د‮. ‬يوسف عيدابي
عندما تأسس في‮ ‬الخرطوم‮ ‬‮«‬معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية‮» ‬في‮ ‬العام ‮٩٦٩١‬،‮ ‬كان‮ ‬‮«‬المسرح القومي‮»‬‮ ‬قد تجاوز البدايات الصعبة منذ إنشائه في‮ ‬العام ‮٩٥٩١‬،‮ ‬ونجحت إدارته بقيادة الفكي‮ ‬عبدالرحمن‮، ‬رحمه الله»‬، ‬في‮ ‬استقطاب كوكبة من المسرحيين من المخضرمين والمحدثين لتأسيس موسم مسرحي‮ ‬يعتد به،‮ ‬ويقابل تعطش الجمهور لمسرح جدير بتجربة الرواد الأماجد للمسرح السوداني‮ ‬‮«‬أبو الروس‮»‬‮ ‬و‮«‬العبادي‮»‬‮ ‬ثم‮ ‬‮«‬الفاضل سعيد‮»‬‮.. ‬إلخ،‮ اعتباراً‮ ‬من العام ‮٩٦٩١‬،‮ ‬مؤسساً‮ ‬بذلك لما اتفق المسرحيون على تسميته بالمسرح السوداني‮ ‬الحديث والمعاصر‮.‬

‮ «‬المعهد‮»‬‮ ‬كان‮ ‬يعني‮ ‬حداثة أخرى،‮ ‬وانفتاحاً‮ ‬أرحب في‮ ‬التعليم والثقافة،‮ ‬إذ‮ ‬يهدف إلى تطوير الموسيقى من جهة،‮ ‬والمسرح من جهة أخرى،‮ ‬والفنون الشعبية من جهة ثالثة‮. ‬ولكن شاءت الظروف أن استقلت الفنون الشعبية عاجلاً‮. ‬وذهبت إلى تشكيل‮ ‬‮«‬الفرق القومية للفنون الشعبية‮»‬،‮ ‬وتركت مشاغيل الفولكلور إلى حين لاحق،‮ ‬وأفسح المجال للمعهد لترقية الجانبين الموسيقي‮ ‬والمسرحي،‮ ‬وتولى شؤونه الماحي‮ ‬إسماعيل‮، ‬‬أطال الله في‮ ‬عمره‮،‮ ‬بينما اهتم بفرقة الفنون الشعبية رامزين،‮ ‬السوفييتي‮ ‬الذي‮ ‬اعتنى بأمر الفرقة تأهيلاً‮ ‬وتدريباً‮ ‬على الطريقة‮ ‬‮«‬الاشتراكية‮»‬‮.‬

الفكي‮ ‬عبدالرحمن والماحي‮ ‬إسماعيل تخرجا في‮ ‬بخت الرضا،‮ ‬وواصلا تعليماً‮ ‬تخصصياً‮ ‬في‮ ‬المملكة المتحدة‮. ‬الفكي‮ ‬عبدالرحمن‮ ‬‮«‬عمكم مختار‮»‬‮ ‬اختار أن‮ ‬يكون عراباً‮ ‬ل‮‬‮«‬تفتح كل الأزاهير‮»‬،‮ ‬بينما اختار الموسيقار البارع أن‮ ‬يأتي‮ ‬‮«‬بزهرة من كل بستان‮»‬،‮ ‬تنجح تجربة الفكي‮ ‬إلى حين‮.. ‬فماذا عن المعهد؟
الذي‮ ‬رسخ عندي‮ ‬أن الماحي‮ ‬كان طامحاً‮ ‬إلى ‬المزاوجة بين العديد من الأنظمة للتعليم‮: ‬غربي‮ ‬على طريقة من تعلم عليهم،‮ ‬وآخر مهني‮ ‬حرفي‮ ‬من موسيقيين ورواة ومادحين تقليديين من مناطق السودان العديدة المتباينة،‮ ‬وثالث شرقي‮ ‬عربي‮. ‬أريد أن اسمي‮ ‬ثانيهما‮ ‬‮«‬سوداني‮»‬‮ ‬باعتبار فنون الموسيقى والفرجة التقليدية الشعبية الاثنية السودانية،‮ ‬قد آن أوان مواجهتها الآخر وفنونه،‮ ‬فقد وجدت بعض صناع الآلات الموسيقية من بيئات سودانية متباينة،‮ ‬‮«‬أم كيكي‮»‬،‮ ‬‮«‬الطمبور‮»‬،‮ ‬‮«‬البالمبو‮»‬،‮ ‬‮«‬الوازا‮»‬‮ ‬عديد الآلات الموسيقية التي‮ ‬كان المعهد في‮ ‬قسمه الموسيقي‮ ‬راغباً‮ ‬في‮ ‬تعليمها لطلابه لصناعة وعزف تلك الآلات ومقاربتها ومضاهاتها ودوزنتها ودراسة إمكاناتها اللحنية وحيزها الروحي‮ ‬الوجداني‮ ‬في‮ ‬بيئتها‮.
