«المعهد» كان يعني حداثة أخرى، وانفتاحاً أرحب في التعليم والثقافة، إذ يهدف إلى تطوير الموسيقى من جهة، والمسرح من جهة أخرى، والفنون الشعبية من جهة ثالثة. ولكن شاءت الظروف أن استقلت الفنون الشعبية عاجلاً. وذهبت إلى تشكيل «الفرق القومية للفنون الشعبية»، وتركت مشاغيل الفولكلور إلى حين لاحق، وأفسح المجال للمعهد لترقية الجانبين الموسيقي والمسرحي، وتولى شؤونه الماحي إسماعيل، أطال الله في عمره، بينما اهتم بفرقة الفنون الشعبية رامزين، السوفييتي الذي اعتنى بأمر الفرقة تأهيلاً وتدريباً على الطريقة «الاشتراكية».
الفكي عبدالرحمن والماحي إسماعيل تخرجا في بخت الرضا، وواصلا تعليماً تخصصياً في المملكة المتحدة. الفكي عبدالرحمن «عمكم مختار» اختار أن يكون عراباً ل«تفتح كل الأزاهير»، بينما اختار الموسيقار البارع أن يأتي «بزهرة من كل بستان»، تنجح تجربة الفكي إلى حين.. فماذا عن المعهد؟
الذي رسخ عندي أن الماحي كان طامحاً إلى المزاوجة بين العديد من الأنظمة للتعليم: غربي على طريقة من تعلم عليهم، وآخر مهني حرفي من موسيقيين ورواة ومادحين تقليديين من مناطق السودان العديدة المتباينة، وثالث شرقي عربي. أريد أن اسمي ثانيهما «سوداني» باعتبار فنون الموسيقى والفرجة التقليدية الشعبية الاثنية السودانية، قد آن أوان مواجهتها الآخر وفنونه، فقد وجدت بعض صناع الآلات الموسيقية من بيئات سودانية متباينة، «أم كيكي»، «الطمبور»، «البالمبو»، «الوازا» عديد الآلات الموسيقية التي كان المعهد في قسمه الموسيقي راغباً في تعليمها لطلابه لصناعة وعزف تلك الآلات ومقاربتها ومضاهاتها ودوزنتها ودراسة إمكاناتها اللحنية وحيزها الروحي الوجداني في بيئتها.
أسرني ذلك التفكير الذي وجدته سديداً، فهو لا يسلبني ثوبي ولا يضطرني لمسوح الآخرين، بل يمكنني من «تقانة» الآخر التي كنت أسعى إلى تحقيقها في الشطر الآخر من المعهد، تطلعي إلى دراسة مفاتيح الفرجة والتراث الحركي والحكائي والصوفي لإثنيات عدة وأقوام من أهل المديح والذكر والغناء «والكمبلا» و«العرضة» وغيرها، لنتعرف إلى ما يمكن أن يضيء مسرحاً لعموم أهل السودان، فيه حيز نفسي، روحي، اجتماعي للثقافات السودانية بما يكفل الإنصاف لها ويخلق لها فضاءات تعابيرها في المسرح.
كنت قد لقيت أساتذة ومدرسين ومدربين من أجناس شتى في القسم، كما في الموسيقى، فأضفت لهم آخرين من أجناس أخرى أيضاً، بقصد أن تكون التعددية في المدارس والرؤى المختلفة سبيلنا إلى تقديم ثقافات من بيئات معاصرة مختلفة، يختار منها المتعلمون ما يوافق انطلاقاتهم إلى فن المسرح في مختلف تخصصاته، بل ذهبت وزملائي في قسم المسرح إلى معاينة ما يميز السودان الذي يستنبت فني المسرح والموسيقى «كما عرفا في الغرب»، في بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات، فأضفنا اللغتين العربية والإنجليزية والأدب العربي والإفريقي وعلم الجمال والفلسفة والصوتيات و«الصولفيج» وضروب التواريخ التي لا تضاهي أو تماثل الغرب، بل هي منفتحة على مناهج بعض غربية وبعض شرقية. بعض إفريقية وبعض عربية «بنكهة» نريدها سودانية.
لم يمكث الموسيقيون الشعبيون إلا قليلاً في المعهد، فقد انحل واضطرب وضعهم الوظيفي، فالخدمة المدنية لم تقبلهم أساتذة في المعهد، فهم «عمال» أو «حرفيون» أو «فنيون» لا يحق لهم «الراتب» الذي اقترحه المعهد ليسد حاجتهم بعد خروجهم من مناطقهم للعيش في عاصمة البلاد. وانفرط عقدهم. حاولت إدارة المعهد سد نقصهم من الفنون الشعبية، ولكن هيهات. كان اختيار تلك النخبة «المبدعة» لا يعوض «مما هو موجود» هناك. خسرنا الوتر السوداني الذي كان معولاً عليه موسيقياً في صقل وتطوير أصوات التعددية، أصوات ثقافات أهل السودان.
