وقال ابن الجوزي في »زاد المسير»: »سبب نزولها أن اليهود قالوا لمعاذ بن جبل، وعمَّار بن ياسر: تركتما دينكما، واتبعتما دين محمد، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس»، وقال الإمام الواحدي في أسباب النزول: «نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم».
هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أسلم وعمره ثماني عشرة سنة، وهو أحد السبعين رجلاً الذين قدموا من المدينة إلى مكة ليبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية، فبايعه معهم، وحضر المشاهد كلها.
لزم معاذ بن جبل النبي صلى الله عليه وسلم منذ هجرته إلى المدينة فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الإسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل»، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عنه: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل».
«عرفت فالزم»
لقيه النبي صلى الله عليه وسلم ذات صباح فسأله: »كيف أصبحت يا معاذ» قال: أصبحت مؤمناً حقّاً يا رسول الله، قال النبي: «إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟»، قال معاذ: ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمْسي، ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني لا أُصْبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتْبِعُها غيرها، وكأني أنظر إلى كل أمّة جاثية تُدْعى إلى كتابها، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمون، وأهل النار في النار يُعَذّبون، فقال له صلى الله عليه وسلم: «عرفتَ فالزم».
وقابله النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وقال له: «يا معاذ، إني لأحبك في الله»، قال معاذ: وأنا والله يا رسول الله، أحبك في الله. فقال صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة: «رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وظل معاذ رضي الله عنه حريصاً على تمام سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم متمسكاً بها، وكان يقول: من سره أن يأتي الله عز وجل آمنا فليأت هذه الصلوات الخمس؛ حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، ومما سنه لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولا يقل إن لي مصلى في بيتي فأصلي فيه، فإنكم إن فعلتم ذلك تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.
العلم وذكر الله
وكان رضي الله عنه دائب الدعوة إلى العلم وإلى ذكر الله، وكان يقول: احذروا زيْغ الحكيم، واعرفوا الحق بالحق، فإن للحق نوراً، وكان يرى العبادة قصدا وعدلا، قال له يوما أحد المسلمين: علّمني، فسأله معاذ: وهل أنت مطيعي إذا علمتك؟، قال الرجل: إني على طاعتك لحريص، فقال له معاذ: صُمْ وأفْطِر، وصَلِّ ونَمْ، واكْتَسِب ولا تأثَمْ، ولا تموتنَّ إلا مُسْلِماً، وإياك ودَعْوَة المظلوم.
وكان يرى العلم معرفة وعملاً، فيقول: «تعلموا ما شئتم أن تتعلموا، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا»، وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس، يقول الأسود بن هلال: كُنّا نمشي مع مُعاذ، فقال لنا: اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة.
وكان معاذ أحد الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم: عمر، وعثمان، وعلي من المهاجرين، وأبيّ بن كعب ومعاذ، وزيد من الأنصار. بل قدمه عمر في الفقه، فقال: من أراد الفقه، فليأت معاذ بن جبل.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يجتمعون حوله ليتعلموا منه أمور الحلال والحرام، وكانوا إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل، نظروا إليه هيبة له، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستشيره كثيرا، وكان يقول في بعض المواطن التي يستعين فيها برأي مُعاذ وفقهه: «عجزت النساء أن يلدن مثله، ولولاه لهلك عمر».
ويقول أبو مسلم الخولاني: دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا يتكلم، فإذا امْتَرَى القوم في شيء تَوَجَّهوا إليه يسألونه، فقلت لجليس لي: من هذا؟، قال معاذ بن جبل: فوقع في نفسي حُبُّه.
«خلصتني يا عمر»
مات الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل في اليمن، وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ إلى اليمن، وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ أن معاذاً أثرى فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله، ولم ينتظر عمر بل نهض مسرعا إلى معاذ وأخبره، وقد كان معاذ رضي الله عنه طاهر الكف والذمّة، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه، وتركه عمر وانصرف، وفي الغداة سارع معاذ إلى عمر يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول: لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء، أخشى على نفسي الغرق، حتى جئت فخلصتني يا عمر، وذهبا معاً إلى أبي بكر وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال أبو بكر: لا آخذ منك شيئاً، فنظر عمر إلى معاذ وقال له: الآن حَلَّ وطاب، فما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليترك لمعاذ درهماً واحداً، لو علم أنه أخذه بغير حق.
وأرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام، وعاد إلى زوجه بحلسه (ما يوضع على ظهر الدابة) الذي خرج به فقالت له امرأته: أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهم؟ فقال معاذ: لقد كان معي رقيب يقظ يحصي عليَّ، فقالت امرأته: لقد كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك، وشاع ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ عمر، فأرسل إلى معاذ وسأله: أنا أرسلت معك رقيباً؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجد ما أعتذر به إلا هذا وقصدت بالرقيب الله عز وجل، فأعطاه عمر شيئا وقال: أرضها به.
طاعون عمواس
وقع الطاعون بالشام فاستغرقها، ولما أصيب أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال: إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خِلالٍ من استطاع منكم ألا يدركه شيء منها، فلا يدركه شيء منها، قالوا: وما هن؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل: والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله.
وأصيب معاذ رضي الله عنه بالطاعون، فلما حضرته الوفاة قال: «مرحباً بالموت مرحباً، زائر بعد غياب وحبيب وفد على شوق»، ثم جعل ينظر إلى السماء ويقول: «اللهم إني كنتُ أخافك، لكنني اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار، وجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر، اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفساً مؤمنة»، ثم فاضت روحه بعيداً عن الأهل داعيا إلى الله مهاجراً في سبيله، وكانت وفاته في السنة الثامنة عشرة من الهجرة النبوية بناحية الأردن من الشام، عن عمرٍ يناهز ثمانية وثلاثين عاماً.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني ربي: لماذا استخلفته، لقلت: سمعت نبيك يقول: إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وجل كان معاذ بين أيديهم».
«وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون» (آل عمران: 69)
حذر الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، من خطورة زواج الشباب المسلم المهاجر إلى الغرب من الأجنبيات من دون الاهتمام بالضوابط الشرعية، ما يجعله يفقد هو وأولاده دينهم، وطالب الجامعات الإسلامية بالاهتمام بتعليم طلابها مختلف اللغات العالمية لتبليغ رسالة الإسلام إلى العالم، والرد على الطاعنين فيه بلغاتهم، وهاجم من يرون الاقتصار على تعلم العلوم الشرعية والعربية فقط، واعتبار تعلم اللغات نوعاً من الرفاهية، ما يؤكد جهل هؤلاء بتعاليم الدين، رغم أنهم يدعون أنهم من دعاته، وحذر من تمكن الأمراض النفسية وخاصة الإحباط من أبناء المسلمين في مرحلة الضعف الحضاري الذي تعيشه الأمة الآن.
وهذا نص حوارنا معه خلال زيارته الأخيرة للقاهرة للمشاركة في مؤتمر إسلامي..