يبدو أن الفن القصصي في سلطنة عمان قد نشأ في ظل أصول تاريخية وحديثة مهدت لقيامه وهي فن المقامات، والقصة الشعرية، والحكاية الشعبية، وكتابة الخواطر، والتأثر بكتابة القصة في العالم العربي.
وفن المقامات من الفنون الأدبية القديمة، والتي أسهمت في نشأة القصة في السلطنة، حيث تمتد بجذوره إلى القرن الرابع الهجري، وهو من الفنون الأدبية المتوارثة في تاريخ الأدب العربي والعماني القديم والمعاصر. كذلك كان للقصة الشعرية والحكاية الشعبية المتداولة في عمان دور كبير في تأسيس ونشأة هذا الفن القصصي.
يبدو أن أول من كتب قصة في عمان هو عبدالله الطائي، ويشار إلى إنه قد بدأ في كتابة قصصه الأولى عام 1940 من القرن الماضي، وهي اختفاء امرأة، وأسف، وخيانات، وكتب قصصا أخرى، مثل: دوار جامع الحسين وعائلة عبدالبديع ومأساة صبحية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وربما يكون قد نشرها في بعض المجلات المدرسية، حيث كان الطائي يدرس في العراق منذ عام 1935 إلى عام ،1941 بينما يشير تاريخ أولى القصص التي كتبها محمود الخصيبي إلى عام ،1960 وهي قصة: تضحية طفل، وقد بدأ في نشر قصصه منذ عام 1962.
وقد بدأت عملية النشر القصصية في الصحافة، منذ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات في الصحافة المحلية والخليجية، وتعد قصة: أين الغلط، التي كتبها محمود الخصيبي أول قصة عمانية تنشر في الصحافة الخليجية، فلقد تم نشرها في مجلة أخبار الأسبوع بتاريخ 20 مايو ،1962 ونشرت هذه القصة في جريدة عمان، بتاريخ 21 ابريل/ نيسان ،1974 وقد نشر سعود المظفر قصة: المنتقم عام ،1967 في إحدى الصحف الخليجية.
النهضة
وبعد قيام النهضة العمانية عام 1970 توالى نشر القصص القصيرة في الصحافة المحلية وخصوصا في جريدتي عمان والوطن ومجلات العقيدة والسراج والغدير، وقد ظهر في هذه الفترة عدد من الكتاب الذين أسسوا لكتابة القصة القصيرة في عمان ومنهم، محمود الخصيبي، سعود المظفر وأحمد بلال بحار وحمود السيابي، وكان البعض منهم يلجأ إلى الكتابة تحت اسم مستعار.
وقد أفرزت هذه التجربة القصصية في عمان طيلة العقود الثلاثة الماضية، العديد من كتاب القصة، وهم على مستويات مختلفة من الفن والتجربة، ويمكن تقسيم مراحل كتابة القصة في عمان إلى مرحلتين أساسيتين؛ الأولى مرحلة الريادة، والتالية مرحلة النضوج، وتختلف مستويات هاتين المرحلتين فنيا وزمنيا وأسلوبيا، حيث يعتمد كتّاب المرحلة الأولى على الأسلوب التقليدي في كتابة القصة، ويعتمدون على فنيات القصة التقليدية التي تتبع البداية، ثم العقدة، ثم الحل، والاعتماد على الحوار المطول، ولغة السرد المباشر من دون محاولة منهم لاستخدام أساليب القصة الحديثة، بينما يعتمد كتاب المرحلة التالية: على أساليب قد تكون أكثر حداثة وتنوعا، من خلال استعمال فنيات أخرى نحو، الاسترجاع، والمناجاة الداخلية، وتكثيف لغة الحوار.
وقد ركز كتّاب القصة في بدايات كتاباتهم القصصية على الحديث عن التغيير الكبير في العادات والتقاليد التي تتم داخل إطار المجتمع، وذلك في بدايات تحولاته من مجتمع قبلي محافظ إلى مجتمع يعتنق مفاهيم المدينة، ويتبنى طرقا وعادات جديدة على تقاليده وأعرافه، حيث دخلت الحياة الاجتماعية أشياء عديدة بسبب التحولات الاجتماعية المعروفة.
