في أجواء شهر رمضان المكرم، نطلّ على المسؤولية الفردية في الإسلام. فمن الأمور التي ينبغي للإنسان أن يعيشها في قلبه وعقله وحياته. قضية أنه ليس حراً بالمعنى الذي لا تحكمه المسؤولية، بحيث ينفتح في الحياة على هواه ومزاجه الذي يأخذه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً من دون ضوابط.

فالله تعالى لم يُرد للإنسان أن يكون خاضعاً لهواه، وهو الذي تمثله حركة غرائزه التي تعيش وتتحرك داخل تكوين جسده، بل لا بد للإنسان من أن يرتكز في حياته الإنسانية على قاعدة، تتفرع منها كل شؤون حياته، بحيث يدرس كل عمل يعمله، وكل كلمة يفوه بها، وعلاقة ينشئها، وموقف يقفه ويتخذه من خلال تلك القاعدة.

ولذلك فإن معنى أن تكون إنساناً تملك عقلك وقلبك وإرادتك وتتحرك في حياتك هو أن تكون مسؤولاً، حيث تشعر أنك كفرد مسلم مسؤول عن كل شيء يتحرك وتتحرك فيه إرادتك لتحدد هذا العمل بحسب الحدود التي وضعتها المسؤولية عليك.

ولقد حدّثنا الله سبحانه وتعالى أن الناس جميعاً سيقفون في اليوم الموعود، أمام الله تعالى حين يستمعون الى النداء ويبعثون على أساسه، وقفوهم إنهم مسؤولون 37/24. فقد أكد الله تعالى لكل الناس أنهم مسؤولون أمامه عن حساب أعمالهم كلها، وقد أكد أيضاً المسؤولية الفردية، فلا يتحملن إنسان مسؤولية إنسان آخر، فلكل إنسان وفرد مسؤوليته وعمله وهو ما بيّنه القرآن وحدده وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى 53/39 وألا تزر وازرة وزر أخرى فأنت كإنسان تكسب ما تقوم به في مسؤولياتك بشكل إيجابي، أو بشكل سلبي يكون عملك فيه سيئاً الى الله تعالى. إن كسب الإنسان هو نتيجة سعيه، وأنت كفرد مسلم لا تحصل من سعيك وعملك وجدّك وعطائك، وجهادك وتضحياتك على سعي لأبيك أو لأخيك أو لأمك وحتى لأعاظم الناس وأفضلهم، لأنه لن ينالك في حساب العمل أية حصة منهم، ولن ينالهم في حساب العمل عند الله أية حصة من عملك.

وفي هذا الإطار نستلهم سيرة رسول الله الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد روي أن رسول الله، وفي مرضه الذي توفي فيه، كان يحيط به عمه العباس وعمته صفية وابنته الصديقة فاطمة الزهراء رضي الله عنهم، التفت إليهم وقال مخاطباً كل فرد منهم: يا عباس بن عبدالمطلب، يا عم رسول الله اعمل لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله. يا صفية بنت عبدالمطلب اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد يا بنت رسول الله اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً.

وقد ورد عن علي رضي الله عنه: إن وليّ محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت لحمته.

وينقل عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين أن أحد الناس قال له بعد أن رآه يبكي من خشية الله بكاء شديداً: أتبكي وجدّك رسول الله، وأبوك الحسين بن علي وجدتك فاطمة. فمن يملك هذا النسب لا يخاف من الآخرة؟ فأجاب الإمام كما ورد في الرواية: دع عنك ذكر أبي وجدّي وأمي وجدتي، خلق الله الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً.

ومما ورد في الخطبة الأخيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس لا يتمن ولا يدع مدع أما إنه لا ينجي إلا عمل مع رحمة ولو عصيت لهويت.

ولقد علمنا الله تعالى من خلال ما علمه لرسوله الأعظم في خطابه للناس الذين كانوا يريدون ويخططون له لينحرف إرضاء لهم: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. 6/15.

إن المسؤولية تنطلق من أنك إنسان يملك عقلاً وقلباً وإرادة وظروفاً تساعدك على القيام بما أوجبه الله عليك وقفوهم وقفة الحق، إنهم مسؤولون مسؤولية الحياة التي عاشها الإنسان مداً وجزراً يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.

ولأن الإسلام يحض على العناوين الإيجابية، حيث لا تزر وازرة وزر أخرى فإن لكل امرئ ما سعى وما له، وما أنتجه، وما قدمه وبذله وأعطاه. فلو أن إنساناً صالحاً وآباؤه كافرون ومجرمون أو فاسقون، فإن كفر آبائه أو إجرامهم أو فسقهم وضلالهم لا ينقص من عمله ومسؤوليته وقيمته أمام الله شيئاً.

ولأن الأوزار كثيرة، فإن على الإنسان ألا يحمل أوزار غيره، أو خطاياه، أو آثامه، أو ذنوبه، وهذا ما يركز المبدأ القانوني الشرعي الاجتماعي: أنه لا يجوز ولا يحق لنا في إجرام شخص أن نعاقب أهله، أو أبناءه، أو أقرباءه.

في هذا الشهر المبارك نؤكد ألا تعيش بيئتنا هذه الحالة العصبية التي لا يرضى بها دين أو شرع أو قانون. وروعة الإسلام تنطلق من تنفيذ رسالة العدل التي أمر الله تعالى بها إن الله يأمر بالعدل وبالإحسان الى الناس كلهم، الإحسان الذي يعتبر أساس شهر رمضان، حتى لا يدمر الحقد حياتنا ويقوض علاقاتنا الاجتماعية، ويثير الضغائن بيننا.. إن المسؤولية تتحرك على قاعدة الفردية حيث من الممكن محاسبة كل مقترف للذنب والإثم بحق الانسان الآخر، دون التعرض لمن لا علاقة لهم من الناس حوله بذلك، لأنك حين تكون انسانياً فإنك تلتزم بجميع القيم والمفاهيم الانسانية. ولقد ذكرنا من موقع المسؤولية الاسلامية ان كل فرد يتحمل مسؤولية أعماله، وعليه أن يدرك ما له من حق وما عليه من واجب، ولقد اثبت المسلمون انهم اسمى انسانية وحضارة، لأنهم تعايشوا مع شعوب العالم وافراده وافراد المجتمع، منطلقين على قاعدة المسؤولية، حيث لم نجد مسلماً يعتدي على انسان امريكي أو بريطاني أو غربي مثلاً نتيجة سياسة دولته، لأن الاسلام حضاري وانساني وقائم على المحبة والرحمة والمودة والقيم.