د‮. ‬نصر فريد واصل*

تربط الشريعة الإسلامية بين العقيدة والعبادة والأخلاق برباط وثيق،‮ ‬وتجعل المعاملات جزءاً‮ ‬من عقيدة المسلم وجزءاً‮ ‬من عبادته،‮ ‬وترجمة عملية لأخلاقه،‮ ‬وذلك لأن الهدف العام من العبادات في‮ ‬الإسلام،‮ ‬هو تحقيق شرع الله وتنفيذه في‮ ‬خلقه كما أمر،‮ ‬وذلك بالخضوع له في‮ ‬الالتزام بكل ما أمر به،‮ ‬والانتهاء عن كل ما نهى عنه،‮ ‬وهذا هو مفهوم العبادة بمعناه العام،‮ ‬حسبما ورد في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‮. ‬ما أريد منهم من رزق وما أريد أن‮ ‬يطعمون‮. ‬إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين‮».‬

فالمعنى الذي‮ ‬يدل عليه سياق الآيات الكريمة السابقة كما قال المفسرون‮: ‬ما خلقت الجن والإنس إلا ليطيعوني‮ ‬فيما ألزمتهم به،‮ ‬وفيما نهيتهم عنه،‮ ‬لمصالحهم هم،‮ ‬ولمنفعة أنفسهم،‮ ‬ولا نفع لي‮ ‬من وراء هذه العبادات،‮ ‬لأنني‮ ‬الغني‮ ‬عنهم بذاتي‮ ‬وبقدرتي‮ ‬وقوتي،‮ ‬وهم المحتاجون إليّ‮ ‬بضعفهم وحاجتهم في‮ ‬رزقهم ومعاشهم‮.‬
أما المفهوم الخاص للعبادات في‮ ‬الإسلام،‮ ‬فيتركز حول‮ «‬إحياء الدين‮» ‬والدين عند الله هو الإسلام تحقيقاً‮ ‬لقوله تعالى‮: «‬إن الدين عند الله الإسلام‮».‬

وهذا المفهوم للعبادة لا‮ ‬يتعارض مع قصر العبادات في‮ ‬الشريعة الإسلامية عند الفقهاء وفي‮ ‬كتبهم على الطهارة والصلاة والزكاة والحج والصيام دون‮ ‬غيرها من بقية التشريعات،‮ ‬لأن فقهاء الإسلام أرادوا بها العبادات الخاصة التي‮ ‬تعتبر النية ركناً‮ ‬في‮ ‬صحتها وقبولها عند الله،‮ ‬وهو اصطلاح مجازي‮ ‬للتفريق بين العبادات بمعناها الخاص والعبادات بمعناها العام،‮ ‬وللتفريق أيضاً‮ ‬بين العادة والعبادة،‮ ‬أي‮ ‬بين معاملة الإنسان مع ربه ومعاملته وما ماثله من بني‮ ‬جنسه،‮ ‬ولهذا تعتبر النية في‮ ‬تحقيق كل عبادة،‮ ‬وتصير العادة بالنية عبادة،‮ ‬وهذا‮ ‬يشمل كل المعاملات المالية وغير المالية في‮ ‬الفعل أو الترك،‮ ‬حسبما ورد في‮ ‬الأحكام الشرعية في‮ ‬مجال الفعل أو الترك‮. ‬ولهذا كان الإيمان بالله والاعتراف به والإشهاد على ذلك الإيمان في‮ ‬حيز الوجود بالقول والعمل من ضمن العبادات في‮ ‬الإسلام،‮ ‬مع أن ذلك‮ ‬يتعلق بأصل العقيدة وهو أن الاعتقاد الباطني‮ ‬بوحدانية الله وبكل‮ ‬غيبي‮ ‬سمعي‮ ‬مأمور به هو أصل الإيمان ومصدره عند الإنسان،‮ ‬يدل على ذلك قوله تعالى‮: «‬واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً‮».‬