أما في الجانب المسرحي، فقد أفلح القسم في توسيع المناهج لتبتعد عن النقل عن الغرب أو الشرق أو المعاهد العربية، وتوصلنا إلى مناهج تلبي احتياج المتعلمين الذين كانوا من صفوة أهل المسرح في البلاد.
في قسم الموسيقى أيضاً خسرنا بعض الروح، بعد تجربة بقيت آثارها السلبية ماثلة، فقد وفد إلينا خبراء كوريون، وباندفاعاتهم «الثورية» سرعان ما غنوا لثورة مايو فألهبت «عزتهم» الجميع بمكياجها الموسيقي الكوري، ولكنها أغضبتنا، كان همنا في المعهد ألا نقع فريسة للمدارس الغربية أو العربية أو الشرقية، وأن نحفر لنا درباً سودانياً يحفظ الهوية وينفتح على العصر ومتغيراته. تفهّمونا - بعد أن كانوا شهروا بنا لدى النظام الحاكم - لأننا كنا نحرص مثلهم على هوية وخصوصية موسيقية عزيزة علينا، وعليهم عدم المساس بها، وعليهم تقديم معارفهم وتفاسيرهم وتأويلاتهم للدروس الموسيقية بوضوح حتى تستقيم الأمور العلمية الفنية لطلاب الموسيقى من المؤلفين والعازفين والمؤدين، بل ولنا نحن الذين نتلقى ونتذوق تلك المعزوفات التي يربطنا بها حبلنا السري.
ما أقصد إليه هو أن تعليم وتعلم الموسيقى والمسرح والفنون الأدائية عموماً، يجب ألا يبتعد عن الهوية والخصوصية، فمثلاً كيف لي تدريس وتعليم التمثيل الإيمائي الحركي وأنا لي حركاتي في حيزي السوداني «جماع الغابة والصحراء» أو الإفريقي المحض أو العربي البحت، مقارنة مع الدروس الغربية للإيماء. لابد أن نعزز مواعين «التقنية»، كما أنه لابد أن يكون لي في الوقت ذاته ذلك الحيز الذي أتحرك فيه بزوادتي المحلية.
وفي مجال الفنون من المهم جداً الاستفادة القصوى من مكونات الثقافات والتقانات المحلية لكل متعلم، وكذلك يجب مراعاة المحتوى التعليمي - الأمر الذي وضع «المعهد» أمام خيارات المعاصرة والحداثة والتجديد ومفارقة التقليد والاتباع. فكان أن عملنا بجدية وصرامة على المناهج تطويراً وتعديلاً بما يتلاءم والمحيط الذي يفرز ثقافاته في أشكال وقوالب وتعابير عدة متغيرة متبدلة متجددة على الدوام. وكان لابد من استيعاب المستجدات وباستمرار أيضاً. كان في البال دائماً أن المسرح مثلاً، لم ينطلق من الموروث والممارسات والثقافات المحلية، بل اتخذ شكله من المسرح الوافد، فكان لزاماً علينا أن نراجع تراثنا، وأن نمسك بخيوط ليتواشج بها مع التقانات المجلوبة من الآخرين، وأن نسعى بها نحو مسرح سوداني دعا إليه الرواد الأوائل مثل عشري الصديق وعرفات عبدالله، وقبلهما أبو الروس والعبادي وبعدهم الفاضل سعيد بل والرواة وأهل الحكي والمديح. ولقد كان الطلبة دائماً معنا من أجل التغيير.
كان أمام المعهد أن يدرك تماماً أهدافه ومراميه التربوية والوطنية.. لماذا الموسيقى؟ ولماذا المسرح؟ أي توجه في تعلم الموسيقى والمسرح؟ ما الصلة بين الفنون وواقع الأمة؟ أي موسيقى وأي مسرح في إطار الهوية والخصوصيات الثقافية في مجتمع تعددي؟ ولذلك كان صعباً أن يمتلك المعهد حرية باتساع الوطن.
كنا أمام تحديات جِسام:
- كيف نضبط السياسة التعليمية والمعهد تابع لوزارة الثقافة، فيما الطموح يذهب إلى التعليم العالي؟
- كيف يتم التعامل مع المحيط الطلابي ومنازعات اتحادات الطلبة والاتحاد الاشتراكي وحدود كل منهما؟
- المقرات الدراسية المتنقلة، غير المناسبة للدراسة وتوسعاتها المتوقعة دائماً.
- عروض التخرج التي تواجه بتسلط وعنت السلطات.
- تدخلات «الأمن العام» المتكررة وملاحقته للطلبة.
* جزء من «ورقة ألقيت في مؤتمر الحداثة وصناعة الهوية في السودان» في الشارقة