تنبع أهمية الزيارة لذلك الحصن الشهير الرابض في إمارة أم القيوين الذي يدعى حصن (آل علي) والذي يحتضنه الآن متحف أم القيوين من كونها تسلط الضوء على جانب من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأيضاً الثقافية لهذه المدينة العريقة، ولكونها أيضاً تسجل وثيقة تاريخية تمتلئ بالأحداث التي تعزز المكانة التاريخية للإمارات بشكل عام، حيث يرد أن لهذا الحصن مكانة خاصة في ذاكرة أهله فقد أرسى قواعد أسسها الشيخ راشد بن ماجد المعلا عندما انتقل من جزيرة السينية إلى أم القيوين، فقرر بناء الحصن ليكون مركزاً للحكم ومسكناً للعائلة الحاكمة، وذلك عام 1768م وحتى عام 1969م، عندما انتقل منه المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد بن راشد المعلا إلى مسكن آخر، كما شهد هذا المكان احتفالات رسمية ودينية خاصة بالإمارة، لذا، قرر الشيخ راشد بن أحمد المعلا - رحمه الله - ترميم وصيانة حصن آل علي، وتحويله إلى متحف وطني يضم تاريخ وتراث إمارة أم القيوين وإضافته إلى الخريطة السياحية والأثرية في الإمارة .
يتميز هذا الحصن بطراز معماري فريد على غرار المباني الدفاعية القديمة في دولة الإمارات، وتطورت آليات إنشائه وتجديده تبعاً لمجموعة من المتطلبات والحاجات الضرورية، فكان أولاً عبارة عن برج المنشر والمربعة فقط، وقد سمي برج المنشر لأن علم أم القيوين قد رفع عليه عام 1768م، وكانت يد الترميم والتحديث تطوله بين الحين والآخر، حسب توسعات المدينة وما تقتضيه الحاجة، ويتكون الحصن من بناء شبه مربع يقع على مسافة 8000 2م، ويتكون من العناصر المعمارية المحلية، من مدخل باب الصباح فمجلس الحاكم، يستقبل الحاكم ضيوفه، وحرسه، والقادمين لزيارته والسلام عليه، أما مدخل الحصن فيتكون من ثلاث ردهات داخلية تطل على فناء داخلي، هذه الردهات تتكون من طابقين، كل طابق يحتوي على ثلاث غرف، وهذه الغرف مسقفة بخشب الجندل، ويتخلل الجدران المزاغل العمودية والأفقية، إضافة إلى الشبابيك والأبواب المصنوعة من خشب الساج المدعم بالأسفين، وهناك غرفة المناظرة العليا التي كان يجلس بها الحراس للمراقبة ليلاً، إضافة إلى المطبخ والسجن، ويتكون بناؤه المعماري من برجين أحدهما برج المنشر ويقع على الجهة الشمالية الشرقية، والآخر برج الليواره ويقع في الجهة الجنوبية الغربية، حيث تتكون أبراجه من ثلاث طبقات مسقفة بالدعون وخشب الجندل، ويتخلل بدن البرج الأنوف والمسننات في أعلى البرج، إضافة إلى المزاغل العمودية والأفقية، وبوابة من خشب الساج لصعود الحراس إليه في الليل، أما المباني الداخلية فتتكون من فناء داخلي، إضافة إلى الطوي الذي يستخدم للشرب، وألحق بالحصن مجلس خارجي لاستقبال الضيوف وصمم على طراز الحصن ليضفي إليه لمسة جمالية خاصة .
بني الحصن باستخدام حجر المرجان البحري (الكورال) والصاروج مخلوطاً بالجبس كمادة رابطه، إضافه إلى الجبس لكساء الجدران، كما استخدم خشب الجندل للتسقيف مع الدعون وحبال الكمبار للربط .
