د . حياة الحويك عطية
"ضلّوا شعرا/ ضلّوا طفال/ ضلّوا حصان بلا خيّال/ عبّوا حيطان الحارة كتابة وتصوير/ بحبر ودم ودمع ونار/ هزوا بصرختكم بوابة قصر المير/ هزوا هالدنيي الختياره/ ها الأرض العدرا/ المشنوقة بشارب رجال" "ضلوا حصان بلا خيال" (كمال خير بك)
ترى كم تبقّى من هذه الأحصنة التي ترفض خيّالاً يتحكم بجموحها وكبريائها، على الساحة الممتدة من موت كمال خير بك إلى موت مخول قاصوف . مات الشاعر والمناضل الأول شهيد إصراره على أن يكون حصاناً بلا خيال يطير إلى فجر يصنعه بالشعر والثورة والفعل، ومات الثاني بعده بعقود ضحية قهر عام لا يختزل إلا بالسرطان .
"اول من احتضن هذا النوع من القصائد الملتزمة بالعربية" . كتب عنه زياد رحباني، ولكن لماذا لم يكن مخول قاصوف الاكثر غزارة وحضوراً؟ لأنه انصرف إلى مهنته كطبيب وكأستاذ طب، يقول بعضهم . لأنه انشغل بعمله مسؤولاً ثقافياً في الحزب السوري القومي الاجتماعي، يقول غيرهم: ولكن لماذا لا يكون لأن هذا الفنان المرهف، كلمة ولحناً، قد اخذته موجات الإحباط، امام المعاول الهدامة وحبال التسلق؟
مزيج جميل من رومانسية وتمرد وسخرية غاضبة . طالب جامعة القديس يوسف الذي اراد ان يقلد البيتلز إلى ان حملته نكسة حزيران 1967 إلى النضال القومي الذي أصبح يتجسد في النضال الفلسطيني: فغنى " في خيامنا أطفال" عام ،1969 مكرساً ريادته . من دون أن يغفل أن الفن الوطني هو فن المفاهيم الذي لا يسمح بنسيان المشكلة الاجتماعية في بعدها الطبقي "معلّم طرطور"، في بعدها التربوي في "بدنا ولاد" في ازمتها الثقافية في "مثقفون نون"، في بعدها النسوي "العدرة المشنوقة بشارب رجال"، هو فن التمرد في "فاتحة العصيان" فن الاعتراض على الحرب الاهلية العبثية في "شبعنا بقى"، في "بواب الفرح"، حيث يصرخ بيأس ونفاذ روح: "ما ضل بفي هالحيطان ولو خربة تقول: هون في بلاد" . لكن كل ذلك لا يجعله يحرم نفسه من كلمة الحب الرومانسية "عيونِك"، "نزّلي جفونِك"، "بدوية/ ركوة عرب" .
أصدر مجموعتين شعريتين بعنوان "حروف على ورق النورس" (1982) و"مغارة الحلم" (1985)، غنى كلماته، ولكنه غنى أيضاً كلمة الكبار خاصة كمال خير بك الذي لم يشاركه به احد . وطلال حيدر الذي غنى له "بدوية" عام 1978 وأصدرها في ألبومه عام 1986 فعاد مارسيل خليفة وغناها نفسها عام 1995مغيراً عنوانها إلى "ركوة عرب" . مسحت ركوة عرب بدوية جماهيريا ولكنها لم تمسح استثنائيتها فنيا باعتراف نقاد الفن . صدق التزامه بالقضية الفلسطينية من منطلق التزام قومي لم يحد عنه حتى لحظاته الأخيرة، لكنه لم يتأبط ذراع شاعر أو إعلام فلسطيني ليصعد بهما، ولم يمالىء الاعلام وادعياء الثقافة بوجه عام . نظر إلى مثقفي المقاهي البيروتية ( وهم لا يختلفون عن غيرهم ممن يحبون هذا اللقب ) فرآهم يتسلحون لأجله بمصطلحات تنظيرية يكادون لا يفقهون ما يريدون منها، "الصيرورة التاريخية"، "الدال والمدلول"، و"البنيوية" . سخر مخول من هؤلاء الذين غالباً ما يحملون امراضهم وعقدهم الطبقية والثقافية وتضخم الانا والاستعراض . التقى بالساخر الاكبر المذهل في حقيقته وواقعيته، زياد الرحباني، فصاغا معا عام 1973 اغنية "مثقفون ن": مخول كتابة وغناء وزياد توزيعاً وعزفاً . لم تصدر الا عام ،1986 وجدها زياد من طينة اسكتش "الثقافة والمناقيش" فتحمس لها .
