عتبة: يقول حبيب الصائغ: القراءة محنة الكتابة (ديوان غد ص 102)
بهذا الوعي الفلسفي العميق يصوغ حبيب الصائغ إشكالية القراءة والكتابة، حيث الأولى محنة الثانية، والثانية مهنة الشاعر وقد اختبرها وتحمل أوجاعها جنساً لا يكاد يتسمى حتى يستحيل إلى سواه، طوراً يتربص به الايقاع ربابة خليلية يعزف على أوتارها مواويل الحنين، وتارة يتلبسه لؤلؤُ الهذيان تفاعيلَ يُوَقِّعها على قانون الروح والأرض والإنسان، وأحياناً يستبد به النبر، فإذا به يرفل بنصوص تربكك فلا تدري على أي رجل ترقص ولا إلى أي جنس تتحيز .
هكذا إن رمت القبض على الكتابة لدى حبيب الصائغ، فاعلم أنك في محنة ستدفعك أول ما تعيها إلى طرح الأحكام القبلية والمسلمات النقدية والأطر التصنيفية الخرساء، ولعل مرد ذلك في ما نحسب يعود إلى أمرين:
الأول: العمق الفلسفي الذي يتسم به المنجز الإبداعي لديه، مما يفتح في العقل عيناً للتأويل، ويجعل المعنى زئبقياً، لا تكاد تمسكه حتى يتسرب من بين يديك، وتتضاعف المحنة حين لا مرجعَ ولا قراءةَ يُعتَد بها سابقة على ما تتغياه، إذ على الرغم من التراكم الإبداعي والتميز في المنجز إلا أن حبيب لم ينل بعدُ حظه من النقد العلمي الجاد خليجياً وعربياً، وظلت تجربته على ما تتسم به من عمق وجدية رهينَةَ ذاتها، يقعدها النشر المحلي عن الانتشار عربياً ويُسكتها زهدُ صاحبها أو تقصيرُه في التعاطي مع النقاد الجادين عن البوح بمحنتها عبر قراءة نقدية رصينة ذات مرجعيات علمية وفلسفية مؤسسة . كل ذلك جعلها تقنع بمقالات صحفية هنا وهناك وإن صدقت نوايا أصحابها وتأكدت محبتهم، غير أن النقد صلفٌ، تيَّاهٌ، لا تؤسسه النوايا، ولا يركن إلى التجمُّل، ولا يهتدي ببوصلة القلوب، إنما العقل منطقه والصرامة منهجه والصدق ما به يُسرِي ماءَ المحبة في النصوص والشخوص .
الثاني: التجويد الدائم الذي يمارسه على تجربته الإبداعية، حيث الكتابة لديه تساوي الحياة، وإذ الحياة ميلاد ونمو ونضج واكتمال، فكذا الكتابة مسعى دائم إلى بلوغ النموذج الأمثل، يقول:
عندما يولد الإنسان
يبدأ من أول السطر (غد ص 104)
لذا فهو إذ يُجوِّد حياته الشخصية على الصعد كافة، يمارس الفعل ذاته على حياته النصية، رافضاً التكرار والاجترار وساعياً إلى بلوغ أمثل نموذج في رحلة شاقة منطلقها الموهبة والتحصيل وغايتها الخلق والإبداع وارتياد مناطق لم يطرقها الشعر من قبل، يقول معبراً عن رحلته الإبداعية:
سأذهب في الوزن حتى انعدام التوازن
حتى حضور الكثافة
في شكلها الجوهر الفرد
أسكب خمرة روحي على النار حتى تكون
وأسكب خمرة روحي
في النون حتى تغادر كل الكلام
وتمضي إلى آخر الفن جذلى
وتذهب مجنونة في الجنون
(رسم بياني لأسراب الزرافات ص 76)
هكذا يصر على الترحال الدائم في قارة الإبداع ساعياً إلى اقتناص الجوهر الفرد من الشعر، غير عابئ بالعرضي ولا بالسوانح من التجارب والنصوص . وإذ هو يعي مقاصده فإن له من موازين الوعي الإبداعي ما به يميز آخر الفن ومنتهى الشعرية حيث الكثافة في الشكل والتنصل من الآني مجسداً في الكلام أداة تتغيا المنفعة في التواصل والاتصال .
