قال الإمام القرطبي‮ ‬في‮ ‬تفسيره‮: ‬قوله تعالى‮: «‬ودت طائفة من أهل الكتاب لو‮ ‬يضلونكم وما‮ ‬يضلون إلا أنفسهم وما‮ ‬يشعرون‮»‬،‮ ‬نزلت في‮ ‬معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن‮ ‬ياسر حين دعاهم اليهود من بني‮ ‬النضير وقريظة وبني‮ ‬قينقاع إلى دينهم،‮ ‬وهذه الآية نظير قوله تعالى‮: «‬وَدَّ‮ ‬كَثِيرٌ‮ ‬مِّنْ‮ ‬أَهْلِ‮ ‬الْكِتَابِ‮ ‬لَوْ‮ ‬يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ‮ ‬إِيمَانِكُمْ‮ ‬كُفَّاراً‮ ‬حَسَداً‮ ‬مِّنْ‮ ‬عِندِ‮ ‬أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ‮ ‬مَا تَبَيَّنَ‮ ‬لَهُمُ‮ ‬الْحَقُّ‮ ‬فَاعْفُواْ‮ ‬وَاصْفَحُواْ‮ ‬حَتَّى‮ ‬يَأْتِيَ‮ ‬اللّهُ‮ ‬بِأَمْرِهِ‮ ‬إِنَّ‮ ‬اللّهَ‮ ‬عَلَى كُلِّ‮ ‬شَيْءٍ‮ ‬قَدِيرٌ‮» (البقرة: 901).‬

وقال ابن الجوزي‮ ‬في‮ ‬»زاد المسير‮»: ‬»سبب نزولها أن اليهود قالوا لمعاذ بن جبل،‮ ‬وعمَّار بن‮ ‬ياسر‮: ‬تركتما دينكما،‮ ‬واتبعتما دين محمد،‮ ‬فنزلت هذه الآية،‮ ‬قاله ابن عباس»،‮ ‬وقال الإمام الواحدي‮ ‬في‮ ‬أسباب النزول‮: «‬نزلت في‮ ‬معاذ بن جبل وحذيفة وعمار بن‮ ‬ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم‮».‬
هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي‮ ‬الله عنه،‮ ‬أسلم وعمره ثماني‮ ‬عشرة سنة،‮ ‬وهو أحد السبعين رجلاً الذين قدموا من المدينة إلى مكة ليبايعوا النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية،‮ ‬فبايعه معهم،‮ ‬وحضر المشاهد كلها‮.‬
لزم معاذ بن جبل النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم منذ هجرته إلى المدينة فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الإسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه،‮ ‬وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وشهد له النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فقال‮: «‬استقرئوا القرآن من أربعة‮: ‬من ابن مسعود،‮ ‬وسالم مولى أبي‮ ‬حذيفة،‮ ‬وأُبيّ‮ ‬بن كعب،‮ ‬ومعاذ بن جبل‮»‬،‮ ‬وكان صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول عنه‮: «‬أعلم أمتي‮ ‬بالحلال والحرام معاذ بن جبل‮».‬

‮«‬عرفت فالزم‮»‬
لقيه النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ذات صباح فسأله‮: ‬»كيف أصبحت‮ ‬يا معاذ» قال‮: ‬أصبحت مؤمناً حقّاً‮ ‬يا رسول الله،‮ ‬قال النبي‮: «‬إن لكل حق حقيقة،‮ ‬فما حقيقة إيمانك؟‮»‬،‮ ‬قال معاذ‮: ‬ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني‮ ‬لا أمْسي،‮ ‬ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني‮ ‬لا أُصْبح،‮ ‬ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني‮ ‬لا أتْبِعُها‮ ‬غيرها،‮ ‬وكأني‮ ‬أنظر إلى كل أمّة جاثية تُدْعى إلى كتابها،‮ ‬وكأني‮ ‬أرى أهل الجنة في‮ ‬الجنة‮ ‬يُنَعَّمون،‮ ‬وأهل النار في‮ ‬النار‮ ‬يُعَذّبون،‮ ‬فقال له صلى الله عليه وسلم‮: «‬عرفتَ‮ ‬فالزم‮».‬

