القاهرة - "الخليج":
تتحدى مدينة "شالي" القديمة المطلة على واحة سيوة في مصر، تقلبات الدهور والسنين، لتروي للزائرين من كل سحنة ولون، بأطلالها التي تنتصب عند مدخل المدينة، مثل حراس خرجوا من كتب الأساطير، كيف صنعت مصر القديمة التاريخ؟
تقف أطلال مدينة "شالي" بين غابات النخيل والزيتون، في تلك الواحة التي أصبحت منذ عقود مقصداً للسائحين والباحثين عن الاستجمام والراحة، شاهداً على حضارة تليدة، تضرب بجذورها في عمق التاريخ لتلك المنطقة المهمة في الجغرافيا والتاريخ المصري الحديث .
لا يعرف كثيرون ماذا تعني كلمة "شالي" على وجه الدقة، لكن العالمين ببواطن اللهجة السيوية القديمة، يقولون: إنها تعني البلدة أو المدينة، وهم يروون في ذلك قصة يمتزج فيها الخيال بالواقع، والأسطورة بالحقيقة، تقول إنّ هذه المدينة الساحرة بنيت في القرن الثاني عشر الميلادي على يد أربعين رجلاً، اختاروا بناءها على هضبة مرتفعة تعلوها قمتان، واحدة في أقصى الغرب وواحدة في الشرق، قبل أن يشيدوا حول المدينة سورا يحيط بها على طرف حواف الجبل، بمدخل واحد لإحكام السيطرة على المدينة، والراغبين في الدخول إليها أو المغادرة .
تتميز بيوت مدينة "شالي" بطرازها المعماري الفريد، وبأبوابها الخارجية الصغيرة نسبيا مقارنة بباقي الأبواب والنوافذ، ويقال إن الرجال الذين شرعوا في بنائها في الزمان الغابر، قرروا أن تكون على هذا النحو، لحماية المدينة من الأعداء، وبخاصة من هجمات البربر وبدو الصحراء الذين كانوا يغيرون على المدينة في مواسم الحصاد للحصول على كفايتهم من الأغلال والتمور، وما تجود به أرضها الخصبة من خيرات .
ويروي ابن الوردي في كتابه "خاردات العجائب" جانباً من تاريخ تلك المدينة التاريخية القابعة في أحضان واحة سيوة، والتي كان يطلق عليها حينذاك اسم "ألواح الأقصى"، ويقول: إن موسى بن نصير بعدما عين حاكماً على منطقة شمال إفريقيا وفي زمن الأمويين، تحرك إلى منطقة سيوة مسترشداً بالنجوم، فبلغها بعد مسيرة سبعة أيام، ووجد فيها مدينة يحيط بها حصن عظيم له أبواب حديدية، فأصر على الاستيلاء عليه، لكنه أخفق في بادئ الأمر، بعدما أمر بعض رجاله بأن يتسلقوا الأسوار، لكن كلما وصل أحدهم إلى أعلى السور، ونظر إلى داخل المدينة، كان يصرخ صرخة عالية يلقي بنفسه إلى الداخل .
ويقول ابن الوردي: إن موسى بن نصير لما رأى أنه فشل في تحقيق هدفه، قرر أن يتخلى عن المدينة من دون الاستيلاء عليها وهو ما يعني أن سيوة لم تكن قد دخلت الإسلام بعد حتى تلك المرحلة .
ويقدم المقريزي وصفاً دقيقاً لمدينة "شالي" القديمة في كتابه الأشهر "خطط المقريزي"، ويصفها بأنها كانت بلداً صغيراً يسكنه نحو ستمئة رجل من البربر، يتحدثون بلغتهم السيوية، وهي لغة تقترب من لغة زنانة، وتضم المدينة حدائق نخيل وأشجار زيتون وتين، وهي تحصل على احتياجاتها من المياه عبر نحو عشرين عيناً، تسبح بماء عذب، وتبلغ مسافتها من الإسكندرية أحد عشر يوماً ومن جيزة مصر أربعة عشر يوماً .