وقد ربط الخالق سبحانه بين الإيمان والعمل والعبادة،‮ ‬وجعل تحقيق الإيمان والعمل في‮ ‬العبادة نفسها وتحقيق العبادة في‮ ‬الإيمان بالله‮.‬

ويدل على ذلك قوله سبحانه‮: «‬وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في‮ ‬الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي‮ ‬ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً‮ ‬يعبدونني‮ ‬لا‮ ‬يشركون بي‮ ‬شيئاً‮ ‬ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون‮»‬،‮ ‬فقد ربط الله سبحانه وتعالى في‮ ‬هذه الآية بين الإيمان والعمل والعبادة برباط واحد،‮ ‬وجعل تحقيق الإيمان والعمل في‮ ‬العبادة،‮ ‬وجعل العبادة في‮ ‬العقيدة الصحيحة المقترنة بالعمل النافع الذي‮ ‬تتعلق به مصلحة الفرد والجماعة دينية كانت أو دنيوية،‮ ‬ولهذا فقد ارتبطت العبادات كلها بمعناها العام عند الفقهاء في‮ ‬أصلها بأصول الإسلام وأركانه،‮ ‬وهي‮ ‬الأصول الخمسة التي‮ ‬بني‮ ‬عليها الإسلام عقيدة وشريعة،‮ ‬وهي‮: ‬إشهار الإسلام والإقرار به عن جزم ويقين خالص لا‮ ‬يشوبه شك وذلك‮ ‬يتحقق بالشهادتين‮: ‬شهادة أن لا إله إلا الله،‮ ‬وأن محمداً‮ ‬رسول الله،‮ ‬وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً،‮ ‬وهذه الأصول الخمسة أو الأركان هي‮ ‬المعبر عنها بالعبادات الخاصة في‮ ‬الإسلام عند الفقهاء وذلك تفريق‮ ‬بينها وبين العبادات بمعناها العام أو المعاملات التي‮ ‬يعتاد عليها الناس،‮ ‬وهي‮ ‬المعبر عنها بالعادات عند الفقهاء،‮ ‬وذلك لأن النية ركن أصيل وشرط في‮ ‬صحة المعاملات المتصلة بالعبادات،‮ ‬الخاصة بخلاف المعاملات المتعلقة بالعادات،‮ ‬حيث لا تحتاج إلى نية ولا إلى قصد لصحتها وترتب الأثر الشرعي‮ ‬فيها كالبيع والشراء والمزارعات والتجارات والعقود بين الناس في‮ ‬مجال التعاملات‮.‬

والإسلام كنظام تشريعي‮ ‬كامل‮ ‬يحقق العبادة لله وحده فاستخلاف الإنسان على هذه الأرض لا‮ ‬يتحقق إلا بكليات أو ضرورات‮.. ‬لضمان استمرار الحياة،‮ ‬وتلك الخلافة للإنسان إلى أن‮ ‬يشاء الله وهي‮: ‬الدين والنفس والعقل والنسل والمال،‮ ‬وهذه الكليات لا تتحقق إلا من خلال تشريع الدين الإسلامي‮ ‬نفسه،‮ ‬فقد اعتبرت هذه الكليات من ضمن ضروريات تحقيق العبادة بمعناها الخاص أو العام في‮ ‬الإسلام على وجهها الصحيح‮.‬

إن أهداف التشريع الإسلامي‮ ‬وأهداف العبادات بمعناها العام والخاص تلتقي‮ ‬في‮ ‬معين واحد هو العمل على إسعاد البشر في‮ ‬هذه الحياة،‮ ‬وتمكينهم من تحقيق استخلاف الأرض في‮ ‬إطار هذا التشريع الذي‮ ‬نزل من السماء بلا تفرقة بين جنس ولون‮.‬

*‬عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر،‮ مفتي‮ ‬مصر الأسبق