تحل يوم بعد غد الذكرى الثانية لوفاة المفكر والناقد المصري محمود أمين العالم الذي توفي في 10 من يناير/ كانون الثاني 2009 عن عمر يناهز سبعة وثمانين عاما قضى معظمها في سجال أدبي وفكري وسياسي لم يهدأ، ولم تخب جذوته حتى آخر لحظة من عمره، صحب القلم مناضلا على صعد عدة، فقد سجن مرات عدة، وعذب وفصل من الجامعة ومن التسجيل للدكتوراه في الفلسفة التي كان يحلم بالحصول عليها، بعد أن كافح طويلا ومارس مهناً شتى للإنفاق على دراسته حتى حصل على الماجستير .
كانت دراسة العالم في الكتّاب ثم في تنقله في مراحل التعليم تباعا وتخصصه في الآداب تؤهله لتلك العلاقة القوية المستمرة بالأدب، وكانت مجموعة المقالات الشهيرة التي كتبها بالاشتراك مع صديقه د . عبد العظيم أنيس في جريدة الوفد المصري ونشرت في كتاب بعد ذلك بعنوان في الثقافة المصرية رداً على مقال الدكتور طه حسين في جريدة الجمهورية حول مفهوم الأدب حين كان أستاذا بالجامعة، وراء شهرته الأدبية، فقد فجر هذا المقال معركة أدبية استقطبت أقلاما كثيرة منها طه حسين والعقاد وآخرون، واتضح من خلالها منهجه النقدي الواقعي الذي ينظر إلى الأدب باعتباره يحمل رسالة اجتماعية هي الدفاع عن الطبقات المظلومة وتثوير المجتمع للقضاء على الطبقة البرجوازية، بناء على ما تحدد في نظرية الالتزام الماركسية التي ينطلق منها العالم .
ومنذ تلك المعركة لم يتوقف محمود أمين العالم عن ممارسة الكتابة النقدية تطبيقا وتنظيرا وركز بصفة خاصة على الرواية، وظل يطور مفاهيمه النقدية وساعده خروجه من مصر واطلاعه المباشر على الأدب في بريطانيا وفي فرنسا على تطوير أدواته والاستفادة من الاتجاهات النقدية التي جاءت بعد الاتجاه الواقعي وخاصة نظرية البنيوية التكوينية ذات الجذور الماركسية، فأعاد من خلال مفاهيمها شيئا من الاعتبار إلى البناء الفني للنص الأدبي وجماليته، ومع ذلك فإنه لم يتبن كل مقولات البنيوية وظل مخلصا لنظرية الالتزام، وقد نشر كتبا كثيرة في النقد والدراسات الأدبية منها ألوان من القصة المصرية وتأملات في عالم نجيب محفوظ والوجه والقناع في المسرح العربي المعاصر وتوفيق الحكيم مفكرًا فنانًا، وثلاثية الرفض والهزيمة: دراسة نقدية لثلاث روايات لصنع الله إبراهيم والبنية والدلالة - في الرواية العربية المعاصرة، والإبداع والدلالة: مقاربات نظرية وتطبيقية، وأغنية الإنسان: ديوان شعر .
وكان تخصصه في الفلسفة حيث حصل على الماجستير في موضوع المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية، يؤهله لأن يكون مفكرا خصوصا مع انخراطه الكبير في القضايا الفكرية والسياسية المطروحة آنذاك، وانفعاله بالأحداث الجارية التي كانت تتمحور في معظمها وسائل التحرر من الاستعمار وشروط إقامة النهضة العربية المرجوة، ومن موقع المثقف الطليعي المؤمن بالفكر اليساري وبالدور العضوي للمثقف كمؤسس للوعي الثوري ومثقف للجماهير كانت إسهامات العالم الفكرية التي تسعى إلى تقديم رؤية للانعتاق من كل أشكال الاستعمار، وكانت محاولاته المتواصلة لتقديم إجابات على الإشكالات الفكرية المطروحة، وسعيه الدؤوب لملاءمة إجاباته مع التغير المستمر لأشكال الصراع في النصف الأخير من القرن الماضي، وأثمر ذلك مجموعة من الكتب التي عالجت قضايا الثقافة في مصر والوطن العربي وقضايا الوعي وإشكالية العلاقة بالتراث ومشكلة العولمة والهيمنة الغربية وغيرها من القضايا، ومن تلك الكتب معارك فكرية، والثقافة والثورة، والإنسان موقف، والماركسيون العرب، والرحلة إلى الآخرين، والبحث عن أوروبا، والوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر، والفكر العربي بين الخصوصية والكونية، ومواقف نقدية من التراث، ومن نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل، ومساهمة في بناء نهضة عربية جديدة .
لم تقتصر جهود محمود أمين العالم عند حدود النظرية فقط بل عرفته ساحة الفعل السياسي مناضلاً صلباً لم يستطع التهديد والوعيد ولا زنزانات السجن ولا نكوص النهضة في مصر والوطن العربي ولا الهزائم المتكررة التي مني بها العرب في النصف الأخير من القرن، ولا انحسار المد الاشتراكي وتفكك السوفييت وانكفاء الثورة والفكر المرتبط بها، لم يستطع كل ذلك أن يفت من عزمه أو يفتر من تطلعه إلى غد أفضل، وكان انخراطه المبكر في الحزب الشيوعي المصري دافعا له إلى معارضة النظام والاختلاف معه على كثير من القضايا، فكتب في الصحف المصرية مقالات شديدة اللهجة في إدانتها السياسة، ما سبب له الطرد من الجامعة سنة 1954 ليتفرغ للصحافة وتزداد مقالاته النقدية للسياسة القائمة، فيودع السجن في إطار حملة طالت رموز حزبه، ثم يخرج منه باتفاق بين الحزب الشيوعي والنظام، يجعله ينخرط في الهياكل السياسية للنظام، وفي السبعينيات من القرن الماضي يختلف مع النظام ويغادر البلد، ولا يعود إلا في نهاية عقد الثمانينيات، ليتفرغ للتأليف والكتابة .
مهما كان الموقف الذي سيأخذه القارئ المتأمل لحياة العالم ومواقفه النضالية والفكرية وآرائه النقدية، فإنه لا يمكنه أن ينكر حقيقة أن ذلك الرجل ظل حتى آخر لحظة مسكونا بهموم وطنه وأمته باحثا عن خلاص لها، ساعيا إلى إحداث وعي ثقافي جماهيري قادر على إحداث التغيير المطلوب، لقد كان العالم مثالاً للمناضل المخلص لمبادئه ووطنه .