ولعل من هذا المنطلق كانت عودته إلى منجزه الشعري على مدار ثلاثة عقود منتخباً منه واحداً وثمانين نصاً يراها عالقة بشغاف ذائقته الفنية رغم تبدل الفصول والغايات، قائلا: ليست هذه بالضرورة أفضل قصائدي المنشورة، هذه قصائد أحبها، هذا يكفيني، وأحسب أنه يكفيكم . إن الحب بلا شك تحيز، والتحيز انتقاء، والانتقاء ذائقة، لذا فهذه المختارات يحسبها متناً وما عداها حاشية، فإي وعي كتابي ترى تحكم فيها وما تجلياته؟
نعني بالوعي الكتابي الحالة التي يصبح الشعر فيها دائراً على ذاته، متحذاً إياها موضوعاً، مما يعني انعكاساً أكثر عمقاً من الشاعر على أداته، حيث تكون الرسالة قد بلغت أقصى درجات شعريتها، ذلك أنه إذا كانت الوظيفة الشعرية خصيصة إبداعية تتحقق كلما انعكست اللغة على ذاتها حسب الرأي الجاكبسوني، فإن الوعي الكتابي هو المستوى المضاعف من حد الشعرية، إنه انعكاس الشعر على أداته التي بها يحقق كينونته . فاللغة هنا تكتسب وظيفة مزدوجة، فهي من جهة أداة الشاعر لتحقيق شعريته وهي من جهة أخرى موضوع يتأمله ويتدبر وجوده . هكذا تبلغ الرسالة أقصى التخوم، وتتفجر اللغة حتى تضيق ببوحها وتقفز فوق الضفاف الحالمة . يقول حبيب معبراً عن هذه الحالة التي كثيرا ما يطلبها الشعراء فتعز عليهم:
لؤلؤ الهذيان استوى
وقيعانه أثمرت جزراً من رخام
وبحوراً
وغرقى جميلين (ص 347)
إن وعي حبيب بتعالي هذه اللحظة ربما هو ما جعله يختم بهذا النص منتخباته الشعرية (رسم بياني لأسراب الزرافات)، ومن قبلها ختم به ديوانه (غد) .
ونحن بدورنا ومن أجل القبض على ظواهر هذا الوعي الكتابي وتجلية مظاهره سوف نتخذ المنتخبات المشار إليها متنا لهذه القراءة وعند اللزوم سوف تعود إلى ديوان (غد، ط1-1996)، مقاربين من خلالهما ذاك الوعي عبر مظهرين بارزين هما: سيمياء اللغة والرؤية الشعرية والوعي المنعكس .
سيمياء اللغة
لا نقصد هنا بسيمياء اللغة ما تحققه تلك اللغة في حال الشعر من انزياح عن اللغة التواصلية على مختلف الصعد الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية، فذاك مبحث يبتغي قياس الشعرية على سبيل الخُلف، وهو أمرٌ قسمة بين الشعراء كافة، وإن تفاوتوا فيه كل حسب موهبته وكسبه الإبداعي، وإنما القصد هو اللغة ذاتها وقد أصبحت موضوعاً للتأمل داخل النص الشعري، أو مفاهيم بها تتسمى، مثل: (القصيدة، القافية، المطلع، الكتابة، القراءة، الأبجدية، الكلمة، النحو، الفاصلة، النقطة، القوسين) .