أسرني‮ ‬ذلك التفكير الذي‮ ‬وجدته سديداً،‮ ‬فهو لا‮ ‬يسلبني‮ ‬ثوبي‮ ‬ولا‮ ‬يضطرني‮ ‬لمسوح الآخرين،‮ ‬بل‮ ‬يمكنني‮ ‬من‮ ‬‮«‬تقانة‮»‬‮ ‬الآخر التي‮ ‬كنت أسعى إلى تحقيقها في‮ ‬الشطر الآخر من المعهد،‮ ‬تطلعي‮ ‬إلى دراسة مفاتيح الفرجة والتراث الحركي‮ ‬والحكائي‮ ‬والصوفي‮ ‬لإثنيات عدة وأقوام من أهل المديح والذكر والغناء‮ ‬‮«‬والكمبلا‮»‬‮ ‬و‮«‬العرضة‮»‬‮ ‬وغيرها، لنتعرف إلى ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يضيء مسرحاً‮ ‬لعموم أهل السودان،‮ ‬فيه حيز نفسي،‮ ‬روحي،‮ ‬اجتماعي‮ ‬للثقافات السودانية بما‮ ‬يكفل الإنصاف لها ويخلق لها فضاءات تعابيرها في‮ ‬المسرح‮.‬
كنت قد لقيت أساتذة ومدرسين ومدربين من أجناس شتى في‮ ‬القسم،‮ ‬كما في‮ ‬الموسيقى،‮ ‬فأضفت لهم آخرين من أجناس أخرى أيضاً،‮ ‬بقصد أن تكون التعددية في‮ ‬المدارس والرؤى المختلفة سبيلنا إلى تقديم ثقافات من بيئات معاصرة مختلفة،‮ ‬يختار منها المتعلمون ما‮ ‬يوافق انطلاقاتهم إلى فن المسرح في‮ ‬مختلف تخصصاته،‮ ‬بل ذهبت وزملائي‮ ‬في‮ ‬قسم المسرح إلى معاينة ما‮ ‬يميز السودان الذي‮ ‬يستنبت فني‮ ‬المسرح والموسيقى‮ ‬‮«‬كما عرفا في‮ ‬الغرب‮»،‬‮ ‬في‮ ‬بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات،‮ ‬فأضفنا اللغتين العربية والإنجليزية والأدب العربي‮ ‬والإفريقي‮ ‬وعلم الجمال والفلسفة والصوتيات و‮«‬الصولفيج‮»‬‮ ‬وضروب التواريخ التي‮ ‬لا تضاهي‮ ‬أو تماثل الغرب،‮ ‬بل هي‮ ‬منفتحة على مناهج بعض‮ ‬غربية وبعض شرقية‮. ‬بعض إفريقية وبعض عربية‮ ‬‮«‬بنكهة‮»‬‮ ‬نريدها سودانية.