تعرضت واحة سيوة في تلك الأثناء إلى هجمات متتالية من البربر، الذين كانوا ينهبون كل ما يصل إلى أيديهم من خيراتها ومحاصيلها وبخاصة البلح، وقد أدت الاشتباكات التي كانت تدور بين الأهالي والبربر إلى سقوط مئات من القتلى، حتى لم يتبق من رجال الواحة حسبما يرد في عدد من القصص الشفاهية التي يتداولها السكان حتى اليوم، سوى أربعين رجلاً، استقر رأيهم في النهاية على ترك الواحة المعرضة دوماً لخطر الغزو، واختيار موقع جديد، لتشييد قرية جديدة محصنة فوق الجبل، على ما يوفره لهم ذلك من حماية من الأعداء، ويساعدهم على الإحساس بالأمن والطمأنينة، ومن هنا ولدت "شالي" .
يرجع تاريخ تأسيس مدينة "شالي"، حسبما ورد في مخطوط يتداول أهالي سيوة نسخة منه إلى العام 600 هجرية، الموافق 1203 للميلاد، وقد تم بناء المدينة وفق طراز معماري يوفر لها أقصى درجات الأمن والحماية، فهي تضم مدخلاً واحداً فقط، يوفر في النهاية كل سبل الدفاع عن المدينة، إذا ما تعرضت للغزو من الخارج، وللمدخل باب لا يزال قائماً حتى اليوم، يطلق عليه أهالي الواحة اسم "الباب أنشال" بمعني "باب المدينة"، التي إلى جانب سورها القديم جامع يمكن الوصول إليه عن طريق الصعود عبر ممر ضيق يفضي إلى منطقة وسط المدينة .
قامت الحكومة المصرية قبل سنوات بضم مدينة "شالي" إلى وزارة الآثار، وإدراجها كأثر تاريخي مهم، واكتشفت باباً جديداً للمدينة في الجهة الجنوبية، بالقرب من معصرة الزيت الخاصة بها، وقد أطلق على هذا الباب اسم "الباب أترات" أي "الباب الجديد"، وكان يستخدم للذين يفضلون تحاشي المرور أمام الأجواد، وهم رؤساء العائلات الذين كانوا يقصدون مجلسهم اليومي على مقربة من المدخل الرئيسي للمدينة .
لم يكن هذا الباب معروفاً لغير أهالي سيوة، وسكان مدينة "شالي" القديمة، وقد كانوا يستخدمونه كلما تعرضت مدينتهم لهجوم أو حصار، فيمرون من خلاله سراً للخروج أو الدخول، كما أن النساء كانت تستخدمه عندما يؤذن لهن بالخروج للمساعدة في العمل، حيث كان يتحتم على هؤلاء النساء ألا يمررن من أمام "الأجواد" ولذلك استقر الرأي على فتح باب ثالث بعد مرور قرن من الزمان، سمي "باب قدوحة"، وكان لا يسمح للنساء عند خروجهن إلا باستعمال هذا الباب فقط، وقد سمي "قدوحة" نسبة إلى صاحب الدار الذي تواجهه .
ويعد مسجد "شالي" العتيق هو أقدم مسجد في واحة سيوة، إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى تاريخ إنشاء المدينة تقريباً، وهو مستطيل الشكل مقسم إلى ثلاثة بلاطات موازية لجدار القبلة، وله بابان شرقي وغربي، وفي جدار القبلة يوجد المنبر والمحراب، وتشبه مئذنة مسجد مدينة "شالي"، غيرها من مآذن المساجد في المغرب والأندلس، وهو ما يطلق عليه "المئذنة ذات طراز الصوامع"، حيث تتميز بأنها مكعبة القاعدة وتتصاعد على هيئة مربع يضيق كلما ارتفعنا إلى أعلى، وتقع "المئذنة في الزاوية الشمالية الشرقية للمسجد"، الذي يواجه مسجداً آخر في الجهة الأخرى للمدينة، يطلق عليه اسم مسجد "تطندي "شالي"، يخدم سكان المنطقة الغربية للمدينة العتيقة .
