يستمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في مواصلة مشروعه المسرحي، حيث صدرت له حديثا مسرحية جديدة تحت عنوان الحجر الأسود وسيكون عرض هذه المسرحية فاتحة مهرجان أيام الشارقة المسرحية المقبلة، ومن الطبيعي أن يأتي رصد هذا العمل ومحاولة تقديم قراءة أولية له من خلال المسرحية نفسها بوصفها نصا، وأيضا من خلال مقاربة هذه المسرحية من حيث الفكرة والتقنيات والإسنادات مع أعماله السابقة .
يأتي عنوان هذا العمل مفاجئاً إلى حد كبير قياساً إلى الأعمال السابقة لصاحب السمو حاكم الشارقة، فالحجر الأسود الذي يمتلك بعداً رمزياً في الإسلام، خاصة أن الطواف أثناء الحج يبدأ منه وينتهي إليه، وهكذا فإن استخدام هذا العنوان يشير إلى المبادئ الأساسية في الدين الإسلامي، وإذا كان الحجر الأسود قد تعرض عبر تاريخه إلى الكثير من الحوادث التي مرت به، فالدين الإسلامي هو الآخر قد مر بحوادث كثيرة هي الأخرى جعلت الكثير من التجاذبات الفكرية تدور حول علاقة مبادئه الأولى والفطرية والإنسانية بما يجري من قبل بعض الجماعات التي تتخذ منه ستاراً لغايات تتنافى مع تلك المبادئ، وتشكل تلك التجاذبات في عالمنا المعاصر حالة يزداد حولها اللبس، خاصة أن هناك اليوم نوعاً من سوء الفهم الذي يسود النظرة الغربية للإسلام، وهو أمر يعود في جزء كبير منه إلى التعالي الغربي عن فهم الآخر، وبعضه الآخر يعود إلى مصالح بعض الجماعات التي تتستر وراء القيم الدينية من أجل خدمة مصالح تتضارب في أساسها مع المصلحة الجمعية أكانت مصلحة روحية أم وضعية .
يرى المؤلف في وضعه مقدمة لمسرحيته أنه من الضروري إقامة نوع من التمهيد قبل الدخول في أجواء العمل المسرحي، ولا شك في أن هذه الضرورة يستدعيها الكثير من المسائل أقلها أن الموضوع الذي يتناوله هو موضوع حساس بطبيعته، ونجد أن المؤلف في المقدمة يدخل مباشرة إلى عمق المسألة فيقول: تسود مجتمعاتنا الإسلامية في هذه الأيام حركات إصلاحية تقوم على أسس دينية واجتماعية وسياسية، حتى إذا ما تدخل أعداء الإسلام في توجيه المتطرفين من تلك الدعوة تحولت إلى إرهاب .
إن النقطة الرئيسية التي يسوقها المؤلف في تصديره للمسرحية هي تحول جزء من الحركة الإصلاحية إلى حالة إرهابية بفعل تدخل الخارج، وهكذا فإن العمل الداخلي يتم تحويله عبر مصلحة خارجية إلى أهداف تبتعد عن تلك التي انطلق منها، وهو أمر لا يخفيه المؤلف حيث يقول: في مسرحيتنا التي نقدمها اليوم الحجر الأسود صورة من صور تدخل أعداء الإسلام في توجيه حركة إسلامية أريد بها الخير إلى حركة إرهابية، فالأحداث التاريخية المذكورة في المسرحية والتي وقعت خلال نشاط القرامطة وصراعهم الطويل مع الخلافة العباسية، والأسماء والأماكن والتواريخ كلها حقيقية . نرجو أن تتيح هذه المسرحية للقارئ أو المشاهد أن يكوّن فكرة صحيحة عن مصدر الإرهاب، وأن يدعو الناس كما أمرنا المولى سبحانه وتعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن .
ما يمكن تلمسه من الخاتمة التي وضعها المؤلف للمقدمة هي الدعوة الصريحة إلى استبدال الحوار بالعنف، وبالتالي ربط منظومة المصالح بمنظومة ثقافية مبنية على النقاش والحجة وليس على القوة، وهكذا فإن هذه المسرحية تمتلك ناصية الاستمرارية لأعمال المؤلف التي كانت قد تناولت فكرة الاستبداد، وخاصة في العملين الأخيرين النمرود وشمشون الجبار، فإذا كان النمرود قد تجبر إلى درجة ادعاء الربوبية، فهو لأنه لم يسمع سوى صوته، وقد ظل حتى اللحظة الأخيرة يصم أذنيه عن أصوات الشعب البائس، وأتت شمشون الجبار لتقدم رؤية درامية تاريخية حول كذب الادعاءات الإسرائيلية في حقها بأرض فلسطين، والتي قادت إلى نفي الآخر واقعياً وفكرياً وإنسانياً، فإن الحجر الأسود هي إيضاً قراءة درامية في فكر الاستبداد، لكنه هذه المرة ينطلق من فكرة ظاهرها سامٍ، وهي فكرة الإصلاح لكنها في الحقيقة يتم تسخيرها خارج سياقها، وهذه الفكرة هي نموذج من نماذج التحول الذي يطال الفكرة عندما تتشابك مع مصالح تتناقض معها .
مثل باقي أعماله المسرحية يعتمد المؤلف على شخصيات كثيرة في مسرحيته الجديدة، وعلى مجاميع بشرية، وأصوات تتداخل مع العمل، ويبدو هذا أمرا ضروريا تفرضه الطبيعة التاريخية لأعمال المؤلف، فلا يمكن إقناع المتلقي في أعمال كهذه من دون اللجوء إلى مثل هذه التعددية التي تستعيد الواقع التاريخي، وتمنح العمل قدراً كبيراً من الصدقية، وتؤسس في الوقت ذاته لإمكانية انتقال النص من بعده الأدبي إلى حالة المسرحة، وقد شاهدنا في العروض السابقة للمؤلف كيف أدى تعدد الشخصيات والمجاميع دوراً في إنجاح مشهدية العروض، وما أتاحه ذلك التعدد من إمكانات أمام المخرج في تنويع أدواته داخل العرض نفسه .
وفي الحديث عن اللغة الاختزالية التي يميل إليها المؤلف والتي باتت جزءاً من أسلوبيته التي يعرفها متابعو أعماله، فإن الحجر الأسود لا تبتعد أيضا عن تلك اللغة الاختزالية والمكثفة، فنحن نجد على سبيل المثال لا الحصر أن المؤلف قد افتتح العمل الجديد بلوحة أطلق عليها اسم لوحة افتتاحية وجاء فيها: تشكيلات حركية وتعبيرية على أنغام الموسيقا تستعرض أدوات التقدم العلمي في الفترة الأولى من الخلافة العباسية من سنة 132ه الموافقة للعام 750م إلى سنة 279ه الموافقة للعام 892م وفي استخدامه لهذه اللوحة تحديد مباشر لزمن الأحداث الدائرة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تمكين المتلقي من فهم المرجعية التاريخية للحدث، وفي هذا السياق تأتي جملة التقدم العلمي لتؤكد طبيعة الازدهار الحضاري الذي عرفته الدولة العربية الإسلامية، وهو ازدهار متعدد النواحي وفي أساسه التقدم العلمي الذي يعتبر معياراً من معايير التقدم الحضاري نفسه، كما أن ميل المؤلف لاستخدام أدوات تعبيرية حركية وموسيقية هو ميل يغري المخيلة الإخراجية من جهة مع تحديد مرجعية تاريخية وتراثية لتلك اللوحة .
أما الفضاء المكاني لمسرحية الحجر الأسود فهو فضاء متعدد ومتنوع، وهو يختلف من فصل إلى آخر، ونجد أن ذلك الاختلاف يأتي تابعاً لتطور الصراع داخل العمل نفسه، وتلك الأماكن تتمثل في دار الخلافة مقر إقامة المقتدر بن المعتضد، ودار أبي سعيد الجنابي في هجر، والساحة الموجودة أمام دار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي، وقد كتب على أحد الأبواب: دار الهجرة، والساحة أمام دار الهجرة - دار أبي طاهر سليمان بن حسن الجنابي القرمطي، وساحة تمثل صحن الحرم المكي الشريف، ويأتي الحدث الأول في العمل متمثلاً في تولي الخليفة عبد الله بن المعتز الخلافة، ويستخدم المؤلف تقنية المنادي الذي يقوم بإبلاغ أهالي بغداد بتولي المعتز للخلافة، لكننا في الفصل الأول نفسه نتعرف إلى الخلاف بين المعتز وبين والدة المقتدر الذي كان آنذاك في الثالثة عشرة من عمره، حيث يقول المعتز لوالدة المقتدر بعدما خسر معركته مع القائد غريب الخال :منذ أن قتل والدي الخليفة المعتز وهذه الدولة في انحطاط، فبدلا من الانتصارات تحولت إلى هزائم من قبل القرامطة في كل مكان، وبدلا من العلم والمعرفة والرقي أشغلت الصبي بلذاته، وجعلت الدولة تدور أمورها على تدبير النساء والخدم . . .