وقابله النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ذات‮ ‬يوم،‮ ‬وقال له‮: «‬يا معاذ،‮ ‬إني‮ ‬لأحبك في‮ ‬الله‮»‬،‮ ‬قال معاذ‮: ‬وأنا والله‮ ‬يا رسول الله،‮ ‬أحبك في‮ ‬الله‮. ‬فقال صلى الله عليه وسلم‮: «‬أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة‮: «‬رب أعني‮ ‬على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‮»‬،‮ ‬وظل معاذ رضي‮ ‬الله عنه حريصاً‮ ‬على تمام سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم متمسكاً‮ ‬بها،‮ ‬وكان‮ ‬يقول‮: ‬من سره أن‮ ‬يأتي‮ ‬الله عز وجل آمنا فليأت هذه الصلوات الخمس؛ حيث‮ ‬ينادى‮ ‬بهن،‮ ‬فإنهن من سنن الهدى،‮ ‬ومما سنه لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولا‮ ‬يقل إن لي‮ ‬مصلى في‮ ‬بيتي‮ ‬فأصلي فيه،‮ ‬فإنكم إن فعلتم ذلك تركتم سنة نبيكم،‮ ‬ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم‮.‬

العلم وذكر الله

وكان رضي‮ ‬الله عنه دائب الدعوة إلى العلم وإلى ذكر الله،‮ ‬وكان‮ ‬يقول‮: ‬احذروا زيْغ‮ ‬الحكيم،‮ ‬واعرفوا الحق بالحق،‮ ‬فإن للحق نوراً،‮ ‬وكان‮ ‬يرى العبادة قصدا‮ ‬وعدلا،‮ ‬قال له‮ ‬يوما أحد المسلمين‮: ‬علّمني،‮ ‬فسأله معاذ‮: ‬وهل أنت مطيعي‮ ‬إذا علمتك؟،‮ ‬قال الرجل‮: ‬إني‮ ‬على طاعتك لحريص،‮ ‬فقال له معاذ‮: ‬صُمْ‮ ‬وأفْطِر،‮ ‬وصَلِّ‮ ‬ونَمْ،‮ ‬واكْتَسِب ولا تأثَمْ،‮ ‬ولا تموتنَّ‮ ‬إلا مُسْلِماً،‮ ‬وإياك ودَعْوَة المظلوم‮.‬

وكان‮ ‬يرى العلم معرفة وعملاً،‮ ‬فيقول‮: «‬تعلموا ما شئتم أن تتعلموا،‮ ‬فلن‮ ‬ينفعكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا‮»‬،‮ ‬وكان‮ ‬يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس،‮ ‬يقول الأسود بن هلال‮: ‬كُنّا نمشي‮ ‬مع مُعاذ،‮ ‬فقال لنا‮: ‬اجلسوا بنا نُؤْمِنْ‮ ‬ساعة‮.‬
وكان معاذ أحد الذين‮ ‬يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم‮: ‬عمر،‮ ‬وعثمان،‮ ‬وعلي‮ ‬من المهاجرين،‮ ‬وأبيّ‮ ‬بن كعب ومعاذ،‮ ‬وزيد من الأنصار‮. ‬بل قدمه عمر في‮ ‬الفقه،‮ ‬فقال‮: ‬من أراد الفقه،‮ ‬فليأت معاذ بن جبل‮.‬
وكان الصحابة رضوان الله عليهم‮ ‬يجتمعون حوله ليتعلموا منه أمور الحلال والحرام،‮ ‬وكانوا إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل،‮ ‬نظروا إليه هيبة له،‮ ‬وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬يستشيره كثيرا،‮ ‬وكان‮ ‬يقول في‮ ‬بعض المواطن التي‮ ‬يستعين فيها برأي‮ ‬مُعاذ وفقهه‮: «‬عجزت النساء أن‮ ‬يلدن مثله،‮ ‬ولولاه لهلك عمر‮».‬
ويقول أبو مسلم الخولاني‮: ‬دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول‮ ‬يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا‮ ‬يتكلم،‮ ‬فإذا امْتَرَى القوم في‮ ‬شيء تَوَجَّهوا إليه‮ ‬يسألونه،‮ ‬فقلت لجليس لي‮: ‬من هذا؟،‮ ‬قال معاذ بن جبل‮: ‬فوقع في‮ ‬نفسي‮ ‬حُبُّه‮.‬