يشتمل هذا الحصن المتحف على تراث العائلة الحاكمة الذي يشكل نواة لمتحف أم القيوين الوطني، وهو يسلط الضوء من خلال معروضاته على تراث العائلة الحاكمة الذي هو جزء من تراث مواطني أم القيوين، فهناك غرف شتى في هذا الحصن منها: (غرفة مقتنيات الحاكم) التي تحتضن ذاكرة لسلسلة من الشيوخ، وزوارهم من الشخصيات العربية والعالمية، وتحتضن الغرفة الكثير من الهدايا التذكارية والحلي الذهبية القديمة التي تعكس اهتمام المرأة بالزينة، ويستطيع الزائر أن يتبين شريطاً زاخراً من الحياة في ذلك الوقت، ومن ذلك الفن القديم للصياغة في الخليج العربي، ومدى ملاءمته للنمط الاجتماعي السائد في تلك الفترة، وقدمت هذه المجموعة هدية إلى متحف أم القيوين الوطني من الشيخة شمسه الماجد حرم الشيخ راشد بن أحمد المعلا - رحمه الله - إضافة إلى شجرة العائلة الحاكمة وهي مصنوعة من السيراميك المزجج بالذهب .
في كل جزء من أجزاء الحصن ثمة حادثة تاريخية تروى، ومن ذلك ما يتعلق بذاكرة (برج المنشر) الذي يحكي على لسان أهل أم القيوين حوادث تتصف بالشجاعة وولاء الشعب وانتمائه لهذه الأرض الطيبة، وهذا البرج الذي يتجاوز عمره المئة عام يقف بكبرياء وشموخ ليحكي حادثة استشهاد الشيخ حمد بن إبراهيم المعلا عام 1929 وهو ثامن حكام آل المعلا في أم القيوين، وتم تحويل البرج إلى غرفة لعرض الأفلام الوثائقية عن الإمارة .
ومن غرف الحصن الشهيرة هناك (غرفة السوق الشعبي) التي تضم العطار ومحل الأقمشة والمحلوي والدكان والقهوة الشعبية، وهناك (غرفة البحر) التي تبرز المكانة الحيوية لسكان الإمارة التي تحيطها مياه الخليج العربي من جهاتها الأربع، حيث مغاصات صيد اللؤلؤ والسمك وحرفة التجارة عبر الخليج العربي، وشملت معروضات قاعة البحر على مجموعة من نماذج السفن الخاصة بالغوص والتجارة التي كانت تستخدم في أم القيوين، وشباك الصيد، وكذلك على المجموعة الكاملة لأدوات الغوص عن اللؤلؤ منها البوصلة، الفطام، الميزان، مناخل غربلة اللؤلؤ، وغيرها .
وقد سجل المتحف الحياة العامة لأم القيوين باشتماله على غرفة خاصة بالوثائق المهمة التي لها الأثر البارز في الحياة السياسية، مثل أول جواز سفر أصدر في أم القيوين، وجواز سفر الإمارات المتصالحة، وجواز سفر الإمارات العربية المتحدة، وأول رخصة قيادة، وأول رخصة تجارية مع ( ختم الحكومة - المهر) وعملات ذهبية وفضية تعود إلى عهد الشيخ أحمد بن راشد المعلا، بالإضافة إلى أول طابع بريدي أصدر في أم القيوين، ومجموعة من الطوابع البريدية الخاصة بالإمارة ومصاحف مخطوطة بخط اليد وتعود إلى عام 1800م، وغيرها من الوثائق القديمة التي تحكي كل منها موضوعا مختلفا عن الآخر .
ومن الغرف اللافتة في الحصن (غرفة السلاح) وهذه واحدة من الغرف التي تضم أنواع الأسلحة التي استخدمت من قبل سكان أم القيوين بما في ذلك البنادق والسيوف والمسدسات التي توارثها آل المعلا أباً عن جد .
في زيارة المتحف هناك الكثير مما يمكن قوله، والتوقف عند مكانته الحافلة بالأحداث والسير، ويسجل نبض هذه الإمارة ونسيجها الاجتماعي والثقافي، التي يقف هذا الحصن شاهداً على حكاياتها التاريخية الخالدة .