وقد تبنى بعض كتاب القصة مشاكل المجتمع ذات الأبعاد الاجتماعية، وحاولوا تقديم رؤيتهم حول القضايا الاجتماعية ونظرتهم إلى التطورات الحضارية التي مر بها المجتمع، والاتصال بالوافدين الجدد، والصراع بين قيم المجتمع المحافظة، والمفاهيم التي تبشر بها المدنية الجديدة، ولقد تعددت أنماط تناول الرؤية الاجتماعية لدى كتّاب القصة، وسوف نحاول رصد موقف الكتّاب من القفزة الحضارية التي مر بها المجتمع العماني، والتحولات التي مر بها المجتمع وكيفية تعامل الكتاب معها بالرفض أو القبول.
وتناول العديد من كتّاب القصة قضية الصراع الحضاري بين قيم المجتمع المحافظ والقيم الغربية المستحدثة، التي جاءت بها حركة التغييرات الجديدة التي أصابت المجتمع، والتي انتشرت من خلال أدوات الحضارة الغربية في تلك الفترة، نحو التلفاز والأفلام الأجنبية، والمستخدمين الأجانب.
وما يمكن ملاحظته على مظاهر هذا الصراع أنه في بدايات كتابة القصة في عمان كانت قيم الصراع تتفاوت بين قيم الحضارة الغربية وبين قيم المجتمع المحافظة لدى أبطال القصة، ثم تطور في الفترة التالية إلى صراع داخل المجتمع نفسه بين أفراده وقيم المدينة الجديدة، والقادمين من القرية وكأن قيم الحداثة قد تحولت إلى قيم المدينة ذاتها. وفي هذا الإطار يمكن تقسيم رؤية الكتاب حيال التطور الاجتماعي والصراع الحضاري الذي مر به المجتمع العماني إلى قسمين متفاوتين: قسم يركز على صور هذا الصراع وحالات الرفض التي يواجهها، وهؤلاء الكتاب هم كتاب المرحلة الأولى لكتابة القصة، والقسم الآخر وهم الكتاب الأكثر حداثة، وهؤلاء يتحدثون عن هذه القيم داخل المجتمع كشيء بديهي، لكنهم لا يرون أن هذا الصراع القيمي أو الأخلاقي يمكن أن يكون مدمرا للمجتمع، بل على العكس، بل تصوروا أن مجتمع المدينة قد تشبع بهذه الأفكار والقيم، حتى أصبحت جزءا من تركيبته الاجتماعية، وأن المدينة أصبحت مكان الشرور.
ولقد كان للبيئة العمانية أثر كبير في كتابة القصة القصيرة، وتتبع المؤثرات التي تدفع بالشخوص للتحرك وأداء الفعل القصصي من خلال حركة البيئة العمانية سلبا أو إيجابا، ونعني هنا المؤثرات البيئية التي تسهم في تشكيل الأحداث، وتطورها من خلال حركة البيئة والناس. حيث إن للبيئة البحرية والقروية والزراعية، وبعض المفاهيم الشعبية تأثيرات واضحة في بناء حركة القصة، وفي تحريك أحداثها في العديد من القصص العمانية.
ويكاد البحر يكون شخصية مركزية في خلفية كثير من القصص العمانية، كأنه بطل من أبطالها غير المرئيين، ولكنه فاعل أساسي في بناء هذه القصص وحركتها، فالبحر هاجس مركزي للقصة القصيرة (العمانية)، وحقل دلالي ترميزي من طراز خاص، ويمثل هذا العنصر إحدى خصوصيات القصة (العمانية)، والبحر يعني في السياق القصصي الفضاء المكاني الطبوغرافي، الذي يؤطر الأحداث والشخوص، ويحدد هويتها وخصوصيتها. هذا وقد ارتبطت نفوس الناس بالبحر، وغدا شيئا كبيرا في وجدانهم، وكثرت مغامراتهم معه؛ الأمر الذي جعله حاضرا في الإبداع، فهو لوحة رمزية يعكس منزلة الإنسانية الوجودية. وتعد بيئة البحر الأكثر حضورا في القصة العمانية، وموضوع البحر من الموضوعات الأثيرة لدى الكثير من الكتاب، وله تأثير مباشر في بناء الحدث القصصي أو نهايته وفي تشكيل الرؤية القصصية، وقد يشترك البحر في تشكيل أحداث القصة وتطورها بشكل سلبي وإيجابي أحيانا حسب رؤية القاص. وبالإضافة إلى كون البحر مصدرا من مصادر الرزق، مثلما يرد في كثير من القصص، فإنه يكون في قصص أخرى مصدرا من مصادر العذاب والشقاء لبعض الأسر العمانية، وتبدو صورة البحر السلبية مسيطرة على معظم القصص العمانية، لكنه يبدو في بعض القصص الأخرى مكانا رومانسيا جميلا هادئا، وفي البعض الآخر يبدو مكانا آمنا للانتحار أو الانتهاء من حياة بعض الشخصيات المنهارة.
