القاهرة: «الخليج»

مر منذ أكثر من شهر، 25 عاماً على رحيل د. زكي نجيب محمود (1 فبراير 1905- 8 سبتمبر 1993) ولا تزال أسئلة العقل العربي التي طرحها في نهايات القرن التاسع عشر، هي الأسئلة ذاتها التي لا تزال تصنع اشتباكاً فكرياً مع الواقع المتخلف، الذي يتراجع إلى الوراء على نحو كبير، وفي هذه المناسبة نحاول تذكر تلك الرحلة التي قطعها د. زكي نجيب محمود من مسقط رأسه بإحدى قرى الدلتا إلى مختلف أنحاء العالم، معبأ بأفكار النهوض.
يوضح د. إمام عبد الفتاح إمام فإن د. زكي نجيب محمود، قد مر خلال تطوره الفكري بمراحل ثلاث، كانت المرحلة الأولى هي مرحلة التدين الخالص أو المبكر، وهو تدين يكاد يقترب من التصوف، أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة العقل الخالص، وأراد فيها أن يشيع استخدام العقل والاسترشاد بنوره من ناحية، والثورة العقلية على الواقع الاجتماعي السيئ في بلاده من ناحية أخرى، وكانت المرحلة الثالثة قد جرت وقائعها حين كان يعمل أستاذاً في جامعة الكويت، وخلالها تجلت أعماله المهمة: «تجديد الفكر العربي- المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري- ثقافتنا في مواجهة العصر- مجتمع جديد أو الكارثة».
أما الدكتور حسن حنفي فقد قسم المسار الفكري للدكتور زكي نجيب محمود إلى مرحلتين فقط، هما مرحلة المنطقي الوضعي، ومرحلة تجديد الفكر العربي، لكن الدكتورة منى أبو زيد فترى أن تطور د. زكي نجيب محمود الفكري جاء في ثلاث مراحل: الأولى هي الدفاع عن الميتافيزيقا، وهناك ثلاثة مؤلفات تعبر عنها هي «أرض الأحلام» والثاني رسالته عن «الجبر الذاتي» والثالث مقاله في شرح وتحليل القصيدة العينية عند ابن سينا، أما المرحلة الثانية فقد أطلقت عليها د. منى أبو زيد اسم «خرافة الميتافيزيقا» وتمثلها مؤلفات مثل «المنطقي الوضعي» و«نحو فلسفة علمية» والمرحلة الثالثة هي مرحلة «الأصالة والمعاصرة» وقد استمرت حتى نهاية حياته.
نشأ زكي نجيب محمود في قرية «ميت الخولي عبدالله» بدمياط في أسرة متدينة، وتلقى أولى مراحل تعليمه في كُتّاب القرية، فلم تكن أسرته قد غادرت بعد الريف إلى القاهرة، في هذا الكُتّاب تعلم مبادئ اللغة العربية، وظلت هذه الخبرة الدينية المبكرة لطفل في الرابعة من عمره تتردد بين جوانحه طوال حياته، لدرجة أنه ظل يذكرها بتفصيل واضح حتى بعد أن جاوز الثمانين من عمره، فالآيات القرآنية التي حفظها عن ظهر قلب، وهو طفل، ظل يبحث لها عن تفسير يطمئن إليه وهو شاب.
غير أن مشاعر د. زكي نجيب محمود الدينية لم تنحصر في العزلة عن الناس أو الحياة أو إلى ميل عارم نحو التصوف، حتى إنه يصف نفسه في الثلاثينات بأنه كان صوفياً على الطريقة الهندية وكانت أولى لفتاته الفكرية متجهة نحو صوفية ترى أن الوجود كل وحدة لا تعدد فيها، وألا تمايز بين أجزائها، اللهم إلاّ في المظهر الخارجي الخادع، وتصل هذه المرحلة الأولى إلى قمتها مع رسالته للدكتوراه بعنوان «الجبر الذاتي» عام 1947 التي وصفها د. إمام عبدالفتاح إمام بأنها «الوجه الميتافيزيقي» للدكتور زكي نجيب محمود.
كان الدكتور زكي نجيب محمود، حريصاً على أن يصور حياته العلمية والأدبية خلال عمره الطويل، في نزاهة وتجرد عن الهوى، وذلك في كتابه «حصاد السنين» الذي كتبه حين بلغ الخامسة والثمانين ورأى أن سيرته الثقافية تقترب من ختامها، ما أوحى له بأن يقدم للقارئ صورة للحياة كما عاشها، وكانت أولى خطواته تلك الأعوام من عشرينات القرن الماضي، ثم استمرارها إبان عقد الثلاثينات، وهي فترة كان فيها مستمعاً لما يقوله الآخرون، أكثر منه ناطقاً بما عنده ليسمع الآخرين، وفي تلك الأوقات كان يميل بقلبه وعقله نحو «فكرة التقدم» من مجموعة الأفكار التي امتلأت بها الصحف والكتب.
