تربط الشريعة الإسلامية بين العقيدة والعبادة والأخلاق برباط وثيق، وتجعل المعاملات جزءاً من عقيدة المسلم وجزءاً من عبادته، وترجمة عملية لأخلاقه، وذلك لأن الهدف العام من العبادات في الإسلام، هو تحقيق شرع الله وتنفيذه في خلقه كما أمر، وذلك بالخضوع له في الالتزام بكل ما أمر به، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، وهذا هو مفهوم العبادة بمعناه العام، حسبما ورد في قوله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين».
فالمعنى الذي يدل عليه سياق الآيات الكريمة السابقة كما قال المفسرون: ما خلقت الجن والإنس إلا ليطيعوني فيما ألزمتهم به، وفيما نهيتهم عنه، لمصالحهم هم، ولمنفعة أنفسهم، ولا نفع لي من وراء هذه العبادات، لأنني الغني عنهم بذاتي وبقدرتي وقوتي، وهم المحتاجون إليّ بضعفهم وحاجتهم في رزقهم ومعاشهم.
أما المفهوم الخاص للعبادات في الإسلام، فيتركز حول «إحياء الدين» والدين عند الله هو الإسلام تحقيقاً لقوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام».
وهذا المفهوم للعبادة لا يتعارض مع قصر العبادات في الشريعة الإسلامية عند الفقهاء وفي كتبهم على الطهارة والصلاة والزكاة والحج والصيام دون غيرها من بقية التشريعات، لأن فقهاء الإسلام أرادوا بها العبادات الخاصة التي تعتبر النية ركناً في صحتها وقبولها عند الله، وهو اصطلاح مجازي للتفريق بين العبادات بمعناها الخاص والعبادات بمعناها العام، وللتفريق أيضاً بين العادة والعبادة، أي بين معاملة الإنسان مع ربه ومعاملته وما ماثله من بني جنسه، ولهذا تعتبر النية في تحقيق كل عبادة، وتصير العادة بالنية عبادة، وهذا يشمل كل المعاملات المالية وغير المالية في الفعل أو الترك، حسبما ورد في الأحكام الشرعية في مجال الفعل أو الترك. ولهذا كان الإيمان بالله والاعتراف به والإشهاد على ذلك الإيمان في حيز الوجود بالقول والعمل من ضمن العبادات في الإسلام، مع أن ذلك يتعلق بأصل العقيدة وهو أن الاعتقاد الباطني بوحدانية الله وبكل غيبي سمعي مأمور به هو أصل الإيمان ومصدره عند الإنسان، يدل على ذلك قوله تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً».
وقد ربط الخالق سبحانه بين الإيمان والعمل والعبادة، وجعل تحقيق الإيمان والعمل في العبادة نفسها وتحقيق العبادة في الإيمان بالله.
ويدل على ذلك قوله سبحانه: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون»، فقد ربط الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بين الإيمان والعمل والعبادة برباط واحد، وجعل تحقيق الإيمان والعمل في العبادة، وجعل العبادة في العقيدة الصحيحة المقترنة بالعمل النافع الذي تتعلق به مصلحة الفرد والجماعة دينية كانت أو دنيوية، ولهذا فقد ارتبطت العبادات كلها بمعناها العام عند الفقهاء في أصلها بأصول الإسلام وأركانه، وهي الأصول الخمسة التي بني عليها الإسلام عقيدة وشريعة، وهي: إشهار الإسلام والإقرار به عن جزم ويقين خالص لا يشوبه شك وذلك يتحقق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وهذه الأصول الخمسة أو الأركان هي المعبر عنها بالعبادات الخاصة في الإسلام عند الفقهاء وذلك تفريق بينها وبين العبادات بمعناها العام أو المعاملات التي يعتاد عليها الناس، وهي المعبر عنها بالعادات عند الفقهاء، وذلك لأن النية ركن أصيل وشرط في صحة المعاملات المتصلة بالعبادات، الخاصة بخلاف المعاملات المتعلقة بالعادات، حيث لا تحتاج إلى نية ولا إلى قصد لصحتها وترتب الأثر الشرعي فيها كالبيع والشراء والمزارعات والتجارات والعقود بين الناس في مجال التعاملات.
والإسلام كنظام تشريعي كامل يحقق العبادة لله وحده فاستخلاف الإنسان على هذه الأرض لا يتحقق إلا بكليات أو ضرورات.. لضمان استمرار الحياة، وتلك الخلافة للإنسان إلى أن يشاء الله وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهذه الكليات لا تتحقق إلا من خلال تشريع الدين الإسلامي نفسه، فقد اعتبرت هذه الكليات من ضمن ضروريات تحقيق العبادة بمعناها الخاص أو العام في الإسلام على وجهها الصحيح.
إن أهداف التشريع الإسلامي وأهداف العبادات بمعناها العام والخاص تلتقي في معين واحد هو العمل على إسعاد البشر في هذه الحياة، وتمكينهم من تحقيق استخلاف الأرض في إطار هذا التشريع الذي نزل من السماء بلا تفرقة بين جنس ولون.
*عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، مفتي مصر الأسبق