تتحدى مدينة "شالي" القديمة المطلة على واحة سيوة في مصر، تقلبات الدهور والسنين، لتروي للزائرين من كل سحنة ولون، بأطلالها التي تنتصب عند مدخل المدينة، مثل حراس خرجوا من كتب الأساطير، كيف صنعت مصر القديمة التاريخ؟
تقف أطلال مدينة "شالي" بين غابات النخيل والزيتون، في تلك الواحة التي أصبحت منذ عقود مقصداً للسائحين والباحثين عن الاستجمام والراحة، شاهداً على حضارة تليدة، تضرب بجذورها في عمق التاريخ لتلك المنطقة المهمة في الجغرافيا والتاريخ المصري الحديث .
لا يعرف كثيرون ماذا تعني كلمة "شالي" على وجه الدقة، لكن العالمين ببواطن اللهجة السيوية القديمة، يقولون: إنها تعني البلدة أو المدينة، وهم يروون في ذلك قصة يمتزج فيها الخيال بالواقع، والأسطورة بالحقيقة، تقول إنّ هذه المدينة الساحرة بنيت في القرن الثاني عشر الميلادي على يد أربعين رجلاً، اختاروا بناءها على هضبة مرتفعة تعلوها قمتان، واحدة في أقصى الغرب وواحدة في الشرق، قبل أن يشيدوا حول المدينة سورا يحيط بها على طرف حواف الجبل، بمدخل واحد لإحكام السيطرة على المدينة، والراغبين في الدخول إليها أو المغادرة .
تتميز بيوت مدينة "شالي" بطرازها المعماري الفريد، وبأبوابها الخارجية الصغيرة نسبيا مقارنة بباقي الأبواب والنوافذ، ويقال إن الرجال الذين شرعوا في بنائها في الزمان الغابر، قرروا أن تكون على هذا النحو، لحماية المدينة من الأعداء، وبخاصة من هجمات البربر وبدو الصحراء الذين كانوا يغيرون على المدينة في مواسم الحصاد للحصول على كفايتهم من الأغلال والتمور، وما تجود به أرضها الخصبة من خيرات .
ويروي ابن الوردي في كتابه "خاردات العجائب" جانباً من تاريخ تلك المدينة التاريخية القابعة في أحضان واحة سيوة، والتي كان يطلق عليها حينذاك اسم "ألواح الأقصى"، ويقول: إن موسى بن نصير بعدما عين حاكماً على منطقة شمال إفريقيا وفي زمن الأمويين، تحرك إلى منطقة سيوة مسترشداً بالنجوم، فبلغها بعد مسيرة سبعة أيام، ووجد فيها مدينة يحيط بها حصن عظيم له أبواب حديدية، فأصر على الاستيلاء عليه، لكنه أخفق في بادئ الأمر، بعدما أمر بعض رجاله بأن يتسلقوا الأسوار، لكن كلما وصل أحدهم إلى أعلى السور، ونظر إلى داخل المدينة، كان يصرخ صرخة عالية يلقي بنفسه إلى الداخل .
ويقول ابن الوردي: إن موسى بن نصير لما رأى أنه فشل في تحقيق هدفه، قرر أن يتخلى عن المدينة من دون الاستيلاء عليها وهو ما يعني أن سيوة لم تكن قد دخلت الإسلام بعد حتى تلك المرحلة .
ويقدم المقريزي وصفاً دقيقاً لمدينة "شالي" القديمة في كتابه الأشهر "خطط المقريزي"، ويصفها بأنها كانت بلداً صغيراً يسكنه نحو ستمئة رجل من البربر، يتحدثون بلغتهم السيوية، وهي لغة تقترب من لغة زنانة، وتضم المدينة حدائق نخيل وأشجار زيتون وتين، وهي تحصل على احتياجاتها من المياه عبر نحو عشرين عيناً، تسبح بماء عذب، وتبلغ مسافتها من الإسكندرية أحد عشر يوماً ومن جيزة مصر أربعة عشر يوماً .