لكن . ها هو يذهب، يفتقده زياد وطلال، يفتقده سامي حواط ويحيى الداده، يفتقده احمد قعبور، يفتقده اصدقاؤه ورفاقه واهله . ويفتقده حتى اولئك الذين سلموا عنانهم وقبلوا بأن يمتطيهم ركّاب ما لا علاقة لهم بالفروسية . لنسأل: هل كان علينا ان ننتظر الموت لنتذكر هذا الفنان الملتزم الرائد؟ وهل كان عليه هو، ان يتذكر الموت ليعود إلى جمهوره قبل عام، بعد سنين من الغياب في حفل وصف بأنه وداعي؟
هل يعيدنا هذا السؤال المرّ إلى واقع اشد مرارة يتعلق بالمبدع في بلادنا، أياً يكن مجال إبداعه، هل ان عليه ان يقف بين خيارين : زبد التفاهة والرداءة الذي بات جواز سفر إلى كل شيء، ام خيار البحث عن خيّال يحمله الظهر وتنوء به الساقان ويحوّل الحصان شكلا إلى حيوان آخر يمكن ان يكون كل شيء إلا الحصان؟ وإلا فالانكفاء؟
سؤال لا يعفي بعض المبدعين الأصلاء من ذنب ترك الساحات او التقصير في الحضور، في زمن اندلاق البلاهة وقرقعة الأصداف الفارغة . كذلك لا يعفينا نحن، من حولهم، أفراداً وأحزاباً ومؤسسات، من التقصير في دعمهم واستفزازهم وتعميم تجربتهم .
أخطأ مخول قاصوف مرتين: الأولى عندما لم يعط تجربته الرائدة والناضجة ما يكفي من وقت وترويج، والثانية عندما رحل مبكراً من دون عذر .
"ضلّوا شعرا/ ضلّوا طفال/ ضلّوا حصان بلا خيّال/ عبّوا حيطان الحارة كتابة وتصوير/ بحبر ودم ودمع ونار/ هزوا بصرختكم بوابة قصر المير/ هزوا هالدنيي الختياره/ ها الأرض العدرا/ المشنوقة بشارب رجال" "ضلوا حصان بلا خيال" (كمال خير بك)
ترى كم تبقّى من هذه الأحصنة التي ترفض خيّالاً يتحكم بجموحها وكبريائها، على الساحة الممتدة من موت كمال خير بك إلى موت مخول قاصوف . مات الشاعر والمناضل الأول شهيد إصراره على أن يكون حصاناً بلا خيال يطير إلى فجر يصنعه بالشعر والثورة والفعل، ومات الثاني بعده بعقود ضحية قهر عام لا يختزل إلا بالسرطان .
"اول من احتضن هذا النوع من القصائد الملتزمة بالعربية" . كتب عنه زياد رحباني، ولكن لماذا لم يكن مخول قاصوف الاكثر غزارة وحضوراً؟ لأنه انصرف إلى مهنته كطبيب وكأستاذ طب، يقول بعضهم . لأنه انشغل بعمله مسؤولاً ثقافياً في الحزب السوري القومي الاجتماعي، يقول غيرهم: ولكن لماذا لا يكون لأن هذا الفنان المرهف، كلمة ولحناً، قد اخذته موجات الإحباط، امام المعاول الهدامة وحبال التسلق؟
مزيج جميل من رومانسية وتمرد وسخرية غاضبة . طالب جامعة القديس يوسف الذي اراد ان يقلد البيتلز إلى ان حملته نكسة حزيران 1967 إلى النضال القومي الذي أصبح يتجسد في النضال الفلسطيني: فغنى " في خيامنا أطفال" عام ،1969 مكرساً ريادته . من دون أن يغفل أن الفن الوطني هو فن المفاهيم الذي لا يسمح بنسيان المشكلة الاجتماعية في بعدها الطبقي "معلّم طرطور"، في بعدها التربوي في "بدنا ولاد" في ازمتها الثقافية في "مثقفون نون"، في بعدها النسوي "العدرة المشنوقة بشارب رجال"، هو فن التمرد في "فاتحة العصيان" فن الاعتراض على الحرب الاهلية العبثية في "شبعنا بقى"، في "بواب الفرح"، حيث يصرخ بيأس ونفاذ روح: "ما ضل بفي هالحيطان ولو خربة تقول: هون في بلاد" . لكن كل ذلك لا يجعله يحرم نفسه من كلمة الحب الرومانسية "عيونِك"، "نزّلي جفونِك"، "بدوية/ ركوة عرب" .