لقد أصبحت هذه المفردات ومشتقاتها أيقونات دالة واصفة وموصوفة في تجربة حبيب الصائغ، يستدعيها أدوات بها يكتب الشعر أو بها يسمه ويسميه، وفي الآن ذاته يتخذها موضوعاً للقراءة والتأويل . ولقد تمظهر هذا الوعي الكتابي بسيمياء اللغة في ملمحين:
أ- الوعي النحوي:
يعتبر هذا الملح من أبرز الملامح تراكماً في تجربة الصايغ، ولعل ذلك عائد إلى تكوينه اللغوي المتين واطلاعه على المتون التراثية الأصيلة وتجربته الكتابية الطويلة، كل ذلك جعل وعيه النحوي منادياً على نفسه، منذ بواكير تجربته، يقول من قصيدة ميارى (1983):
إنني أحببت؟ هل فعل سيمضي؟
يا أبا الأسود نادي البصرة المجتهدة
يا أبا الأسود نادي البصرة المبتعدة
كيف يمضي الفعل
والفعل مع القلب نقاط
فوق، تحت الكلمات؟
بدهي هنا الإحالة على ذاكرة النحو العربي وما لذلك من دلالة في سياق النص، لكن استدعاء مفردات المقطع (أبا الأسود الدؤلي، الكوفة، البصرة، النحو، الفعل، النقاط، الكلمات) كأدوات لتصريف الدلالة، صنيع يعكس الوعي الكتابي الحاد بدور هذه الدوال في انتاج النص، حيث منها يأخذ مشروعيته اللغوية ويبصم خصوصيته الإبداعية، هكذا يكتسب معجم النحو هنا وظيفة مزدوجة، فهو من جهة أداة توصيف وهو من جهة أخرى علامة لغوية موصوفة، وفي كلا الحالتين يُكثف الرسالة على المستويين البنائي والدلالي . ولا شك في أنه وحده سياق النص هو ما يملي نوع المعجم النحوي المستدعى، إذ لدلالته المصطلحية دور كبير في خلق دلالته السياقية .
ب - علامات الترقيم:
إذا كان الشاعر المعاصر يعتبر المؤول الأول لنصوصه، قبل أي قارئ، فمن البدهي أن يهتم بكل الأيقونات الدالة ومن أبرزها علامات الترقيم، التي غدت في القصيدة المعاصرة مثابة يلوذ بها الشاعر في مغامراته التحررية لاختراق حدود اللغة واكتشاف أدوات أخرى تضاعف قدرتها على الايحاء ولهذا فإن الشاعر الواعي بما يفعل هو مدون موسيقي وموزع لألحان قصيدته، ومهندس يرسم خطوطها، وفنان تشكيلي يتحكم في شكلها بما فيه علامات الترقيم، كل ذلك يتم حسب تجارب الشاعر ومهاراته ومقاصده وأهدافه .
وإذا كانت تلك خصيصة فنية اتسمت بها القصيدة المعاصرة وهي تسعى حثيثة إلى تحقيق أقصى درجة الشعرية، مستثمرة ما تيسر لها من أيقونات دالة وفي مقدمتها علامات الترقيم، فإن الأمر عند حبيب الصائغ قد تجاوز تلك المسالك واتخذ له في التوظيف مسارب أخرى، حيث لم تعد علامات الترقيم لديه مجرد أيقونات دالة وإنما أصبحت دوال لغوية مشاركة في انتاج النص نسجاً ودلالة وفي الآن نفسه أضحت موضوعاً للتأمل والتأويل .
هكذا تحولت الفاصلة والنقطة والتعجب والاستفهام والعارضة والقاطعة والقوس ونقاط الحذف إلى دوال لغوية مزدوجة الدلالة، انتقلت بموجبها من شكلها الأيقوني المرسوم إلى وجودها اللغوي المكتوب . يقول من قصيدة أنا والبحر:
أيها البحر
لا بد للموج أن يتثاءب حتى نراه
ولا بد للصخر أن يتناثر ما بين أعيننا
لنحس صداه
. . . . . . . . . . . . .