لم‮ ‬يمكث الموسيقيون الشعبيون إلا قليلاً‮ ‬في‮ ‬المعهد،‮ ‬فقد انحل واضطرب وضعهم الوظيفي،‮ ‬فالخدمة المدنية لم تقبلهم أساتذة في‮ ‬المعهد،‮ ‬فهم‮ ‬‮«‬عمال‮»‬‮ ‬أو‮ ‬‮«‬حرفيون‮»‬‮ ‬أو‮ ‬‮«‬فنيون‮»‬‮ ‬لا‮ ‬يحق لهم‮ ‬‮«‬الراتب‮»‬‮ ‬الذي‮ ‬اقترحه المعهد ليسد حاجتهم بعد خروجهم من مناطقهم للعيش في‮ ‬عاصمة البلاد‮. ‬وانفرط عقدهم‮. ‬حاولت إدارة المعهد سد نقصهم من الفنون الشعبية،‮ ‬ولكن هيهات‮. ‬كان اختيار تلك النخبة‮ ‬‮«‬المبدعة‮»‬‮ ‬لا‮ ‬يعوض‮ ‬‮«‬مما هو موجود‮»‬‮ ‬هناك‮. ‬خسرنا الوتر السوداني‮ ‬الذي‮ ‬كان معولاً‮ ‬عليه موسيقياً‮ ‬في‮ ‬صقل وتطوير أصوات التعددية،‮ ‬أصوات ثقافات أهل السودان‮.‬
أما في‮ ‬الجانب المسرحي،‮ ‬فقد أفلح القسم في‮ ‬توسيع المناهج لتبتعد عن النقل عن الغرب أو الشرق أو المعاهد العربية،‮ ‬وتوصلنا إلى مناهج تلبي‮ ‬احتياج المتعلمين الذين كانوا من صفوة أهل المسرح في‮ ‬البلاد‮.‬
في‮ ‬قسم الموسيقى أيضاً‮ ‬خسرنا بعض الروح،‮ ‬بعد تجربة بقيت آثارها السلبية ماثلة،‮ ‬فقد وفد إلينا خبراء كوريون،‮ ‬وباندفاعاتهم‮ ‬‮«‬الثورية‮»‬‮ ‬سرعان ما‮ ‬غنوا لثورة مايو فألهبت‮ ‬‮«‬عزتهم‮»‬‮ ‬الجميع بمكياجها الموسيقي‮ ‬الكوري،‮ ‬ولكنها أغضبتنا،‮ ‬كان همنا في‮ ‬المعهد ألا نقع فريسة للمدارس الغربية أو العربية أو الشرقية،‮ ‬وأن نحفر لنا درباً‮ ‬سودانياً‮ ‬يحفظ الهوية وينفتح على العصر ومتغيراته‮. ‬تفهّمونا‮ - ‬بعد أن كانوا شهروا بنا لدى النظام الحاكم‮ - ‬لأننا كنا نحرص مثلهم على هوية وخصوصية موسيقية عزيزة علينا،‮ ‬وعليهم عدم المساس بها،‮ ‬وعليهم تقديم معارفهم وتفاسيرهم وتأويلاتهم للدروس الموسيقية بوضوح حتى تستقيم الأمور العلمية الفنية لطلاب الموسيقى من المؤلفين والعازفين والمؤدين،‮ ‬بل ولنا نحن الذين نتلقى ونتذوق تلك المعزوفات التي‮ ‬يربطنا بها حبلنا السري‮.‬
ما أقصد إليه هو أن تعليم وتعلم الموسيقى والمسرح والفنون الأدائية عموماً‮، ‬يجب ألا‮ ‬يبتعد عن الهوية والخصوصية،‮ ‬فمثلاً‮ ‬كيف لي‮ ‬تدريس وتعليم التمثيل الإيمائي‮ ‬الحركي‮ ‬وأنا لي‮ ‬حركاتي‮ ‬في‮ ‬حيزي‮ ‬السوداني‮ ‬‮«‬جماع الغابة والصحراء‮»‬‮ ‬أو الإفريقي‮ ‬المحض أو العربي‮ ‬البحت،‮ ‬مقارنة مع الدروس الغربية للإيماء‮. ‬لابد أن نعزز مواعين‮ ‬‮«‬التقنية‮»‬،‮ ‬كما أنه لابد أن‮ ‬يكون لي‮ ‬في‮ ‬الوقت ذاته ذلك الحيز الذي‮ ‬أتحرك فيه بزوادتي‮ ‬المحلية‮.‬