في الفصل الثاني من العمل يظهر المؤلف أساس الصراع الموجود في العمل، وهو محاولة إسقاط القرامطة للخلافة العباسية، ويأتي ذلك عبر حوارين يدور الأول منهما بين الخادم الصقلبي والخادم الصغير، حيث يكشف الخادم الصقلبي أحد جنود الخليفة المعتضد عن خلفية سيده أبي سعيد الجنابي، ودعوته إلى المذهب القرمطي، والطريقة التي جمع بها المال من خلال نهب مدينة البصرة، والحوار الثاني يجري بين أبي سعيد الجنابي وقادته، الذي يكشف ما آلت إليه الدولة العباسية على يد الخليفة المقتدر الذي لا يتمتع بالقدرة على إدارة شؤون الحكم بعد وفاة والده، وهو الأمر الذي يعتبره أحد قادة أبي سعيد الجنابي فرصة لإزالة الخلافة العباسية وتثبيت الخلافة القرمطية، وفي هذا الفصل يقوم الخادم الصقلبي بقتل أبي سعيد الجنابي وأربعة من قادته الموجوين معه، من دون أن يتمكن من قتل القائد الخامس، وينتهي هذا الفصل بموت الخادم الصقلبي على يد سعيد الجنابي بنتف لحمه بوساطة المقراض .
يحدد المؤلف عام 316 للهجرة بوصفه العام الذي أخذ فيه أبو طاهر سليمان الجنابي بالهجوم على الكوفة والرحبة والموصل وسنجار، وأعمال التقتيل بأهل تلك المدن، وهو الأمر الذي يذكره المؤلف على لسان القائد الخامس بعد سنوات كثيرة من حادثة موت أبي سعيد الجنابي، كما يذكر القائد الخامس أن أبا طاهر قد ذهب إلى الحج، ويتحدث أبو طاهر عن رحلته للحج فيقول: ذهبت للحج فلم يعجبني ذلك، فخرجت مع جماعتي على الحجاج يوم التروية فأخذت أموالهم، وقتلت الكثير منهم، وأمرت بأن ترمى جثثهم في بئر زمزم، ونزعت كسوة الكعبة، وشققتها بين أصحابي، وقلعت الحجر الأسود . . ومن بقي على قيد الحياة من الحجاج يقول: لا . . لا . . وأنا أقول: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ .
في الفصل الخامس والأخير من المسرحية يعيد محمد بن الحسن بن محمد سنبر الحجر الأسود إلى مكة المكرمة بعد غياب اثنتين وعشرين سنة، ويقوم أمير مكة بدعاء المسلمين إلى محبة بعضهم بعضاً، ويشكل هذا الدعاء جزءا من الرسالة الأساسية التي يحملها العمل، وهي رسالة التوحد وعدم السماح لأصحاب الغايات والمصالح بتفريق الأمة .
مما لا شك فيه أن المساحة الزمنية التي تدور خلالها المسرحية هي مساحة كبيرة تقارب 142 عاما ميلاديا، ولذلك فإنها تحفز المتلقي على قراءة تاريخ تلك المرحلة، وهو أمر يبدو أساسيا ومهماً لفهم الخلفيات المتشعبة لصداع القرامطة مع الخلافة العباسية، كما أن الكثير من الشخصيات التي كانت جزءا من ذلك الصراع هي شخصيات تحمل الكثير من السمات الدرامية في طبيعتها، وفي حيثيات حياتها .
من جهة أخرى فإن ما يمكن تسجيله من اختلاف في هذا العمل عن الأعمال السابقة للمؤلف هو التعاطي المباشر مع مسألة عقائدية، فهو إن كان قد قارب هذا الأمر في عمله النمرود من خلال ادعاء النمرود للربوبية، فهو يقاربه في عمله الجديد من منحى يختلف كليا، وهو يرتبط بشكل مباشر بصراع عقائدي شهد الكثير من الجدل حوله، وكتبت عنه الكثير من الأبحاث والكتب، ولكن المعالجة الفنية للعمل تنتمي بشكل واضح إلى سيرورة مشروع التأليف الذي خطه صاحب السمو حاكم الشارقة، وهو الاعتماد على قضية مركزية تتمحور حولها الأحداث كافة، مع بناء الشخصيات بشكل تتضح خلاله مقاصدها، وبالتالي دورها في السياق العام للحكاية .