ولا بد من صرخة أول السطر
حتى نغطي فراغ الخطابة
ولا بد من نقطة آخر السطر
حتى نغطي فراغ الكتابة (ص53-54)
إن علاقة الصرخة بالنقطة هي تماماً علاقة الخطابة بالكتابة أي علاقة الشفاهي بالكتابي، البدائي بالحضاري، الصرخة حدث في الزمان السيال المتلاشي والنقطة حدث في المكان (الصفحة) الثابت، الصرخة سمعية والنقطة بصرية، هكذا عبر هذه الثنائية الضدية وما تولده من دلالات عميقة في سياق بنية النص كاملاً يضيق المقام عن استعراضها حيث يتم استثمار علامات الترقيم، فترتاد أفقاً في الدلالة مغايراً لوجودها الفيزيقي ووظيفتها الأيقونية لتصبح رمزاً لغوياً يُسري في النص أبعاداً جديدة ويفتحه على فضاء التأويل، مما يعكس يقظة الوعي الكتابي الذي اعاد انتاج دلالتها وأعاد توجيه وظيفتها .
الرؤية الشعرية والوعي المنعكس:
تعد القصيدة المعاصرة عملاً هندسياً بامتياز يتسم بالاتساق والانسجام والتنامي لذا فهي ليست لعباً مجانياً ولا هي ركام لغوي فج ولا ثرثرة خرساء، غير أنها لا تحقق ذاتها ما لم تكن صادرة عن رؤية شعرية عميقة تستقي وجودها من سيرورة الكشف الرؤيوي القائم على جدل العلاقة بين الحسي المرتهن بالواقع كما يعيشه الشاعر وبين الرؤيا الذهنية الباطنة باعتبارها البعد المجاور للمادي ولما هو موسوم بحدود العقل والذاكرة، وإذ تلك كينونتها فإن نضجها يتفاوت من شاعر إلى آخر لتفاوت المواهب، وتباين الخلفيات الثاوية وراء التجارب، والقارئ لمنتخبات الصائغ ومجمل منجزه لن تخطئه الملاحظة للوهلة الأولى أنه يقود مغامرته الشعرية بوعي يقظ، ينصت لأدق تفاصيل التجربة وهي تنتقل من طور الكمون إلى طور التكوُّن، تاركاً لها حرية تأمل ذاتها بعيداً عن أنا الشاعر مخافة وقوع الأخيرة تحت إكراهات الواقع وسلطة المألوف، متأملاً إياها تارات أخرى بروح شفافة تدير اللعبة بموهبة الشاعر ومهارة المثقف وعمق الفيلسوف، وسوف نقارب الحالتين استجابة للإجراء المنهجي في المحورين التاليين:
أ- القصيدة في القصيدة:
إذا كان الشعر والأدب بعامة هو وضع من الدرجة الثانية كما يذهب إلى ذلك اللسانيون، فإن انعكاس الشعر على ذاته وتمرئيه فيها يعد بهذا المعنى وضعاً آخر من الدرجة الثالثة، وآية ذلك أن الشعر في هذه الحال هو نفسه دال وهو نفسه مرجع، أي أن القصيدة بما هي نص لغوي هي في الآن ذاته مرجع يحيل عليه ذلك النص، فالأمر هنا أقرب إلى ما يسميه ديكارت بالوعي المنعكس، أي حين يكون الوعي موضوعاً لتأمل نفسه، والواقع أن ظاهرة حضور الشعر في الشعر ظاهرة قد عرفها شعراء العربية منذ الجاهلية إلى اليوم، وتفننوا فيها توصيفاً للشعر ورسماً لحده وتحديداً لوظيفته وتبياناً لقضاياه، فهم أعرف الناس به لأنهم إلى مضايقه قد دفعوا على حد تعبير البحتري، فلا بد والحال تلك أن يكونوا أقدر الناس على فهمه وتذوقه والحكم عليه، ولعل هذا ما حدا بكثير من الباحثين إلى الحديث عن ظاهرة الشعراء النقاد . غير أن وعي الشعراء بالشعر في الشعر يختلف اختلافاً بينا باختلاف أنماط الوعي وحساسية التجربة وأفق الإبداع، إذ غالباً ما كان الشعراء وخصوصاً القدماء منهم محكومين في تصوراتهم بسلطة شاهد أمثل يطلبونه ولا يكادون عن خصائصه يندون ولا عن سننه يخرجون .