تعرضت واحة سيوة في تلك الأثناء إلى هجمات متتالية من البربر، الذين كانوا ينهبون كل ما يصل إلى أيديهم من خيراتها ومحاصيلها وبخاصة البلح، وقد أدت الاشتباكات التي كانت تدور بين الأهالي والبربر إلى سقوط مئات من القتلى، حتى لم يتبق من رجال الواحة حسبما يرد في عدد من القصص الشفاهية التي يتداولها السكان حتى اليوم، سوى أربعين رجلاً، استقر رأيهم في النهاية على ترك الواحة المعرضة دوماً لخطر الغزو، واختيار موقع جديد، لتشييد قرية جديدة محصنة فوق الجبل، على ما يوفره لهم ذلك من حماية من الأعداء، ويساعدهم على الإحساس بالأمن والطمأنينة، ومن هنا ولدت "شالي" .
يرجع تاريخ تأسيس مدينة "شالي"، حسبما ورد في مخطوط يتداول أهالي سيوة نسخة منه إلى العام 600 هجرية، الموافق 1203 للميلاد، وقد تم بناء المدينة وفق طراز معماري يوفر لها أقصى درجات الأمن والحماية، فهي تضم مدخلاً واحداً فقط، يوفر في النهاية كل سبل الدفاع عن المدينة، إذا ما تعرضت للغزو من الخارج، وللمدخل باب لا يزال قائماً حتى اليوم، يطلق عليه أهالي الواحة اسم "الباب أنشال" بمعني "باب المدينة"، التي إلى جانب سورها القديم جامع يمكن الوصول إليه عن طريق الصعود عبر ممر ضيق يفضي إلى منطقة وسط المدينة .
قامت الحكومة المصرية قبل سنوات بضم مدينة "شالي" إلى وزارة الآثار، وإدراجها كأثر تاريخي مهم، واكتشفت باباً جديداً للمدينة في الجهة الجنوبية، بالقرب من معصرة الزيت الخاصة بها، وقد أطلق على هذا الباب اسم "الباب أترات" أي "الباب الجديد"، وكان يستخدم للذين يفضلون تحاشي المرور أمام الأجواد، وهم رؤساء العائلات الذين كانوا يقصدون مجلسهم اليومي على مقربة من المدخل الرئيسي للمدينة .
لم يكن هذا الباب معروفاً لغير أهالي سيوة، وسكان مدينة "شالي" القديمة، وقد كانوا يستخدمونه كلما تعرضت مدينتهم لهجوم أو حصار، فيمرون من خلاله سراً للخروج أو الدخول، كما أن النساء كانت تستخدمه عندما يؤذن لهن بالخروج للمساعدة في العمل، حيث كان يتحتم على هؤلاء النساء ألا يمررن من أمام "الأجواد" ولذلك استقر الرأي على فتح باب ثالث بعد مرور قرن من الزمان، سمي "باب قدوحة"، وكان لا يسمح للنساء عند خروجهن إلا باستعمال هذا الباب فقط، وقد سمي "قدوحة" نسبة إلى صاحب الدار الذي تواجهه .
ويعد مسجد "شالي" العتيق هو أقدم مسجد في واحة سيوة، إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى تاريخ إنشاء المدينة تقريباً، وهو مستطيل الشكل مقسم إلى ثلاثة بلاطات موازية لجدار القبلة، وله بابان شرقي وغربي، وفي جدار القبلة يوجد المنبر والمحراب، وتشبه مئذنة مسجد مدينة "شالي"، غيرها من مآذن المساجد في المغرب والأندلس، وهو ما يطلق عليه "المئذنة ذات طراز الصوامع"، حيث تتميز بأنها مكعبة القاعدة وتتصاعد على هيئة مربع يضيق كلما ارتفعنا إلى أعلى، وتقع "المئذنة في الزاوية الشمالية الشرقية للمسجد"، الذي يواجه مسجداً آخر في الجهة الأخرى للمدينة، يطلق عليه اسم مسجد "تطندي "شالي"، يخدم سكان المنطقة الغربية للمدينة العتيقة .