«فكرة التقدم» كما كان يراها الدكتور زكي نجيب محمود من الأفكار المركّبة التي تحتوي على أبعاد كثيرة، فمنها أن الآخذ بها لا بد له من أن يجعل نفسه على اعتقاد راسخ بأن الحاضر قد هضم الماضي، ثم أضاف جديداً تلو جديد، مما أنتجته السنون، ومعنى ذلك ألا يكون «العصر الذهبي» وراء ظهورنا بل يكون موضعه الصحيح هو في المستقبل، الذي يعمل الناس على بلوغه.
وكانت حياته في الأربعينات مثقلة بالتحولات، فقد سافر في بعثة دراسية للحصول على الدكتوراه في الفلسفة، وتحقق له ذلك أثناء اشتعال الحرب العالمية الثانية، وفي مثل هذا المناخ الملتهب كان يدرس ويقرأ ويراجع ويتأمل، لإنجاز ما سافر من أجله، وجاءت سنوات الخمسينات وعاد إلى مصر وفي ذهنه تصور واضح لما ينبغي أن يدعو إليه في دنيا الثقافة بصفة عامة، وفي مجال الفكر الفلسفي بصفة خاصة، ومن معالم الرؤية الواضحة التي عاد بها، معتزماً أن يجعلها برنامج عمل يهتدي به في نشاطه الفكري، أن ما قد تقدم به الغرب، يمكن أن نتقدم به نحن على مستوى مصر والعالم العربي في آن، دون أن تضيع منا الهوية، هويتنا التي لازمتنا فميزتنا على امتداد عصور التاريخ.
وقبيل أن ينتهي عقد الستينات من القرن الماضي، تلقى الدكتور زكي نجيب محمود، دعوة من جامعة الكويت، لأن يكون أستاذاً للفلسفة بها، وكما يقول هو في كتابه «حصاد السنين» فقد جعل خطته أن يستغل فراغه هناك في مراجعة متأنية متأملة لعيون التراث العربي، مما يمكن أن يندرج تحت العنوان «ثقافة» وهناك أخذ يجمع النصوص التي يراها دالة على روح الثقافة العربية، إبان ازدهار العقل العربي، وبهذا النشاط حقق ما أراد تحقيقه لنفسه، وهو أن ترتسم له لوحة متماسكة لسيرة الثقافة العربية.
وعلى ضوء هذا أخذ الدكتور زكي نجيب محمود يكتب فيما تصوره من وجوب إيجاد صيغة جديدة للمواطن العربي بصفة عامة، والمثقف بصفة خاصة، وهي صيغة لا بد لها من أن تدمج جانبين في كيان واحد، فمن التراث ما لابد له من أن يبقى ليضمن للعربي استمرارية تاريخية في حياته الثقافية، وهي استمرارية ضرورية لتظل للعربي هويته في جوهرها، لكن هذه الصلة الحيوية بين حاضر العربي وماضيه، لا تكفي وحدها لتمكينه من اقتحام عصره، الذي كتب له، وكتب عليه أن يعيش فيه.
ومنذ العقد السبعين من عمره أخذ الدكتور زكي نجيب محمود يصدر الكتاب إثر الكتاب، ليشرح ما يراه من الصيغة الثقافية المطلوبة، وحين عاد إلى مصر استأنف نشاطه في الجامعة المصرية كأستاذ متفرغ، ثم دعي إلى «الأهرام» لكتابة مقال أسبوعي بها، وطوال تلك الفترة كان يكتب المقالات ليلقي الضوء على جوانب الصيغة الثقافية المرجوة للمواطن العربي، وهي بكل بساطة أن يكون عربياً، وأن يكون في الوقت نفسه قادراً على مواجهة عصر علمي تقني، بلغ به الطموح حداً يحاول به اختراق الفضاء الكوني.
في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود» يصل الدكتور إمام عبدالفتاح إمام، إلى عدة خلاصات منها أننا نخطئ كثيراً عندما نحكم على فكر زكي نجيب محمود من منظور الوضعية المنطقية وحدها، وأن كل من يأخذ بهذا المنظور فإنه يكشف عن خطأ أساسي أو قصور شديد، لأنه لم يتتبع التطور الروحي لهذا المفكر، أو أنه اكتفى بالتوقف عند مرحلة واحدة من مراحل تطوره، كما أن زكي نجيب محمود مفكر تنويري قام بمواصلة المهمة التنويرية التي بدأها رفاعة الطهطاوي، وسار فيها أعلام نهضتنا الحديثة، ومن هنا قدم صيغة ثنائية هي «العقل والوجدان» والتفرقة بين هذين المجالين، حلاًّ لمشكلتنا الثقافية، وقد عرض هذه الصيغة في كتابه «الشرق الفنان» وجسدها هو نفسه بحياته ومؤلفاته، وفي كل الأحوال فإن الدكتور زكي نجيب محمود، حمل مشاعل التنوير ما يقرب من ستين عاماً، يضيء به العقول والقلوب معاً في مؤلفاته ومحاضراته وأحاديثه ولقاءاته، لقد كان مفكراً عربياً مخلصاً في عروبته ووطنيته.