أصدر مجموعتين شعريتين بعنوان "حروف على ورق النورس" (1982) و"مغارة الحلم" (1985)، غنى كلماته، ولكنه غنى أيضاً كلمة الكبار خاصة كمال خير بك الذي لم يشاركه به احد . وطلال حيدر الذي غنى له "بدوية" عام 1978 وأصدرها في ألبومه عام 1986 فعاد مارسيل خليفة وغناها نفسها عام 1995مغيراً عنوانها إلى "ركوة عرب" . مسحت ركوة عرب بدوية جماهيريا ولكنها لم تمسح استثنائيتها فنيا باعتراف نقاد الفن . صدق التزامه بالقضية الفلسطينية من منطلق التزام قومي لم يحد عنه حتى لحظاته الأخيرة، لكنه لم يتأبط ذراع شاعر أو إعلام فلسطيني ليصعد بهما، ولم يمالىء الاعلام وادعياء الثقافة بوجه عام . نظر إلى مثقفي المقاهي البيروتية ( وهم لا يختلفون عن غيرهم ممن يحبون هذا اللقب ) فرآهم يتسلحون لأجله بمصطلحات تنظيرية يكادون لا يفقهون ما يريدون منها، "الصيرورة التاريخية"، "الدال والمدلول"، و"البنيوية" . سخر مخول من هؤلاء الذين غالباً ما يحملون امراضهم وعقدهم الطبقية والثقافية وتضخم الانا والاستعراض . التقى بالساخر الاكبر المذهل في حقيقته وواقعيته، زياد الرحباني، فصاغا معا عام 1973 اغنية "مثقفون ن": مخول كتابة وغناء وزياد توزيعاً وعزفاً . لم تصدر الا عام ،1986 وجدها زياد من طينة اسكتش "الثقافة والمناقيش" فتحمس لها .
لكن . ها هو يذهب، يفتقده زياد وطلال، يفتقده سامي حواط ويحيى الداده، يفتقده احمد قعبور، يفتقده اصدقاؤه ورفاقه واهله . ويفتقده حتى اولئك الذين سلموا عنانهم وقبلوا بأن يمتطيهم ركّاب ما لا علاقة لهم بالفروسية . لنسأل: هل كان علينا ان ننتظر الموت لنتذكر هذا الفنان الملتزم الرائد؟ وهل كان عليه هو، ان يتذكر الموت ليعود إلى جمهوره قبل عام، بعد سنين من الغياب في حفل وصف بأنه وداعي؟
هل يعيدنا هذا السؤال المرّ إلى واقع اشد مرارة يتعلق بالمبدع في بلادنا، أياً يكن مجال إبداعه، هل ان عليه ان يقف بين خيارين : زبد التفاهة والرداءة الذي بات جواز سفر إلى كل شيء، ام خيار البحث عن خيّال يحمله الظهر وتنوء به الساقان ويحوّل الحصان شكلا إلى حيوان آخر يمكن ان يكون كل شيء إلا الحصان؟ وإلا فالانكفاء؟
سؤال لا يعفي بعض المبدعين الأصلاء من ذنب ترك الساحات او التقصير في الحضور، في زمن اندلاق البلاهة وقرقعة الأصداف الفارغة . كذلك لا يعفينا نحن، من حولهم، أفراداً وأحزاباً ومؤسسات، من التقصير في دعمهم واستفزازهم وتعميم تجربتهم .
أخطأ مخول قاصوف مرتين: الأولى عندما لم يعط تجربته الرائدة والناضجة ما يكفي من وقت وترويج، والثانية عندما رحل مبكراً من دون عذر .