وظل الأمر على تلك الشاكلة إلى أن جاء شعراء الحداثة، فأحدثوا في الأمر خرقاً ونبذوا الشواهد المثلى في التاريخ، وأصبح لكل منهم شأن في الشعر يغنيه، ورؤية فيه مخصوصة يركن إليها، طلباً لمناطق غير مطروقة وأساليب غير منطوقة، ولعل حبيب الصائغ يعد من أكثر أولائك وعياً بضرورة ارتياد أفق في الإبداع جديد، وكتابة لا تنتمي إلا إليه، يقول في قصيدة (غد 11) . مخاطباً القصيدة:
أيتها المسافرة في رأسي
كالوهم أو السرطان
إنني اتشبث بك
تعالي تعالي إليَّ
أيتها الماردة المتمردة
فما زالت على الكرة الأرضية
جبال بعيدة
لم يصل إليها إنسان
ولا غيمة
ولا فكرة
هكذا القصيدة في مخيال الشاعر، مسافرة أبداً، حاضرة في الغياب، غائبة في الحضور، كالوهم في توهمه أو السرطان في استشعاره، يتشبث بها الشاعر ويناديها أن تنزلي فثمة مناطق على الأرض قصية لم يطأها بعد إنسان وما ظللتها غيمة وما داعبتها فكرة .
لكأن القصيدة في عصيانها واستعصائها لا تنقاد إلا لمن جاوز بها تخوم المألوف وارتاد بها بكر الرؤى، ذلك أن الشعر حسب الصائغ يتغيا سدَّ نقص العالم، فكل شيء في منظوره لا يزال ناقصاً وعلى الشاعر استكماله بمعجزة الشعر، يقول من قصيدة
( غد 8):
اللوحة ناقصة
والدنيا ناقصة
والأسماء ناقصة
فاقذف يا موسى بعصاك!
وعلى الرغم من التماهي بين الأنا الشاعرة وأنا القصيدة الذي كثيراً ما نلمحه لدى الصايغ إلا أنه في بعض الأحيان وبوعي كتابي مرهف نراه يفرق بينهما، فأنا الشاعر آنية محكومة بالشرط الإنساني في الوجود والانعدام، أما أنا القصيدة فزمانية مسافرة في التاريخ ومتعالية عليه في الآن نفسه، غير أنها تُستعاد كتابةً كلما وُجد شاعر بقامتها، يقول حبيب في قصيدة الشاعر:
. . . من هنا ليس تبدأ هذه القصيده
وهذا الكلام كلامي أنا بين قوسين أو تهمتين
إنها بدأت قبل أن أولدا
غير أني أمد اليدا
لأكتبها ثانية بين قوسين أو تهمتين (ص 70)
إن وجود القصيدة سابق في الزمن على وجود الشاعر، فهي كائن أزلي خالد، يتجدد دوماً وينبعث كطائر الفينيق كلما توفرت الشروط لذلك، أما الشاعر فكائن بشري واقع تحت فعل الزمن، تسافر فيه السنوات خناجر تذوي جسده، لذا كثيراً ما نراه يتحسر من وقع الزمن عليه، يقول من قصيدة الصحراء
يا شهقة الكهل الذي ما في قصيدته
اكتهال . (ص 132)
بهذا الوعي الاشكالي يتشظى الشاعر متحسراً على وجوده كهلاً يستشعر أثر الزمن فيه، غير أنه في الوقت نفسه واثق من أن قصيدته متعالية على ذلك الأثر، قادرة على مقاومة الزمن وفعله، لا يصيبها نصب ولا رهق ولا اكتهال .