‮«‬خلصتني‮ ‬يا عمر‮»‬

مات الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل في‮ ‬اليمن،‮ ‬وفي‮ ‬خلافة أبي‮ ‬بكر رجع معاذ إلى اليمن،‮ ‬وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ‮ ‬أن معاذاً‮ ‬أثرى فاقترح على الخليفة أبي‮ ‬بكر أن‮ ‬يشاطره ثروته وماله،‮ ‬ولم‮ ‬ينتظر عمر بل نهض مسرعا إلى معاذ وأخبره،‮ ‬وقد كان معاذ رضي‮ ‬الله عنه طاهر الكف والذمّة،‮ ‬ولئن كان قد أثرى فإنه لم‮ ‬يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه،‮ ‬وتركه عمر وانصرف،‮ ‬وفي‮ ‬الغداة سارع معاذ إلى عمر‮ ‬يلقاه ولا‮ ‬يكاد‮ ‬يراه حتى‮ ‬يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول‮: ‬لقد رأيت الليلة في‮ ‬منامي‮ ‬أني‮ ‬أخوض حَوْمَة ماء،‮ ‬أخشى على نفسي‮ ‬الغرق،‮ ‬حتى جئت فخلصتني‮ ‬يا عمر،‮ ‬وذهبا معاً‮ ‬إلى أبي‮ ‬بكر وطلب معاذ إليه أن‮ ‬يشاطره ماله فقال أبو بكر‮: ‬لا آخذ منك شيئاً،‮ ‬فنظر عمر إلى معاذ وقال له‮: ‬الآن حَلَّ‮ ‬وطاب،‮ ‬فما كان أبو بكر الصديق رضي‮ ‬الله عنه ليترك لمعاذ درهماً واحداً،‮ ‬لو علم أنه أخذه بغير حق‮.‬

وأرسله عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه إلى بني‮ ‬كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام،‮ ‬وعاد إلى زوجه بحلسه‮ (‬ما‮ ‬يوضع على ظهر الدابة‮) ‬الذي‮ ‬خرج به فقالت له امرأته‮: ‬أين ما جئت به مما‮ ‬يأتي‮ ‬به الولاة من هدية لأهليهم؟ فقال معاذ‮: ‬لقد كان معي‮ ‬رقيب‮ ‬يقظ‮ ‬يحصي‮ ‬عليَّ،‮ ‬فقالت امرأته‮: ‬لقد كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي‮ ‬بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا‮ ‬يحصي‮ ‬عليك،‮ ‬وشاع ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ‮ ‬عمر،‮ ‬فأرسل إلى معاذ وسأله‮: ‬أنا أرسلت معك رقيباً؟ فقال‮: ‬يا أمير المؤمنين لم أجد ما أعتذر به إلا هذا وقصدت بالرقيب الله عز وجل،‮ ‬فأعطاه عمر شيئا وقال‮: ‬أرضها به‮.‬

طاعون عمواس
وقع الطاعون بالشام فاستغرقها،‮ ‬ولما أصيب أبو عبيدة بن الجراح رضي‮ ‬الله عنه في‮ ‬طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ بن جبل رضي‮ ‬الله عنه‮: ‬ادع الله أن‮ ‬يرفع عنا هذا الرجز،‮ ‬فقال‮: ‬إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم،‮ ‬وموت الصالحين قبلكم وشهادة‮ ‬يختص الله بها من‮ ‬يشاء من عباده منكم،‮ ‬أيها الناس أربع خِلالٍ‮ ‬من استطاع منكم ألا‮ ‬يدركه شيء منها،‮ ‬فلا‮ ‬يدركه شيء منها،‮ ‬قالوا‮: ‬وما هن؟ قال‮: ‬يأتي‮ ‬زمان‮ ‬يظهر فيه الباطل،‮ ‬ويصبح الرجل على دين ويمسي‮ ‬على آخر،‮ ‬ويقول الرجل‮: ‬والله لا أدري‮ ‬علام أنا؟ لا‮ ‬يعيش على بصيرة ولا‮ ‬يموت على بصيرة،‮ ‬ويعطى الرجل من المال مال الله على أن‮ ‬يتكلم بكلام الزور الذي‮ ‬يسخط الله‮.‬

