«لكل من اسمه نصيب»، إلا أن الطفل الفلسطيني محمد الشاعر، نال النصيب كله من اسمه، فأصبح على حداثة عمره شاعراً، يشار إليه بالبنان في قطاع غزة المحاصر، يؤلف الشعر، ويحفظه عن غيره من كبار الشعراء، ويقف على خشبة المسرح يلقيه بصوت شجي ولغة سليمة وجسد يحاكي الكلمات بكل إتقان.
بتشجيع من والده ومعلميه في مدرسة ذكور العمرية الإعدادية التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، أصبح محمد (11 عاماً) يتألق في كتابة الشعر وإلقائه بطريقة إبداعية، وحلمه أن يصبح يوماً ما واحداً من الشعراء الذين سجلوا أسماءهم في التاريخ الفلسطيني والعربي.
اكتشف والد محمد موهبة ابنه الصغير في مرحلة مبكرة، عندما التحق بالصف الأول من المرحلة الابتدائية، حينها لاحظ عليه ميله لحفظ ما يسمع من حوله، خصوصاً الشعر، وشيئاً فشيئاً بدأت تظهر عليه ملامح الميل الفطري للشعر، فحفظ في سنواته الأولى في المدرسة مجموعة كبيرة من الأبيات والقصائد.
لم يغفل والد محمد هذه الموهبة الإلهية التي من بها الله على طفله، واهتم بتوفير كتب الشعر وأقراص مدمجة لقصائد شعرية كي يعلمه كيفية الإلقاء السليم، وكان محمد سريع الحفظ والتعلم، حتى استطاع بعد وقت قصير حفظ قصيدة للشاعر العربي السوري الراحل نزار قباني، وأجاد إلقاءها بصورة مبدعة لاقت استحسان وإعجاب كل من استمع إليها. هذه الموهبة، جعلت منه «شاعر المدرسة»، وحرصت الإدارة على إفساح المجال لمحمد لإلقاء الشعر بصورة دائمة من على منصتها، وكان المدرسون والطلبة يستمعون لإلقائه باهتمام وإعجاب، خصوصاً في القصائد الوطنية التي تحاكي معاناة الشعب الفلسطيني.
من على منصة مدرسته، بدأ صيت محمد ينتشر ويكبر في قطاع غزة الصغير والمحاصر، وأصبح نجماً في المناسبات والاحتفالات الوطنية.
وكسر الطفل محمد حاجز الخوف والرهبة من مواجهة جماهير غفيرة، ونجح في اعتلاء المنصات في المهرجانات العامة، وصدح بصوته بقصائد أثارت حماس الجماهير، حتى بات مطلباً للجميع، وضيفاً على قنوات تليفزيونية محلية يتحدث فيها عن موهبته وأحلامه وتطلعاته.
هذا الاهتمام دفع محمد إلى بذل الجهد من أجل تطوير موهبته، فأبدى حرصاً على متابعة البرامج الثقافية سواء المحلية، أو عبر التليفزيون والإنترنت، من أجل تعزيز ثقافته اللغوية والشعرية.
ولم يكتف محمد بذلك، بل نجح في تأليف وكتابة العديد من القصائد، كان أولها قصيدة بعنوان «الطفولة» حرص من خلالها على إبراز معاناة الطفل الفلسطيني تحت نير الاحتلال «الإسرائيلي»، وأخرى بعنوان «أين حقي؟» تحدث فيها عن حقوق الأطفال خصوصاً في التعليم وفي حياة آمنة.
كما نظم قصيدة بعنوان «الانقسام» تحدث فيها عن الويلات والمعاناة التي تسبب بها الانقسام الفلسطيني الداخلي القائم منذ منتصف عام 2007، وحاجة الشعب الفلسطيني للوحدة ونبذ الفرقة والخلافات من أجل مواجهة الاحتلال.
وخص محمد والدته بقصيدة بعنوان «إلى أمي» ركز فيها على حنانها ومكانتها ودورها خصوصاً في حياته.
وكان لوالد محمد نصيب من قصائده، إذ أهداه قصيدة عنوانها «رسالة إلى أبي» . يقول محمد، إنه يستغل أوقات فراغه في الاستماع إلى كبار الشعراء عبر الإنترنت، كي يتعلم منهم أفضل طرق إلقاء الشعر. ويركز حالياً على التدرب لإجادة كتابة شعر القافية، بعدما كانت قصائده السابقة بكلمات سهلة وبسيطة.
ويحلم أن يكون له أسلوبه وطريقته الخاصة في عالم الشعر، وأن يصبح يوماً ما واحداً من الشعراء الكبار الذين مروا في تاريخ الشعب الفلسطيني، مثل محمود درويش، فيما يحلم أن يتمكن من الالتقاء بالشاعر الفلسطيني المغترب تميم البرغوثي.
طريقة محمد في إلقاء الشعر جعلت كثيراً من متابعيه يتنبؤون له بمستقبل كبير، وأنه سيصبح شاعراً كبيراً يشار إليه بالبنان في المستقبل القريب، وسفيراً ينقل عبر الشعر والكلمات معاناة شعبه الذي يعاني تحت نير الاحتلال «الإسرائيلي» منذ ما يقارب 7 عقود.
خالد أبو صفية، مشرف حقوق الإنسان في «أونروا» في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة، وواحد من المؤمنين بموهبة الشاعر الصغير، وأشد المتحمسين له ولموهبته، يقول: «محمد يتمتع بكثير من المواهب التي أسهمت في وصوله إلى هذه المرحلة من الشهرة في عمر مبكر، وأهمها التفوق الدراسي، فهو يحصل على المرتبة الأولى على مستوى مدرسته سنوياً، وبرز من خلال الإذاعة المدرسية ، حتى أصبح نجماً على مسرح الاحتفالات بالمناسبات الوطنية».