .

يقول محمد بن علي، 53 عاما، الذي يعالج بعض المرضى في منزله البسيط: نحن سبب للشفاء ليس إلا، وهو أولا وأخيرا من عند الله سبحانه، موضحا أن الوسم من طرق العلاج البسيطة، وهي وسيلة تراثية بامتياز، توارثناها جيلا بعد جيل، وتستخدم لعلاج عدد من الأمراض، بعضها مستعصية، لم ينجح الطب الحديث في إيجاد علاج شاف لها، كأمراض الكبد الكلى وعرق النسا .

ويضيف: أعالج بالوسم عدداً كبيراً من الناس، من جنسيات وأعمار مختلفة منذ سنوات طويلة، شفي بعضهم بفضل الله، فيما استقبل المرضى من الباحثين عن إسكات آلامهم والعلاج بالكي في منزلي المتواضع بصورة يومية، ويطالب البعض بذهابي إلى منازلهم، لأن المرض الشديد يمنعهم من القدوم إليّ في منزلي .

ويشد الحنين إلى الماضي وبداياته في حقل العلاج بالكي محمد بن علي قائلا إنه: بدأ تلك الطريقة الأصيلة والمتوارثة في العلاج منذ كان شابا لا يتجاوز عمره العشرين عاما، إثر تعلمها واكتساب أسرارها ومبادئها من والده، الذي كان يحترف المهنة، في زمن يشتد فيه الطلب وحاجة الناس إلى تلك الوسيلة العلاجية، بالمقارنة مع واقعها اليوم، رغم إصرار شريحة لا بأس بها من الناس في الدولة على الخضوع للعلاج بالكي، وهجر عيادات الأطباء والمستشفيات .

يضيف: بدأت المهنة الإنسانية الحساسة مساعداً لوالدي، رحمه الله، وكنت أبادر في غيابه لعلاج المرضى من الأهالي، وأخذت زمام المبادرة وتوليت المهمة بعد أن فارق الحياة، وانخرطت في هذا العمل الذي أنظر إليه من منظار إنساني خالص، وهو ما جعل علاقتي بالمهنة يسمو على الأبعاد المادية، وارتبطت بها منذ سن مبكرة، لدورها في تخفيف معاناة الكثيرين وشفائهم .

والوسم عند محمد بن علي علم خاص، وليس مجرد وسيلة بدائية للعلاج، كما يظن البعض، وله أصوله ومبادؤه، في إطار مرجعية علمية، ويستدعي الإلمام ببعض المفاهيم والمعارف، وإن كانت بالنسبة لغالبية ممارسي المهنة اليوم علوما شفوية متوارثة .

يشير المعالج بلسعات النار إلى علامات في وجه المريض تكشف عن حالته الصحية، تساعد في تحديد مرضه وسبب معاناته، كاصفرار الوجه وفقدان الشهية لتناول الطعام، والعلاج ليس عشوائيا، ويستدعي معرفة دقيقة وخبرة واسعة وحنكة .

ويتحدد موضع الكي في الجسم وفقاً لنوع المرض، ولكل مرض مكان خاص في الجسم يجري علاجه بالكي فيه، ما يعزز الاعتقاد بأن العلاج بالكي يقوم على علم متكامل، فمن يعاني من الكبد يخضع للعلاج بالوسم في مكان معين من جسمه، وهو الحال الذي ينطبق على بقية الأمراض والآلام .

ويلفت ابن علي إلى أن الوسم من أشكال العلاج والتداوي الشعبية، على غرار (الحجامة)، وكل منهما وسيلة مختلفة في العلاج، لها أصولها وطريقتها وفوائدها، في حين أن أمراضا أخرى تعالج في الطب الشعبي التقليدي بالأعشاب، ويحتاج الوسم تحديدا إلى دقة ودراية تامة لصعوبة تحديد موضع الألم في الجسم، إذ لا يكون مصدر الألم بالضرورة هو ذاته موضع شعور المريض به، ما يضاعف صعوبة مهمة من يمارس الوسم .

يومان فقط

من الحالات التي عالجها ولا تفارق ذاكرته منذ بدأ بممارسة الكي، يتحدث محمد بن علي عنحالة شاب مواطن مريض بالكلى، يبلغ 20 عاما، جاء قبل 3 أعوام تقريبا، بعد أن جرب العلاج داخل الدولة وخارجها، دون جدوى، ليقرر بعدها الخضوع للوسم، وبالفعل قمت بوسمه، وشفي خلال يومين، مارس بعدها حياته الطبيعية .

ويسلط ابن علي الضوء على موقف عدد من الأطباء من العلاج بالكي، ممن يشنون حربا ظالمة عليه، كما يرى، مؤكدا أن الإقبال على الوسم لافت للنظر، ما يفسره بظهور الأمراض والإصابة بها بمعدلات كبيرة.

أعالج نفسي

يحذر محمد بن علي من الخضوع للعلاج بالكي على أيدي أصحاب الخبرة المحدودة من نظرائه، في ظل احتمالات تسببهم بمخاطر على صحة المرضى . ويحرص على تلقين أحد أبنائه أصول الوسم، حرصا على عدم ضياع هذا التراث بعد رحيل رواد هذه المهنة، والمفارقة اللافتة أن بن علي، المعالج بالكي، يذهب بنفسه أحيانا إلى الأطباء عندما يمرض، ورغم ذلك يؤكد أنه لا يشعر بالفائدة المرجوة، ما يدفعه بعدها إلى وسم نفسه بغرض العلاج .

ويرى أن غالبية أبناء جيله في المنطقة يفضلون الكي خيارا رئيسيا في العلاج على الطب الحديث، ويتم الوسم أو الكي في بعض الأمراض في المواضع ذاتها من الجسم رغم اختلافها، وفي أمراض أخرى يوسم المريض في مواقع شرايين محددة، توصل الدم إلى العضو المريض .