وفي‮ ‬مجال الفنون من المهم جداً‮ ‬الاستفادة القصوى من مكونات الثقافات والتقانات المحلية لكل متعلم،‮ ‬وكذلك‮ ‬يجب مراعاة المحتوى التعليمي‮ - ‬الأمر الذي‮ ‬وضع‮ ‬‮«‬المعهد‮»‬‮ ‬أمام خيارات المعاصرة والحداثة والتجديد ومفارقة التقليد والاتباع‮. ‬فكان أن عملنا بجدية وصرامة على المناهج تطويراً‮ ‬وتعديلاً‮ ‬بما‮ ‬يتلاءم والمحيط الذي‮ ‬يفرز ثقافاته في‮ ‬أشكال وقوالب وتعابير عدة متغيرة متبدلة متجددة على الدوام‮. ‬وكان لابد من استيعاب المستجدات وباستمرار أيضاً‮. ‬كان في‮ ‬البال دائماً‮ ‬أن المسرح مثلاً،‮ ‬لم‮ ‬ينطلق من الموروث والممارسات والثقافات المحلية،‮ ‬بل اتخذ شكله من المسرح الوافد،‮ ‬فكان لزاماً‮ ‬علينا أن نراجع تراثنا،‮ ‬وأن نمسك بخيوط ليتواشج بها مع التقانات المجلوبة من الآخرين، وأن نسعى بها نحو مسرح سوداني‮ ‬دعا إليه الرواد الأوائل مثل عشري‮ ‬الصديق وعرفات عبدالله، وقبلهما أبو الروس والعبادي‮ ‬وبعدهم الفاضل سعيد بل والرواة وأهل الحكي‮ ‬والمديح‮. ‬ولقد كان الطلبة دائماً‮ ‬معنا من أجل التغيير‮.‬

كان أمام المعهد أن‮ ‬يدرك تماماً‮ ‬أهدافه ومراميه التربوية والوطنية‮.. ‬لماذا الموسيقى؟ ولماذا المسرح؟ أي‮ ‬توجه في‮ ‬تعلم الموسيقى والمسرح؟ ما الصلة بين الفنون وواقع الأمة؟ أي‮ ‬موسيقى وأي‮ ‬مسرح في‮ ‬إطار الهوية والخصوصيات الثقافية في‮ ‬مجتمع تعددي؟ ولذلك كان صعباً‮ ‬أن‮ ‬يمتلك المعهد حرية باتساع الوطن‮.‬
كنا أمام تحديات جِسام‮:‬

‮- ‬كيف نضبط السياسة التعليمية والمعهد تابع لوزارة الثقافة،‮ ‬فيما الطموح‮ ‬يذهب إلى التعليم العالي؟
‮- ‬كيف‮ ‬يتم التعامل مع المحيط الطلابي‮ ‬ومنازعات اتحادات الطلبة والاتحاد الاشتراكي‮ ‬وحدود كل منهما؟
‮- ‬المقرات الدراسية المتنقلة،‮ ‬غير المناسبة للدراسة وتوسعاتها المتوقعة دائماً‮.‬
‮- ‬عروض التخرج التي‮ ‬تواجه بتسلط وعنت السلطات‮.‬
‮- ‬تدخلات‮ ‬‮«‬الأمن العام‮»‬‮ ‬المتكررة وملاحقته للطلبة‮.‬

‮* جزء من ‬‮«‬ورقة ألقيت في‮ ‬مؤتمر الحداثة وصناعة الهوية في‮ ‬السودان‮»‬‮ ‬في‮ ‬الشارقة