ويستخدم الكتّاب العمانيون البحر مؤديا لوظائف دلالية مختلفة، ويتفاوت استخدامه وتوظيفه من قاص لآخر، ومن قصة لأخرى، حيث يتحول المشهد القصصي من واقع آني أو ماض إلى دلالات أخرى، لها ارتباطات مباشرة بالبيئة وأبعادها المختلفة، وذلك من خلال رصد الواقع الإنساني والاجتماعي لدور البحر في حياة مجتمع الصيادين والمناطق القريبة من البحر.
السحر
ومن الموضوعات التي ترتبط برؤية المجتمع ومعتقداته الشعبية، ولها تأثيرات في القصة القصيرة موضوع التعامل مع السحر، فالمجتمع العماني ارتبط منذ الزمن الماضي بمسألة التعامل بالحكايات الشعبية حولها، والاهتمام بها لدرجة التصديق، فكثيرا ما كانت تظهر قصص أناساً اختفوا من على ظهر الحياة أو ماتوا ثم ظهروا في بلاد أخرى، وفي أمكنة أخرى مختلفة وبعيدة عن أمكنة نشأتهم.
ولقد وجدنا الكثير من هذه القصص لدى كتاب القصة الأوائل، الذين عايشوا تلك الفترة المظلمة من تاريخ عمان، والتي كانت تكثر فيها مثل هذه الحكايات الشعبية، حول اختفاء الأشخاص وانتشار أعمال السحر والشعوذة -أي قبل عام 1970- ومن هذه القصص ؛ قصة الرجل العائد من الموت لأحمد بلال بحار، ثم قصة نهاية جيل من مجموعة يوم قبل شروق الشمس لسعود المظفر، والمعلم عبدالرزاق وحكاية من قريتي في مجموعة وأشرقت الشمس للكاتب نفسه، كما نجد عددا من القصص التي تتناول عالم الغيبيات والسحر في قصص الجيل الأحدث، وفي المجموعات القصصية التي صدرت مؤخرا، نحو المسحورة عند محمد الرحبي، ويا لحزن الدودة حين تفقد الذاكرة لسليمان المعمري، وقصة القرية التي لا تعرف السحرة لخالد العزري.
لقد كان المجتمع العماني قبل السبعينات يعيش حالة من التخلف الاجتماعي والحضاري والعلمي ولقد أخذ المجتمع بعد السبعينات في التحول من مجتمع متخلف لا يملك أي أسس لمفاهيم الحضارة والتقدم إلى مجتمع يضج بمختلف الأنشطة الحضارية والتنموية والاقتصادية والفكرية. ملامح التطور الاجتماعي والإنساني الذي حصل للمجتمع العماني خلال انتقاله من مجتمع تقليدي إلى مجتمع مدني متطور، ومنفتح على كافة أشكال الثقافات ومظاهر التطور والمدنية الحديثة، ودراسة أشكال التحول الاجتماعي الذي مر به المجتمع، من خلال تناول كتاب القصة القصيرة لمختلف قضايا المجتمع ونظرتهم لمختلف التطورات التي مر بها المجتمع العماني سلبا أو إيجابا.
ويمكن ملاحظة أنه في بدايات كتابة القصة في عُمان كانت قيم الصراع تتفاوت بين قيم الحضارة الغربية وبين قيم المجتمع المحافظة لدى أبطال القصة ثم تطور في الفترة التالية إلى صراع داخل المجتمع نفسه بين أفراده وقيم المدينة الجديدة والقادمين من القرية وكأن قيم الحضارة الغربية قد تحولت إلى قيم المدينة ذاتها، وفي هذا الإطار يمكن تقسيم رؤية الكتاب حيال التطور الاجتماعي والصراع الحضاري الذي مر به المجتمع العماني إلى قسمين متفاوتين، قسم يركز على هذه القيم وعلى هذا الصراع وهؤلاء الكتاب هم الذين بدأوا الكتابة في بداية النهضة والقسم الآخر يتحدث عن الصراع الطبقي والاجتماعي بين هذه القيم داخل المجتمع، لكنه لا يرى أن هذا الصراع الطبقي أو الأخلاقي يمكن أن يدمر المجتمع بل بالعكس يرى أن مجتمع المدينة قد تشبع بهذه الأفكار حتى أصبحت جزءا من تركيبته الاجتماعية لكن هذا القسم من الكتّاب ما زال يرى في القرية مكانا آمنا ويحاول أن يحافظ على قيم القرية وطهارتها.