وأصيب معاذ رضي‮ ‬الله عنه بالطاعون،‮ ‬فلما حضرته الوفاة قال‮: «‬مرحباً‮ ‬بالموت مرحباً،‮ ‬زائر بعد‮ ‬غياب وحبيب وفد على شوق‮»‬،‮ ‬ثم جعل‮ ‬ينظر إلى السماء ويقول‮: «‬اللهم إني‮ ‬كنتُ‮ ‬أخافك،‮ ‬لكنني‮ ‬اليوم أرجوك،‮ ‬اللهم إنك تعلم أني‮ ‬لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار،‮ ‬وجري‮ ‬الأنهار،‮ ‬ولكن لظمأ الهواجر،‮ ‬ومكابدة الساعات،‮ ‬ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر،‮ ‬اللهم فتقبل نفسي‮ ‬بخير ما تتقبل به نفساً مؤمنة‮»‬،‮ ‬ثم فاضت روحه بعيداً‮ ‬عن الأهل داعيا إلى الله مهاجراً‮ ‬في‮ ‬سبيله،‮ ‬وكانت وفاته في‮ ‬السنة الثامنة عشرة من الهجرة النبوية بناحية الأردن من الشام،‮ ‬عن عمرٍ‮ ‬يناهز ثمانية وثلاثين عاماً‮.‬
وكان عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه‮ ‬يقول‮: «‬لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني‮ ‬ربي‮: ‬لماذا استخلفته،‮ ‬لقلت‮: ‬سمعت نبيك‮ ‬يقول‮: ‬إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ‮ ‬وجل كان معاذ بين أيديهم‮».‬

«‬وَدَّت طَّائِفَةٌ‮ ‬مِّنْ‮ ‬أَهْلِ‮ ‬الْكِتَابِ‮ ‬لَوْ‮ ‬يُضِلُّونَكُمْ‮ ‬وَمَا‮ ‬يُضِلُّونَ‮ ‬إِلاَّ‮ ‬أَنفُسَهُمْ‮ ‬وَمَا‮ ‬يَشْعُرُون‮» (‬آل عمران: 69)

حذر الدكتور أحمد عبادي،‮ ‬الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب،‮ ‬من خطورة زواج الشباب المسلم المهاجر إلى الغرب من الأجنبيات من دون الاهتمام بالضوابط الشرعية، ما يجعله‮ ‬يفقد هو وأولاده دينهم،‮ ‬وطالب الجامعات الإسلامية بالاهتمام بتعليم طلابها مختلف اللغات العالمية لتبليغ‮ ‬رسالة الإسلام إلى العالم، والرد على الطاعنين فيه بلغاتهم،‮ ‬وهاجم من‮ ‬يرون الاقتصار على تعلم العلوم الشرعية والعربية فقط، واعتبار تعلم اللغات نوعاً من الرفاهية،‮ ‬ما‮ ‬يؤكد جهل هؤلاء بتعاليم الدين، رغم أنهم‮ ‬يدعون أنهم من دعاته، وحذر من تمكن الأمراض النفسية وخاصة الإحباط من أبناء المسلمين في‮ ‬مرحلة الضعف الحضاري‮ ‬الذي‮ ‬تعيشه الأمة الآن‮.‬

وهذا نص حوارنا معه خلال زيارته الأخيرة للقاهرة للمشاركة في‮ ‬مؤتمر إسلامي‮..‬