ب- إدارة النص
إذا كان أي نص لا يحقق كفاءته كما يذهب إلى ذلك علماء النص إلا إذا تحققت فيه معايير معلومة هي الاتساق والانسجام والمقصدية والمقبولية والسياق والتناص، فإن حظ اي شاعر من الإبداع يكون بمدى قدرته على تجسيد هذه المعايير في ما يبدع، وهو ما يتطلب وجود وعي كتابي ثاوٍ في لاشعوره قادر على إدارة نصوصه بكفاءة إبداعية لا أثر فيها لصنعة ولا صدى لتصنع . والقارئ لشعر حبيب الصائغ بتدبر وتأمل سوف يدرك أنه لامجال فيه للمجانية ولا للعبثية، وأن بناه في الغالب محكمة العرى متسقتها، منسجمة الروابط محكمتها وأنه شعر يتغيا مقصدية يديرها وعي كتابي يساوق إليها بنى النص بمكر ابداعي يكاد لا يستبين، آخذاً في اعتباره مقام التلقي إن عبر المحددات السياقية أو عبر المؤشرات المقامية، كل ذلك وهو يمتص النصوص رحيقاً جاعلاً إياها كأنها من عندياته طوراً يستدعيها وتارة يحيل عليها، غير أن هذه الخصائص تتفاوت عنده بطبيعة الحال من نص إلى آخر، تارة يتكثف حضور بعضها في قصيدة ما وتارة يضْمُرُ في أخرى، مما لا يتكشف إلا بالمعاينة والمساءلة، وهو ما لا يتسع مقام هذا المكتوب له، غير أننا نشير فقط إلى نصوص بعينها نحسبها من أدق النصوص كفاءة لديه ومن أكثرها إغراء بالتحليل والتأويل، ومن أبرزها: قصيدة (رسم بياني لأسراب الزرافات، ص151) وقصيدة (الكتابة، ص 63) وقصيدة شطح ص 161) وقصيدة (أجيال، ص 95) وقصيدة (غربة، 223) وقصيدة (العائلة، ص 19) . وغيرها كثير .
إن متأمل هذه القصائد سوف يدرك كيف هي محكمة البناء وفق منطق لا تكاد عنه تند، عُمدتُه جملةٌ هدفٌ، تتضافر مختلف البُنى الفرعية للوصول إليها، طوراً من القمة إلى القاعدة، مروراً بجملة قنطرة تقسم النص ضفتين، وتارة عكس ذلك . فكأن الشاعر في الحالتين ومن خلال وعي كتابي فطري ينطلق من خريطة قبْلية ثم يشرع في تحقيقها كتابة، إنه في هذه الحالة أشبه بالمهندس المعماري الذي يرسم مخطط المبنى ثم يبدأ بتنفيذه لاحقاً، فكل شيء محسوب ومخطط له سلفاً، لا عبث ولا فوضى ولا مجانية ولا زوائد . فهل تلك هي استراتيجية الكتابة لدى حبيب الصائغ أم أن الأمر لا يعدو استجابة لنداء الحالة الشعرية المختلفة من نص إلى آخر؟ مهما تكن الإجابة فإن ثمة في الحالتين وعياً كتابياً يتخفى خلف بنى النصوص ويدير لعبة الكتابة باقتدار لا يتكشف إلا لمن رام مساءلة النصوص واختبار كفاءتها الإبداعية .
ذاك هو الوعي الكتابي لدى حبيب الصايغ وقد بدا منادياً على نفسه ظواهر تم تعيينها ومظاهر تم استعراضها من خلال النصوص، وهو إذ تجلى كذلك فلأنه صادر عن تصور رؤيوي أشمل، يطال دور الشعر في الوجود وتمثله للإنسان وقدرته على تأويل العالم، وهي أمور لا تمكن مقاربتها إلا بتسييق النصوص ضمن مجمل تجربة الصائغ، واستقراء أبرز القيم المعرفية المختبئة خلف الأنساق الجمالية فيها .
* شاعر وناقد من موريتانيا